ما وراء #MeToo
أحيانا؛ بعض الأفكار تنتهي إلى عكس ما كانت تسعى إليه، وتنقلب على أصحابها. نرى ذلك الأن جيداً مع حملة MeToo على العنف والتحرش الجنسي التي تحولت إلى ما يشبه كرة ثلج متدحرجة.
أحيانا؛ بعض الأفكار تنتهي إلى عكس ما كانت تسعى إليه، وتنقلب على أصحابها. نرى ذلك الأن جيداً مع حملة MeToo على العنف والتحرش الجنسي التي تحولت إلى ما يشبه كرة ثلج متدحرجة.
حملة MeToo هي قبل كل شيء حملة إيدولوجية، أطلقتها الحركات النسوية [وهي في تناقضات متعاقبة] ضد ما تسميه المجتمع الذكوري، بالتالي هدفها لم يخرج عن التوجه المعتاد للحركة النسوية في تكريس فكرة مظلومية المرأة. لكن هذه الحملة لم تبدأ فجأة مع إطلاق الهشتاغ ولديها مقدمات تمتد لعقود سابقة.
نعود إلى البداية، إلى نيويورك 4 ماي 1975، وبالضبط داخل مركز إجتماعي صغير يسمى Greater Ithaca Activities Center، اجتمع هناك عدة نسوة للحديث عن المضايقات التي يتعرضن لها في العمل من قبل رؤسائهن.
وضمن المتابعين لشهادات تلك النسوة كانت الصحفية النسوية Lin Farley [توصف بالسحاقية الراديكالية] التي كانت قد عينت قبل سنة من ذلك في جامعة كورنيل كمديرة قسم دراسات المرأة Women's studies [جامعة كورنيل كانت هي مهد هذا القسم قبل بضع سنوات].
لدى عودة Farley لقسم دراسات المرأة ناقشت مع زميلاتها وطالباتها قضية ذلك الاجتماع وخرجن لأول مرة بمصطلح "تحرش جنسي" sexual harassment أو بالتحديد "التحرش الجنسي بالمرأة في العمل" بما أن التحرش إلى غاية ذلك الوقت وسنوات عديدة في ما بعد، كان قضية مرتبطة حصراً بعمل المرأة.
في نفس السنة ،اقتربت الموظفة السوداء في قسم الفيزياء Carmita Wood من Farley لمساعدتها بعد أن اضطرت لترك العمل نتيجة ما تقول أنه مضايقات جنسية تعرضت لها لسنوات من قبل رئيسها عالم الفيزياء النووية المشهور Boyce McDaniel.
أنشأت على إثر ذلك Farley و Wood مع زميلاتهن منظمة Working Women United ورفعت Wood أول قضية تحرش جنسي، لكن القانون لم يكن يعترف بالتحرش الجنسي بشكل مباشر وخسرت Wood قضيتها في النهاية. لكن تبع قضيتها عدة قضايا لنساء أخريات في محاكم مختلفة...
وقضت سنة 1977 ثلاث محاكم بقبول دعوى التحرش الجنسي بوصفه مخالف لقانون المساواة الجنسية في العمل لسنة 1964، وفي سنة 1986 أقرت المحكمة العليا الأمريكية بالتحرش الجنسي بوصفه شكل من أشكال التمييز الجنسي في العمل...
ومع مرور الزمن تبنت كل دول العالم تقريباً قوانين لتجريم التحرش الجنسي في العمل (بعضها قبل الولايات المتحدة الأمريكية) ثم عمم مفهوم التحرش على كل جوانب الحياة الإجتماعية.
لكن رغم مرور سنوات عديدة على رصد التحرش الجنسي كظاهرة، لم يكن إلى غاية سنة 2000 تقريباً قضية ذات أهمية سواءً في أحاديث أغلبية الناس العادية أو الإعلام والنخب، وحتى لدى الحركات النسوية التقليدية. وكان من الغريب جداً سماع لفظ تحرش جنسي...
وغالباً ما كان يُستعمل في الإعلام العربي وبين النخب لفظ "معاكسة" وفي الانجليزي "hitting on" وفي الفرنسي "draguer" لوصف أغلب ما يوصف اليوم بالتحرش الجنسي في الأماكن العامة.
تحوُل التحرش إلى قضية رأي عام كما هو اليوم، بدأ فقط مع ظهور وسائل التواصل الإجتماعي والمجموعات النسوية الرقمية وأوصاف مثل: مدون، ناشط عبر الأنترنت... ومعهم بدأت حركات ضد للتحرش في الظهور، تبناها لجاذبيتها الإعلام سريعاً وبمرور السنوات أخذ الأمر في التوسع إلى غاية الهوس الحقيقي.
وأصبح التحرش الجنسي يستعمل لوصف كل شيء تقريباً، ما بين الموظفة التي يلاحقها يومياً مديرها إلى غاية "صباح الخير" في ناصية الشارع، كلها أصبحت تدخل ضمن إحصاءات "100٪ من نساء... تعرضن للتحرش" التي لم يسلم منها أي بلد، وأصبح التحرش هو المشكل العالمي المستعجل رقم واحد.
وحتى الفرق الشاسع بين التحرش والإغتصاب لم يعد له معنى في الأذهان. كما ساد الاعلام خطاب بيوريتاني مزيف لا مثيل له ومراقبة لكل حركة أو كلمة في غير مكانها.
في الدول العربية مثلاً [مصر خاصةً] يلاحظ فيها نتيجة طبيعة المجتمع المحافظ/العاطفي فوضى وإلتباس أكبر في إستعمال المصطلح...
في الدول العربية مثلاً [مصر خاصةً] يلاحظ فيها نتيجة طبيعة المجتمع المحافظ/العاطفي فوضى وإلتباس أكبر في إستعمال المصطلح...
لو حدث عراك مثلاً بين رجل وإمرأة يوصف مباشرةً من قبل الجميع في الأنترنت والإعلام (الحريص على جذب الإنتباه) بالتحرش مع أن نفس الشجار كان يمكن ان يكون بين رجلين أو إمرأتين.
كل هذا الهوس بالتحرش والقضايا الجنسية بشكل عام التي يباركها التقدميون اليوم غير مدركين إلى أي مدى ستعيد العجلة التاريخية إلى الخلف بالنسبة لنموذج الإنفتاح الجنسي والإختلاط بين الجنسين الذي ناضلوا من أجله في الماضي.
مظاهر مثل سيارات أجرة وعربات قطارات مخصصة للإناث [الفصل بين الجنسين] في دول مثل اليابان وكندا وأستراليا وغيرها كانت ستصيب ليبرالي الستينات بالجنون، وهي مجرد البداية فقط. مع حملة MeToo أصبح الثمن الإقتصادي والأكاديمي لهذا النموذج المنفتح يشكل عبء حقيقي على المجتمع.
أكثر من 250 شخصية من النخبة الأولى سقط في الشهور الأخيرة، رؤساء شركات كبيرة، ممثلين، علماء، أكاديميين ومشاهير في كل المجالات [أخرهم هذه الأيام مبسط العلوم المشهور "نيل ديجراس تايسون"] بعض الذين سقطوا شاركوا بأنفسهم في إطلاق الحملة.
أضف إلى ذلك مئات الموظفين الذي تعرضوا للفصل لمجرد أن إحدى الزميلات أتهمتهم بالقيام بتصرف غير لائق معهن، كل هذا لن يمر بدون ردة فعل وبحث عن حلول لتقليل الخسائر المادية والنزيف البشري.
الشركات اليوم وجدت نفسها أمام مأزق حقيقي، فهي بين حماية لابد منها للموظفات من التحرش وتوفير لهن جو عمل مقبول، وبين حماية الموظفين من الوقوع ضحية أتهامات كيدية ستضع الشركة في حرج في كل الاحوال سواءً تعاملت معها أو تركتها.
هذا ما دفع شركات مؤخراً لوضع قوانين صارمة ونصائح داخلية هي في الحقيقة عودة جزئية للفصل بين الجنسين وكانت ستوصف قبل عقود بأنها إجراءات ترعاها حركة طالبان الأفغانية...
منها على سبيل المثال: ممنوع النظر إلى زميل أخر أكثر من 5 ثواني، تجنب تناول الطعام مع الزميلات، تجنب أي وضعية خلوة مع الزميلات، لا تجلس أمام زميلتك في الطائرة خلال السفر، تجنب حجز غرفة من الفندق في نفس طابق زميلتك.
الملفت للنظر في هذا الموضوع والمهم فعلاً ليس التحرش كظاهرة فهو لن يتوقف ولا أحد من الجنسين له الرغبة في وقفه على الاقل في الوقت الراهن، الملفت هو مدى صدق ما تصوره البشر دائماً في الماضي عن التاريخ البشري بوصفه دورة حياة لا تكف عن الدوران أو كأنه مثل أمواج بحر تذهب وتجيء...
في مقابل زيف إدعاءات إيديولوجية التقدم التي روجت بالإعتماد على تأثير التقدم التقني على الأذهان لفكرة زائفة بغية تبرير كل ما يطرحوه تقول بأن البشر في تطور إجتماعي دائم ضمن خط مستقيم لا نهاية له وأن القيم المعاصرة لم يعرفها أحد من قبل...
وأن القيم التي سبقت مباشرةً هذا العصر ذهبت ولن تعود لأنها حسب تصورهم قائمة على أسباب غير موضوعية، وبالتحديد وضعوا اللوم على الدين الذي حملوه كل ما أعتبروه غير مناسب، وهنا تكمن مغالطة أخرى من قبلهم لأنهم لا ينظرون للدين بشكل إيماني محض أو مادي محض..
فإذا كان الدين هو فعلاً ذو مصدر سماوي فسيكون من الغباء الشديد مخالفته، وإذا لم يكن كذلك فهو إذن مجرد إجتهاد بشري نتيجة واقع فرض نفسه وبالتالي لا يمكن إعتباره ظاهرة نتجت عن طفرة لا يمكن تفسيرها بوصفها مجرد اهواء.
كان من المفترض نشر هذا الثريد منذ زمن، لكن لابأس بما أنه عاد الحديث في الأوساط عن شيء مماثل.
نظراً لأن نظرة الناس لم يعد اهتمامها [من زاويتها] على الصعيد الداخلي، بل على العكس، اهتمامها الكبير على صعيدٍ خارجي وعالمي، فسيكون هذا الثريد مناسبة لذلك.
نظراً لأن نظرة الناس لم يعد اهتمامها [من زاويتها] على الصعيد الداخلي، بل على العكس، اهتمامها الكبير على صعيدٍ خارجي وعالمي، فسيكون هذا الثريد مناسبة لذلك.
بين التحرش والاعتداء والاغتصاب*
حسب احصاءات 2019، 60% من المدراء لا يشعرون بالراحة مع الموظفات بزيادة 32% بالمقارنة مع 2018.
#metoo
#metoo
جاري تحميل الاقتراحات...