فهد.
فهد.

@I0ll

66 تغريدة 167 قراءة Nov 10, 2019
وُصِف بأنه «فيلسوف الشيطان!»، وسمّاه ميشيل برجيس في كتابه عنه: «المُفكِّر المُقنّع»؛ حديثنا اليوم عن “مؤسس علم السياسة الحديث” -على حدِّ قول بول جانيت- السياسي والفيلسوف الإيطالي المولود في مثل هذا اليوم الثالث من مايو عام ١٤٦٩م نيكولو ماكياڤيلي.
وُجِدت كُتب كثيرة قبل كتاب «II Principe» -وهو العنوان الأصلي للكتاب- تحمل نفس العنوان، لكن لا يوجد كتاب واحد يمكن أن نقارنه بكتاب ماكياڤيللي. في كتاب «الأمير» لماكياڤيلي يظهر العمل السياسي لأول مرة ”عارياً” بغير زيادات أخلاقية أو لاهوتية.
مع ماكياڤيلي وكتابه بدأت الفلسفة السياسية في العصر الحديث؛ أعني التي ترى أن الدولة كيان تنظيمي أنجزه الناس بأنفسهم، وتحاول أن تنظر إلى العمل السياسي بدون النظارة الأخلاقية. ماكياڤيللي «لا يُشكك في القيم الأخلاقية، ولكنه في فلسفتهِ بكل بساطة يتركها في الخارج أمام الباب!».
كتاب «الأمير» يتناول موضوعا سهلاً ومهماً هو: كيف يمكن أن تكون السياسة فعّالة، وما الذي يجب أن يفعله الحاكم حتى يكون ناجحًا ويحافظ على سلطته؟. الشيء الثوري في الكتاب هو منظور الفاعلية. لذلك يعتبر كتاب «الأمير» أول مرجع في التقدير العقلاني للسلطة في الفلسفة السياسية.
ويُعتبر ماكياڤيلي مخترع التعاليم السياسية للحكم. وهذه التعاليم تعتمد على التجربة والخبرة. فهو أول فيلسوف سياسي في العصرِ الحديث يبني نظريته على المشاهدات والتجارب الواقعية. عند ماكياڤيلي لم يعد العقل المجرد حَكَمًا، بل الحَكم ما شاهده بنفسهِ، أو ما يمكن أن يقتنع بإمكانية وقوعه.
لذلك تجد كتابه مُمتلئ بمادة غزيرة من الأمثلة، التي يسوقها للتدليل على نظرياته، والتي استقاها من مصدرين، هما: الأحداث السياسية في عصره، والوقائع التي رواها المؤرخون. ماكياڤيلي لم يقم بكتابة آرائه وهو في مكتبهِ معزول عن الحياة العامة!
بل إنه أنهى تدريبه العملي في الحياةِ الواقعية، وهو ما لم يقم به أي فيلسوف آخر لا قبله ولا بعده. كان مكياڤيلي سياسيا ودبلوماسيا سنين عديدة. لكنه لم يتحوّل إلى فيلسوف سياسي إلا بسبب المأزق الذي وجد نفسه فيه، فقد ألف كتابه في إجازته الإجبارية.
عندما نسترجع الماضي، نكتشف أن حياة ماكياڤيلي حتى هذا الوقت الذي كتب فيه «الأمير»، حياة مثالية لإعداد هذا العمل الفلسفي. ولد ماكياڤيلي عام ١٤٦٩م، ونشأ في مدينة أدت دورًا كبيرًا في الفنِّ والسياسية في عصرِ الإحياء الإيطالي وهي فلورنسا.
كانت فلورنسا مهد العِلم الإنساني، الذي فتح المجال مرة أخرى لتعلم موضوعات العصور الإغريقية والرومانية القديمة، المشتملة على آدابها وفلسفتها ومعارفها. وارتبطت أهمية هذه المدينة بنهوض الميديشيين، الذين هم في الأصل عائلة تجار ورجال أعمال، استخدمت أموالها في رعاية الفنون وتشجيعها.
استخدمت هذه العائلة أيضًا أموالها لنيل السلطة السياسية، وبذلك تأسس عملياً حكم أقلية عائلية جديد خلف ستار ميثاق جمهوري. ظل مصير ماكياڤيلي مرتبطاً بأسرة ميديشي، فقد نشأ أولاً في ظل القانوني ميديشي لورينزو، وصار شاهد عيان على التقلبات السياسية الحادة في مدينته.
في عامِ ١٤٩٢م توفي لورينزو، وبعد عامين من وفاتهِ أُبعدت عائلة ميديشي عن الحكم. ثم بدأ العصر الذي اكتسبَ فيه الراهب الدومينيكاني جيرولامو سافونارولا نفوذًا كبيرًا في سياسةِ المدينة. كان سافونارولا أصوليا سياسيا من ذوي الاتجاه المتزمت، فقد أُقيمت في عهدهِ محارق للصور والكتب.
ثم بعد ذلك، وفي عام ١٤٩٨م تمّ إعدام هذا الراهب بتُهمة الزندقة! وكان هذا العام هو العام الذي استتبَ فيه الحال لقيادة جمهورية جديدة في فلورنسا، كما كانَ أيضًا العام الذي انخرطَ فيه مكياڤيلي في السياسة. كان والده بيرناردو ماكياڤيلي محاميا ينتمي إلى الطبقة المتوسطة.
وكانت له علاقات وصلات قوية بعلماء الإنسانيات في الجامعة، الذين كانوا أيضًا يتقلدون مناصب سياسية. اهتمّ بأن ينال ابنه تعليما ممتازًا في الاتجاه الإنساني، يحتوي في صلبِ منهجه على اللغةِ اللاتينية ومعرفة فلسفة العصور القديمة والأدب والتاريخ.
بعد أن أتم ماكياڤيلي تعليمه وبفضلِ علاقات والده المتشعبة، تأتى له منصب «مدير مكتب الرئيس» في جمهورية فلورنسا. وبعد وقتٍ وجيز تم اختياره ليكون مسؤولاً عن لجنةِ العلاقات الخارجية والدبلوماسية. وهذا يعني أنه كان يتقلّد وظيفة رئيس السلك الدبلوماسي لجمهورية فلورنسا.
مثّل ماكياڤيلي مصالح فلورنسا في بعثات متعددة حتى عام ١٥١٢م. قدّم له عمله هذا الأمثلة المحسوسة التي اعتمدَ عليها في كتابه. ولنصل إلى تقديرٍ سليم للمهام المعقدة التي واجهها الدبلوماسي ماكياڤيلي، علينا أن نضع نصب أعيننا الحالة السياسية لجمهورية فلورنسا وإيطاليا في بداية القرن الـ١٦.
كانت إيطاليا ممزقة إلى عددٍ كبير من الدول المستقلة والمتنازعة، التي تعقد تحالفات متغيّرة ضد بعضها. أهم الدول الإيطالية بجانب فلورنسا؛ البندقية، ونابولي، ومايلاند، ودولة البابا في روما. كانت هذه الدول وبصورةٍ متكررة دُمى تحرِّكها القوى العظمى، وهي فرنسا، وإسبانيا، وهابسبورغ.
هذه القوى العظمى ذات المطامع الواسعة أشعلت فقط في المدة من ١٤٩٤م إلى ١٥٢٥م ثلاثة حروب كبيرة على الأرضِ الإيطالية. وكانت الجيوش في هذه الحروب -في الغالب- من المرتزقة الذين لم تكن مصالحهم تتفق مع مصالح من كلّفهم بالمهمة، لذلك نجدهم غالباً يغيّرون مواقعهم من جبهةٍ إلى أخرى!
في عهدِ ماكياڤيلي كانت إيطاليا تمثّل لعبة الشطرنج للقوى العُظمى. كانت الضحية وليس الفاعل في السياسةِ الأوربية. أما فلورنسا فكانت حليفًا تقليدياً لفرنسا، ولذلك نجد أن ماكياڤيلي في حياته الدُبلوماسية قد سافرَ إلى البلاط الإمبراطوري في باريس عدة مرات.
مِن أهم الأحداث في حياتهِ الدُبلوماسية وأكثرها تأثيرًا في كتابه -وهذا ظاهر لكل من قرأ الكِتاب-، كانت مهمته الدُبلوماسية التي قادته إلى المغامِر الإيطالي الطموح «سيزار بورجيا»، ابن الإسكندر السادس. بورجيا تأهب للسيطرة على إيطاليا ابتداءً من وسطها، وبذلك أصبحت فلورنسا أيضًا مهددة.
قضى ماكياڤيلي في عام ١٥٠٢م أربعة أشهر بالقرب من سيزار بورجيا، وكان يهابه كخصمٍ عسكري. في هذه المدة عايش كيف أن بورجيا مصدقًا لوعدٍ كاذب، فهو يدعم انتخاب خصمه يوليوس الثاني لمنصب البابا، وبذلك يمهد الطريق لهلاكِ نفسه!
كانَ هذا البابا الجديد قد أبرم حلفًا بين عدد من الدول الإيطالية وبين أسبانيا، موجهًا أولاً وأخيرًا -أي الحلف- ضد فرنسا. لم تُشارك فلورنسا في هذا الحلف بسببِ ولائها لفرنسا، ولذلك تم احتلالها من قبل القوات الإسبانية عام ١٥١٢م. وهذا يعني نهاية الجمهورية الفلورنسية القديمة.
عادت عائلة ميديشي مع الأسبان. لذلك يقول (تسيمر): ”فإذا كانت إزاحة هذه العائلة عن الحكم قبل ٢٠ عاما قد دفعت به -أي ماكياڤيلي- إلى الأمام في السلك الدبلوماسي، فإن إعادتها إلى حكم فلورنسا تعني توقفه الوظيفي نهائيًا”. عُزل ماكياڤيلي من وظيفته، واتُهم بالتآمر، وأُلقي القبض عليه وعُذب.
لم يُفرج عن ماكياڤيلي إلا عندما انتُخِب أحد أعضاء أسرة ميديشي لمنصب البابا، فأصدر عفوًا عاما في فلورنسا. ومع ذلك فقد تم تحديد إقامته في مزرعته «سانت أندريا» في محيط المدينة، وحُرم من أي نشاطٍ سياسي. وفي هذا المنفى، وبعد هذا السِّجن والتعذيب؛ وُلِدَ «الفيلسوف السياسي» ماكياڤيلي.
وجد ماكياڤيلي في منفاه الوقت للقراءة، والوقت لترتيب وإعداد مذكراته الكثيرة التي قيّدها أثناء عمله السياسي. وُضعت خطة الكتاب في النصفِ الثاني من عام ١٥١٣م، وانتهى من تأليفه في نفسِ العام. أهدى ماكياڤيلي كتابه إلى الرجل الذي حرمه من السياسة، ولكنه الوحيد الذي يستطيع أن ينهي نفيه.
هذا الرجل هو «لورينزو» الحاكم الجديد لفلورنسا، أحد أحفاد لورينزو القانوني. ماكياڤيللي أراد أن يوضح في كتابه كيف يستطيع الإنسان أن يتجنب أخطاء الماضي. وهدفه المحدد يتخطّى السياسة المحلية لمدينته، هدفه هو: ”توحيد إيطاليا سياسياً وتحريرها من الحكم الأجنبي“.
في الفصلِ الأخير من كتابهِ العنوان التالي: ”نداء لتحرير إيطاليا من الهمج المتوحشين (أو البرابرة)”. والبرابرة الذين يريدهم ماكياڤيلي هم: الألمان والأسبان والفرنسيين والسويسريين. أراد في كتابه أن يساهم في ظهور المُنقذ والمُخلِّص بعد هذا الزمن الطويل لوطنهِ الممزّق.
فـ«الأمير» وصفٌ لهذا المُنقذ، وللخصائص والصفات التي يجب أن تكون فيه. لم ينل كتاب «الأمير» أي اهتمام خاص في البداية، والسبب أن هناك كُتباً كثيرة جدا انتشرت قبله -وبعده- تحمل ذات العنوان. في العصورِ الوسطى يوجد تراث خاص بهذه الكُتب، وهي نوع من الكتابة أُطلق عليه «مرآة الأمراء».
هذه المرايا ينبغي على السلطان أن يرى فيها الصورة المُثلى للحاكم الكامل، كما لو كان ينظر في مرآة مرفوعة أمامه. هذه المرآيا (أعني الكتب) كانت تُهدى أيضا ككتاب ماكياڤيلي هذا لأمير أو حاكم بعينه. ولذا نجد أن فيلسوف العصور الوسطى ”توما الأكويني” أهدى كتابه «عن حكم الأمراء» لملك قبرص.
وإيرازموس الفيلسوف الهولندي، الذي نشر كتابه عام ١٥١٦م «تربية الأمراء» أي بعد ثلاث سنوات من إنتهاء ماكياڤيلي من كتابه، أهداه أيضا لأميرٍ من الأمراء. وضعت «مرآيا» الأمراء هذه مقياساً أخلاقياً للسياسة مفاده: أن الحاكم لن يكون حاكمًا رشيدًا، إلا إذا أخضع سلوكه للمبادئ الأخلاقية.
وعليه أيضًا أن يُراعي الحقوق الأساسية للمحكومين. فالحكمة والخيرية على سبيل المثال خاصيتان يطلب «إرازموس» تحقيقهما في الأمير المثالي. ماكياڤيلي تمسّك بفكرة «مرآة الأمراء»، ولكنه استخدامها ليضع فيها مضامين أخرى مختلفة! فهو يرى أن القيم الأخلاقية لا يجب أن توجّه عمل الأمير السياسي.
وجهة نظر ماكياڤيلي أن الأمير لا يعيش في عالمِ الملائكة، وإنما في عالمِ التآمر والشرور والسلطة. ولهذا قال في كِتابه: ”يجب على الأمير، الذي يريد أن يحافظ على مكانته، أن يكون قادرًا على العمل غير الطيب، وأن يكون قادرًا على فعل الخير وتركه، حسبما تتطلب الظروف”.
قدّم ماكياڤيلي بما يُسمى «مرآة الأمراء» صورة مغايرة تماماً ومقاييس جديدة للحاكم المثالي. فهو لم تعد له الآن صلة بالأمير الكامل أخلاقياً. إنه يتجه إلى «أرض الحقائق» نصّاً وروحًا، ولذلك قال: ”إني أترك التخيلات عن الأمراء جانبًا وأتحدث عن الواقع”. بهذا يبدأ رسم برنامجه بوضوح.
الذي قاده لهذه الصورة المغايرة، ولا أقول للأمراء بل للإنسان! هي خبرته الموضوعية عن كيفية تصرّف الحكّام والمحكوميين في علاقاتهم ببعضهم. الفلسفة السياسية القديمة، وبالأخص تلك نشأت على يدِ أفلاطون وأرسطو؛ نظرت إلى الإنسان أنه ”كائن عاقل” يمارس فيه العقل السيادة على الغرائز والشهوات.
فإن الإنسان يجد تحقّقه الطبيعي عند ممارسة عقله السيادة على غرائزه. هكذا -على سبيلِ المثال- توصّل أفلاطون إلى فكرة الملوك الفلاسفة. لكنّ ماكياڤيللي قال بشيءٍ آخر! إن الإنسان عنده تسيطر عليه الغرائز قبل كل شيء.
لذلك يرى أن الحاكم الذي يتصرّف بحكمة، أو يفترض ردود عاقلة في الخاضعين لحكمهِ، سوف يفشل حتمًا. كما أن الحاكِم اللي يُظهر الخير دائمًا كما يطلب إيرازموس، سوف يخدعه خصومه، ويحتقره شعبه لأنه في أعينهم حاكم ضعيف!. لاشك أن هناك صورة مقابلة للحاكم الناجح، فمن هو؟
الحاكم الناجح عند ماكياڤيلي هو الذي يجيد العزف على أوتار الأمزجة والأحوال في البيانو. هذا الشكل للعقيدة السياسية يُسمى اليوم «السياسة الانتهازية». الحُكم عنده لم يعد مؤسساً على الميلاد، أو التوريث التعاقبي. وقوله هذا بعد تأمل في الأوضاع السياسية لإيطاليا في عصرِ إعادة الإحياء.
كان الاستيلاء على الحُكم -في أغلب الأحوال- في هذا الوقت عن طريق الغزو، أو الانقلاب، أو المهارة الدبلوماسية. فالاستيلاء على الحكم كانَ يتحقق بمساعدة القوة الخاضعة، أو بمساعدة قوة أجنبية، أو من خلال الجدارة الذاتية، أو من خلال القدر السعيد!!
انصَب اهتمام ماكياڤيلي على حالاتٍ معيّنة من حالاتِ الاستيلاء على الحكم، وهي التي تحوطها المخاطر، ويحتاج الحاكم فيها إلى مهارةٍ عالية، وهي: حالة تولي الحكم بمساعدة قوة أجنبية، أو بمساعدة القَدَر السعيد والحظ الحَسن!
ماكياڤيلي يحاول أن يعرِض بوضوحٍ تام كيفية التعامل الماهر مع السلطة. إنه قبل أن يقدم لنا نموذجه يقول بصوتٍ مرتفع: ”هُنا يُثبت العبقري السياسي الحقيقي ذاته”. [الأمير] عنده ليسَ حاكمًا من نوعِ «الملكيّة المقدّسة»، وإنما سياسي صنعَ نفسه بنفسهِ، إنه ميكانيكي السُّلطة.
المَثل الأعلى والحي هو «سيزار بورجيا»، الذي درَسَ ماكياڤيلي حياته وتصرفاته عن قُرب. بورجيا نال الإمارة عن طريق إهداء والده. أنشأ جيشا خاصّا، وحصّن سلطته، واكتسب احترام شعبه. وخلال نشاطه وشدّة بأسه استفادَ كثيرًا من نعمة حسن الحظ!
لكن اعتقاد بورجيا في حسن الحظ، كان سببا في سقوطه، وذلك أنه ترك عدوّاً سابقا له ذا قوة فائقة عن الحد. عند ماكياڤيلي «سيزار بورجيا» ومن وجوه كثيرة هو الحاكم المثالي، ولكن تنقصه ”القدرة” ليكون كاملاً، ليس القدرة فقط على اتباع حسن الحظ، وإنما على توجيهه وقيادته أيضا.
«حسن الحظ» (fortuna) أحد أهم مصطلحين في فلسفة ماكياڤيلي السياسية. أما المصطلح الثاني فهو «الفضيلة» (virtu). يتميّز الحاكم المثالي عنده؛ بأنه يُظهر الفضيلة التي يتحكم بها في حُسن الحظ. الفضيلة عند ماكياڤيلي ليست الصلاح والطهارة، وإنما المرونة العقائدية في التعامل مع حسن الحظ.
الحاكم المثالي عنده هو الذي يتقن فن تقدير المواقف، ويستغلها لصالحه. فالمثل الألماني «حظ الشاطر» يعبر بصورة ممتازة عن العلاقة التي وصفها في كتابه بين القدرة على المرونة وحسن الحظ. فالمرونة العقائدية لا تنحصر في الاستسلام التشاؤمي ولا في التفاؤل، وإنما في فن انتهاز الظروف المواتية.
وهذا الفن يُمكِّنه أيضًا من استخدام العنف في أوقات والمكر في أوقات أخرى. يرى خطيب روما المفوّه «شيشرون - سيسرو» أن العنف والقوة من صفات الأسد، والخديعة والمكر من صفات الثعلب، لذلك أي إنسان يحاول أن يستخدم هذه الصفات والأساليب فإنه ينزل إلى مستوى الحيوانات!
ما الذي فعله ماكياڤيلي؟ لقد استعار من شيشرون صورة الأسد والثعلب، ووافقه بأن العنف والمكر أقرب إلى خصائص الحيوانات، ولكنه خالفه بقوله: ”لأن الوسائل الإنسانية في الحياة السياسية اليومية غالبًا لا تكفي، يجب على الإنسان أن يستخدم الوسائل والأساليب الحيوانية!”.
في فلسفةِ ماكياڤيلي السياسية يرى أن ”الحاكم يجب أن يكون قادرًا على التصرفِ كالأسد، مثلما يحب عليه أن يكون قادرًا على التصرفِ كثعلب”. الإنسان ليس كما صوّره الفلاسفة القدماء، بل إنه على الأرجح لا يوثق به أخلاقيا، إن حديثه كالعسل، ولكن فعله سام كالحيّة، ويجب الحذر منه في كل لحظة.
لذلك يقول: ”يجب على الإنسان أن يكون ثعلبا ليعرف الحيّات، وأسدًا ليُفزع الذئاب”. فالعنف والمكر عنده أدوات مشروعه للحاكم. ننتقل إلى «القناع الأخلاقي!» يرى ماكياڤيلي أن الحاكم يجب أن يقدم نفسه للشعب حسب متطلبات الموقف، ويجب عليه إتقان فن التدبير والإخراج السياسي.
عليه مثلاً أن يكون صارمًا في وقت القلاقل، وخيِّرا حليما في أوقات السلام الاجتماعي. وعلى الحاكم أن يكون قناعا الحيوان والإنسان تحت تصرّفه وحسب اختياره. الحاكم عند ماكياڤيلي ”ليس ديكتاتورا مولعاً بالقوة، وإنما هو لاعب شطرنج سياسي، يدرك حسابات كل نقلة من نَقلاته”.
هدف الحاكم والسبب في تصرفاته: ”تثبيت الحكم”. لذلك القاعدة الرئيسة والأهم للحاكم في علاقتهِ بالشعب، فعليه أن يكون مهاباً دون أن يكون مكروهاً، لأن الكره -حسب فلسفة ماكياڤيلي- ”ينشأ من الطغيان، والاحتقار ينشأ من الضعف” وكلاهما يهدد الحاكم.
الضعف يتحقق في رأيهِ عندما يكون الحاكم محبوبا من الشعب، وهذا الهدف (أن يكون الحاكم محبوبا لدى شعبه) هو ما اشترطه سيسرو في الحاكم. ماكياڤيلي يخالف هذا بالطبع ويوجب وجود مسافة بين الحاكم وشعبه، حتى يتجلّى تأثير القوة وجلال الحكم.
وهنا يستخدم ماكياڤيلي مثال سيزار بورجيا؛ فإن حكمه عندما تعرّض للخطر بسببِ أحد قادته، كان وحشيّاً فكرهه الشعب، أمر بورجيا بإعدامه فورًا أمام أعينهم! وهو بهذا الفعل حقّق أثرًا مزدوجًا: أنه هدّأ كره الشعب وغضبه، وولّد الرهبة والاحترام، اللذين يخدمان تأمين سلطته وحكمه.
وهو يرفض وبشدة ما ينصح به فلاسفة العصور الوسطى؛ أن الحاكم يجب أن يكون حليماً وسخياً. ويرى أن من سيكون ليّن الجانب أكثر من اللازم، سيضطر في وقتٍ ما للعقاب بشدة، ولكن متى؟ عندما تفوت الفرصة. فالأفضل التصرف بوحشية منذ البداية، ولكن هذه الوحشية لابد أن تكون محددة الهدف ومقدرة الكمية.
وأمير ماكياڤيلي يجب أن لا يضيّع أمواله باستخفاف، فهذا تهديد للسلطة بالزوال. في المقابل فإن البخل أو التصرف الحريص للأدوات المالية، يساعد الأمير على حريةِ العمل السياسي. وهو يرى أن كرم الحاكم يجب أن يكون من الأموال التي يكسبها من الآخرين، حتى تولّد مشاعر طيبة لدى الشعب.
«القوانين المحكمة، والسلاح» على هاتين الركيزتين يعتمد حكم أمير ماكياڤيلي. الدور الأعظم على الإطلاق قائم على السلاح، فبدون السلاح والجيش لا يمكن -في رأيه- لأفضل القوانين أن تستمر. استخلص هذا من ملاحظاتهِ على الجيوش المرتزقة، لذلك أكّد على تكوين جيش من أبناء الإقليم نفسه.
في النهاية المجد والجاه هما جزاء الحاكم الناجح. رأى ما كياڤيلي أن إيطاليا تقف في منعطف هام في تاريخها، فأراد بكتابه هذا أن يُشعل الشعلة التي يرجو أن تعيده إلى الأضواء مرة أخرى، والتي تستطيع أن تحرك وتدفع الأمير الفلورنسي إلى الإنجاز السياسي. ولكن أمله الذي أراد تحقيقه بكتابه خاب!
بفتورٍ شديد استُقبل كتاب ماكياڤيلي. والأمير المديتشي لورينزو لم يرَ سبباً يدعوه إلى التصرف طبقًا لتصورات ماكياڤيلي، أو حتى يعيده إلى المشهد السياسي. وزيادة على هذا فإن إيطاليا لم تتّحد سياسيا إلا بعد مرور أكثر من أربعمائة عام.
عاش ماكياڤيلي سنواته التالية منعزلاً عاكفاً على التأليف، فألّف كتبًا في التاريخ والأدب والفلسفة، وواصل تعميق فلسفته السياسية، فكان كتابه «Discorsi دراسات» أو «أحاديث على المقالات العشر الأولى في تاريخ تيتو ليفيو» أكثرها شهرة.
ورغم الاستقبال البارد لكتاب «الأمير» في بداية ظهوره، إلا أنه بعد ذلك أصبح من أكثر الكتب إثارةً للجدل في الفلسفة السياسية حتى يوم الناس هذا. تم تداول الكتاب قبل نشره في الدوائر الفلورنسية، ولكنه لم يطبع إلا بأمرٍ من البابا عام ١٥٣٢م بعد وفاة مؤلفه.
ثم لم يلبث حتى وضعته الكنيسة في قائمة الكتب المحرمة عام ١٥٥٩م. وسببُ تحريمه لم يكن ذلك الضمير الذي نصح به ماكياڤيلي في ممارسةِ السلطة، وإنما فصلهُ التام بين السياسة واللاهوت، وهذا كان أمرًا غير مقبول عند الكنيسة. عالم السياسة عند ماكياڤيلي، هو عالم يخلو من الله!
الحاكم في فلسفةِ ماكياڤيلي السياسية لا يحتاج إلى الله لتثبيت حكمه، بل إنه في فلسفته لم يفكر إطلاقًا في ثواب الله وعقابه. فهو أول مفكر في العصر الحديث أسس فلسفة سياسية في غِنًى تام عن الأساس الديني. لم يضع ماكياڤيلي نصب عينيه إلا مصالح الأمير والدولة.
«مصلحة الدولة وسلامتها»؛ هو أكبر منجزات كتاب “الأمير” لماكياڤيلي. فكل الذين يتحدثون اليوم عن (سلامة الدولة ومصلحتها العليا) فهم يسيرون على خطى ماكياڤيلي. لكن الأمر الذي لا يمكن توضيحه، هو وضع كثير من السياسيين هذا الكتاب على ”الكومودينو” بجوار أسرة نومهم!!
هذه بإيجاز فلسفة ماكياڤيلي السياسية التي أودعها كتابه «الأمير»، وهذا هو الفهم السائد لها، وهناك من قرأ الكتاب قراءة عرجاء قائمة على التخرّص كالباحثة الأمريكية ماري ديتز Mary Dietz؛ التي ترى أن وجهة نظر ماكياڤيلي في كتابه، ما هي إلا فخ أحكمه بمهارة للإيقاع بلورنزو دي ميديتشي!
ودليلها تلك ”النصائح الملغومة” على حدِّ قولها، وهي أربع: أن يسكن الأمير فلورنسا، وأن يعمل على كسب دعم الشعب، وألا يبني حصوناً، والرابعة: أن يسلّح شعبه لكي يجعل منه جيشاً. أطروحة ديتز انتُقدت، ومن أشهر نُقادّها جون لانتغون John Langton الذي رأى أن الإخلاص التام كان في هذه النصائح.
وهناك جمع من الباحثين قيّدت عقولهم الحَيْرة، وذلك بسبب التناقض الشديد بين كتابي «الأمير» و «أحاديث»؛ ففي النص الأول يظهر ماكياڤيلي كمُنظِّر للاستبداد ومشجّع على ممارسته، بينما في كتابه الآخر «أحاديث» يتبدّى مفكرًا جمهوريا يؤكد وجوب تأسيس مجتمع حرّ!
وهذا أمرٌ أُجيب عليه؛ وأُحيل القرّاء الكرام لقراءة مغايرة عمّا ذُكر هنا لأستاذ الفلسفة المغربي د. الطيّب بوعزة في كتابه «نقد الليبرالية» من صـ٣٨ إلى صـ٥٢، لعلّ فيما يذكره إثراء معرفيا لكم. كما أدعوكم لقراءة حديث روبرت تسيمر في كتابه «في صحبة الفلاسفة» عن كتاب ماكياڤيلي.
نختم هذهِ السلسلة بقولٍ مقتبس: ”قوة الأمير هي في قوة الشعب لا في قوة الجدران التي يتمنّع خلفها؛ لأنه ليس ثمة حصن قادر على حمايته إذا ما ثار الشعب عليه، ولذا فالأصل في الحكم هو كسب ثقة الشعب ودعمه لا الإنفصال عنه من وراء جُدر”.
والسلام.

جاري تحميل الاقتراحات...