21 تغريدة 59 قراءة Jan 20, 2020
ذهبت إلى ملاهي الشلّال في جدة، وهذه المرة هي أول مرة في حياتي أجرّب شعور أن تكون قدماي في الأعلى ورأسي في الأسفل.
حتى يوم ولادتي، وُلدت واقفًا.
لا أحب الملاهي على العموم، ولا أحب الصراخ والعويل ولا الخوف.
لكن اجترّني أخواتي الصغار رغمًا عن أنفي إلّا أن أركب معهم في "قطار الموت".
وتجربتي مع الملاهي لم تتجاوز مرتين في طفولتي في ملاهي اسمها "درّة المدينة" في المدينة المنورة، كان بها ثلاث ألعاب فقط: سيارات التصادم و السفينة و الدائرة الكبيرة المليئة بالعربات، ولم أراها تتحرّك يومًا.
والسفينة كانت هي أخطر لعبة ركبتها في حياتي، كانت تُشبه قلوب أهل المدينة .. لطيفة.
أتذكر وأنا راكبها أني رأيت بها أمًا تجهّز الرَضعة لطفلها، وأب يصرخ على ابنائه من خارج السفينة يأمرهم أن يجلسون وهم يجرون خلف بعضهم .. وأنا أسوي نفسي ماني خايف عشان جنبي بنت متلثّمة.
وكانت اللثمة نادرة الوجود في ذاك الزمان، مخصّصة فقط للعوائل البرجوازية اللي عندهم سواق وسيارتهم مظلّلة.
أتذكر في وسط اللعبة أني فكيت حزامي كي أُثير إعجابها .. شوفوني ماخاف الموت.
المهم أني ركبت قطار الموت في الشلال؛ وإلى الله أشكو عُجَري وبُجَري، ياليتني متّ قبل ذاك اليوم بعشرين سنة.
ربطوني بحزام أمان ليمنعني من السقوط، وبحسب خبرتي في أحزمة الأمان أنها يجب أن تكون مشدودة جدًا ولا تستطيح تحريكها أو فكّها كراكب.
لفّ علي العامل الفلبيني الحزام وذهب بعيدًا يربط باقي الناس، أتتني رغبة الإنسان الفطرية: التأكد بأني في أمان.
فمدّيت يدي علي الحزام كي أجرّب شدّة ربط العامل له.
كانت تلك الفاجعة الأولى عندما دفّيت الحزام عن صدري فوجدته قد انزاح إلى الأمام قليلًا، فصرخت صرخةً انتفض لها نصف أهل جدة، ثم التفتّ على أخواتي كي يجرّبون أحزمتهم فاندفعت معهم مثلما اندفعت معي، ثم بدأ كل الناس يجرّبون أحزمتهم ويدفعونها.
ثم بدأ الناس يدعون العامل الفلبيني يخبرونه أن الأحزمة غير مربوطة، والناس من الخارج ينظرون إلينا قطار الموت بخوف؛ مالذي حصل.
وكل ذلك بفضلي .. الله يسعد قلبي.
ثم أتى شاب سعودي يعمل في المكان، فأخبرنا أنها إلكترونية وأنها ستُغلق من وحدها.
بدأ القطار بالحَركة، وكما أسلفت لكم أني كنت أظنّ كل ملاهي الدنيا مثل قلوب أهل المدينة: مُفرطة اللُطف والأمان.
فنظرتُ إلى أخواتي الصغيرات نظرةً أُطمئنهنّ بها، نظرتَ الـ: لاتَخفنْ، أنا معكنّ هاهنا وبينكنّ، أمانكنّ، جداركنّ العريض، حِصنكنّ الطويل، أنا بينكم وبين كل رعب الدنيا حاجزًا، وبقيتُ أنظر لهنّ وأُطيل في بناء الفكرة لهم أني قلعةٌ طويلة تحميهم من غَثاء الدنيا.
وكما قال الشاعر:
بناها فأعلى والقنا يقرع القنا ..
وموج المنايا حولها يتلاطمُ ..
وكان أول موجٌ لطمني على وجهي عندما ضغط الفلبيني زرّ التشغيل للقطار.
هبَط القطار بسرعةٍ عالية إلى الأسفل، فظنّيت أن الله قد خسف بنا.
فصرختُ صرخةً أخرى نفضتُ بها النصف المتبقي من أهل جدة.
انطلق القطار بسرعةٍ مخيفة، صرختُ اللحظة الأولى وقت الخسوف ثم انخرستُ بلا شعور.
والقطار منطلق نظرتُ إلى الأمام فوجدت أمامنا طلعةً مُهيبة، تشقّ القلب.
صعد القطار أول تلك الطلعة ثم أصبحت السكّة تميل بنا، وفي لمحة عين انقلب القطار وصار رأسي في الأسفل وقدماي في الأعلى .. أقسم بالله أني تشهّدت.
ثم بعد التشهّد بدأت أنادي على الفلبيني بعالي الصوت: وقققققققققف وققققققققققققف.
ولكن، لا مُجيب ولا نصير إلّا الله، فعُدت إلى تشهّدي، أبغى الجنة خلاص.
خجلتُ أن أنظر إلى أخواتي في سكرات الموت وأثناء تشهّدي لأنظر لهم نظرة المودّع بعد حفلة العويل وبعد نَظَرات الأمان الأولى.
ورغم انعزال حواسّي عن الواقع لكني متأكد جدًا أني كنت أسمعهم يضحكون، لكن لم أرغب أن أصدّق أو أنظر لهم، دعهم يذكروني جدارًا طويلًا وأمانًا كان باقي له شوي ويبكي في الملاهي.
بعد صراع الموت، توقّف القطار، فعادت لي حواسّي، وصدق الله حين قال:"فلمّا نجّاهم إلى البرّ إذا هم يُشركون"، بعد التوقّف مباشرةً لم أحمد الله أن نجّاني من الموت، بل لعنتُ الفلبيني ثم أخواتي ثم الملاهي ثم جدة ثم البشريةُ أجمع.
حملوني أخواتي من القطار حملًا.
نزلت من القطار، قطعتُ الورقة الملفوفة على يدي التي تخوّلني لدخول باقي الألعاب.
ذهبت إلى زاويةٍ في الملاهي أدخّن حتى استطعت الوقوف على قدمي باعتدال.
المهم .. لا تطلعون قطار الموت.

جاري تحميل الاقتراحات...