١- في مطلع القرن الحالي قاد علماء أفذاذ (كالألباني، وابن باز، وابن عثيمين وغيرهم) ثورة علمية مباركة قائمة تقديم الدليل نبذ الجمود على المذاهب، فأصبحت الشاب في مقتبل عمره يسأل عن الدليل ويرد بالدليل.
٢- كان لهذه الثورة العلمية آثارها المباركة التي لا تخفى وأنتجت حراكاً علمياً غير مسبوق غير أنه لم يسلم من بعض الآثار السلبية والثغرات التي لا يخلو منها عمل البشر، ولا يقلل من قيمة ما قدّمه أولئك الأعلام لكن لابد من التنبيه عليه.
٣- من تلك الآثار والتي أرى أنها أثرت على التكوين العلمي لطلاب العلم في هذا الزمان هو (التعصب ضد المذهبية) وضد كتب المذهب والدعوة إلى إلغاء كتب المذاهب المختصرة والأخذ مباشرة من الكتاب والسنة، والنظر إلى المتفقهة على كتب المذهب نظر ازدراء بل ربما وصل الأمر إلى التفسيق والتبديع.
٤- مع التنبيه إلى أن الأئمة قادة هذه الحراك العلمي المبارك لم يدعو إلى هذا التعصب لا تلميحاً ولا تصريحاً بل هم داعون إلى الجادة المطروقة في هذا الباب (طلب العلم)، لكن تطبيقات الأتباع وبعض تلاميذ أولئك المشايخ هو السبب في مثل هذا حين يتضخم خطاب الدعوة إلى الدليل على حساب الجادة.
٤-والمشكل في الأمر والداعي للعجب أن التفقه على كتب المذاهب المختصرة هي الجادة المسلوكة لطلب العلم، وهو ما يوصي به العلماء طلابهم إذا سئُلوا عن "منهج الطلب" =
وهذا الإمام الذهبي إمام في الحديث يقول "الفقيه المنتهي اليقظ الفهم المحدث،الذي قد حفظ مختصرًا في الفروع،وكتاباً في قواعد الأصول،وقرأ النحو، وشارك في الفضائل مع حفظه لكتاب الله وتشاغله بتفسيره وقوة مناظرته فهذا رتبة من بلغ الاجتهاد المقيّد" فانظر قوله (حفظ مختصراً في الفروع).
٥- ولو نظرت في كتب منهجيات الطلب لرأيتها على قول واحد (طلب العلم وفق متن مختصر) فهذا الشيخ الجليل في كتابه العظيم (حلية طالب العلم) قال "فلا بد من التأصيل والتأسيس لكل فن تطلبه، بضبط أصله ومختصره على شيخ متقن، لا بالتحصيل الذاتي وحده".
٦- وميزة كتب الفقه المختصرة أنها تجمع لك مسائل الباب الواحد وترتبها لك ترتيباً دقيقاً، فإن للفقهاء نظرا دقيقاً في ترتيب المسائل والأبواب، وهذا الترتيب هو ما تفتقده كتب الحديث، ولا أعني أصل الترتيب فإنها مرتبة على أبواب الفقه، بل الترتيب الدقيق للمسائل =
فإن الحديث أحياناً يدل على عدة مسائل متفرقة ليست منتظمة الترتيب، ولهذا فلو طلبت من حافظ متن فقهي مختصر الكلام في باب المياه لسرد لك أصول مسائل الباب بشكل واضح ومرتب، خلافاً لحافظ كتب الحديث فإنه يوردها مختلطة غير مرتبة بل ربما نسي بعض المسائل =
٧- وأرجو - وهذا لغمٌ كاد ينفجر بنا - ألا يُفهم كلامي النهي عن حفظ كتب الحديث المختصرة، أو التقليل من شأنها بل هي مهمة بأهمية متون الفقه المختصرة، غير أن الشأن في الترتيب، ولهذا فإن العلماء نصوا على أن من حفظ مختصراً في الفقه وأتقنه فقها وحفظاً مُكّن من النظر في النصوص =
قال الذهبي"الفقيه المنتهي اليقظ الفهم المحدث، الذي قد حفظ مختصرًا في الفروع، وكتاباً في قواعد الأصول، وقرأ النحو، وشارك في الفضائل مع حفظه لكتاب الله وتشاغله بتفسيره وقوة مناظرته، فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المقيد، وتأهل للنظر في دلائل الأئمة ... =
...فمتى وضح له الحق في مسألة، وثبت فيها النص، وعمل بها أحد الأئمة الأعلام كأبي حنيفة مثلاً، أو كمالك، أو الثوري، أو الأوزاعي، أو الشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، وإسحاق، فليتبع فيها الحق ولا يسلك الرخص، وليتورع، ولا يسعه فيها بعد قيام الحجة عليه التقليد".
فقدّم حفظ المختصر فتنبه!
فقدّم حفظ المختصر فتنبه!
٨- ثم هنا أمر وهو صحة دعوى "فقه الدليل" والنظر هنا في جهتين:
الأولى: المجتهد، وهذا لا شأن لنا به، ودعوى فقه الدليل عليه منطبقة تمام الإنطباق. =
الأولى: المجتهد، وهذا لا شأن لنا به، ودعوى فقه الدليل عليه منطبقة تمام الإنطباق. =
الثانية: المقلّد هم الجمهور الأعظم من طلاب العلم الذين لم يتأهلوا بعد للنظر في الأدلة لعدم حيازة آلته فهؤلاء لا تصح دعواهم لفقه الدليل، إذ هم ما زالوا في عداد المقلدة، وهم في حقيقة الأمر بدلأن يقلدوا أحمد والشافعي، قلدوا ابن باز وابن عثيمين !
٩- وهذا الأمر - الدعوة إلى فقه الدليل وترك سَنَن الطلب المتّبعة - أثرت على تكوين طالب العلم وأصبحنا نرى ضعفاً ظاهراً في عرض العلم وتقريره والانتصار له، وليس في هذا نبذاً للدليل وإعراض عنه، فنحن نتكلم عن جادة الطلب للطالب المبتدئ المتفق على أنه في عداد المقلدين.
١٠- ولو تأملت سير العلماء الذين تقدم ذكرهم ممن قادوا تلك الثورة العلمية المباركة لوجدتهم قد سلكوا الجادة المطروقة على سَنَن الطلب فتفقهوا على كتب المذاهب المختصرة، بل لم يصلوا إلى الأخذ بالدليل لولا التفقه الصحيح على متن مختصر رتّب علومهم وضبطها بنظام محكم.
١١- وإنه مما يدعو للسرور هو ظهور جيل من العلماء وطلبة العلم قادوا حملة منضبطة للعودة لكتب المذاهب المعتمدة تكون قاعدة لطالب العلم للانطلاق في بحر العلم العباب كالمشايخ: العصيمي، والقعيمي، وباجابر، وعامر بهجت وغيرهم من العلماء وطلبة العلم في الداخل والخارج.
١٢- هذا رأي أردت به خيراً وأرجوا أن أصيبت.
ولا أزعم أني أصبت الحق قطعاً، بل الباب مفتوح على مصراعيه للنقد والاستدراك والتوجيه، وإني أشد فرحاً بالحق يأتي ممن كان فأتحفونا بآرائكم.
ولا أزعم أني أصبت الحق قطعاً، بل الباب مفتوح على مصراعيه للنقد والاستدراك والتوجيه، وإني أشد فرحاً بالحق يأتي ممن كان فأتحفونا بآرائكم.
رتبها @Rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...