عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

13 تغريدة 7 قراءة Apr 12, 2023
هل يمكن لكاتبٍ أن ينقد نفسَه بتجرّد؟ صعب، بل صعبٌ جدًا، إلّا أن تمرّ سنون وأزمان على ما كتب، بحيث تُعَدّ أخطاؤه القديمة شواهد تطوّر. دار هذا السؤال في ذهني وأنا أقلّب أوراقي القديمة لأظفر بقصيدةٍ عنوانُها: "كتبٌ وأغانٍ" كتبتها قبل ثلاث وعشرين سنة. شعرت أنّ عديًا آخرَ كتبها.
للقصيدة قصة ميلاد تبدأ في متحف بلفيدير في فيينا. لم أكن معنيًا بالرسم يومها، ولا أملك أبسط أبجدياته. دخلت المتحف وشرعت أتجول بين قاعاته، ذاهلَ القلب، زائغ العينين، إلى أن وقع بصري على لوحة الصبيّة القارئة Lesendes Mädchen للنمساوي فرانز أيبل، ولسببٍ ما تسمّرت أمامها.
ما زلت لا أفهم لمَ اخترتها وتركت روائع كلِمت وإيجون شيله؟ يبدو أنّني وجدت في إيماءة يدها -وهي ترتخي بحرارة فوق صدرها- نوعًا من الاستغراق أعرفهُ وأجده ساحرًا ومألوفًا. اشتريت بطاقتين أثناء خروجي، إحداهما للصبية القارئة، وأخرى لفتى يشبهها، يقرأ أيضا.
كنت أعالج الشعر آنذاك، وكأي مبتدئ يكتشف الإيقاع طفقت أجرّب منتشيًا شتى قوالبه وأوزانه. تساءلت وأنا أتأمل البطاقتين: لمَ لا أكتب قصيدةً عنهما؟ الفتى والفتاة؟ أصفهما حين يخلدان إلى النوم؛ ماذا يقرأان من كتب؟ وماذا يسمعان من أغان؟ بحيث تكون تلك الكتب والأغاني نافذةً لنا على روحيهما.
أكثر ما أغاظني بعد أن جددت عهدي بالقصيدة خضوعها لتصور نمطي ذكوري عن الجنسين: الفتاة غارقة في الرومانسيات، بينما الفتى يقرأ بودلير ويعالج هموم الوطن! سبحان الله! صحيح أن الفتاة والفتى حالتان مفردتان، لكن بنية القصيدة التناظرية تجبرك على الانخراط في الفروق الجندرية وعقد المقارنات.
قد يشفع لي أنني ما زلت أفضّل كتاب الفتاة على الفتى، وكلما تقدّم بي السن ازددت تعلقًا بشكسبير، أما قصيدة الشابي، وتكرارها إلى أن يطلع الصبح، فيكاد يكون مشهدًا كوميديًا وهيجانًا ثوريًا أكثر منه همًا سياسيًا. وهكذا أُبرئ ساحتي أمام الله وأمام النقد النسوي. ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد!
لكن الحقّ يُقال: لا تخلو القصيدة من لمحاتٍ فنيّة. أحببت تشبيه الشعاع ببوح الشفة، والخيال بالأسير تُرخى قيوده كلّ ليلة. كما أحببتُ إشارته إلى الأم، وكيف ضمّت نفس النسخة من "روميو وجولييت" في صباها، فكأنّه يرسّخ لأنماط أبديّة (ما كدت أخرج من شبهة الذكورية حتى أوقعت نفسي فيها!)
أحببتُ كيف شبّه الذكريات بالشموع، وكيف اختصّ ذكرى حبيبته بينها فجعلها تتراقص كقابلةٍ تضمّ وليدًا باكيًا، تشبيه بديع! ثمّ كيف استدرك فقال: ولكنها شمعةٌ ذابلة! أكاد ألمح نفسي في هذا الاستدراك. أحببت كيف أنهى القصيدة قائلًا: فلم يبق شيء به ما انكسر، فلا تدري أيقصد القيد أم القلب!
أظنك تتساءل: ما بال صاحبنا يتحدث عن نفسه بضمير الغائب؟ تُراه جُنّ! كلّا، إنّما أتحدث عن عديّ القابع وراء ثلاث وعشرين سنة. أرأيت أنّ بالإمكان نقد الذات؟ بقي اعتراف، أرميه وأهرب: عندما جددت عهدي بالقصيدة ضايقني عدد من الأغلاط فأصلحتها، وأضفت بضعة سطور. فلأي العَديين تُنسب؟ مشكلة!😁

جاري تحميل الاقتراحات...