مَنصةُ خُطوَة
مَنصةُ خُطوَة

@khotwaah

52 تغريدة 128 قراءة Apr 30, 2020
رسالة إلى فقير
الفقر يا صديقي استعاذ منه الأنبياء وعانى منه الفضلاء ، وألان بحرارته صلابة الأشداء
الفقر يا صديقي بئس الصاحب في السفر والجار في الحضر والساكن في المقر
ندعو الله الخلاص منه والابتعاد عنه ، هكذا هو وهكذا نحن في التعامل معه
ولكن هذا جزء وجهه وبعض ملامحه ... أما بقية المشهد
فالفقر ضيق ومخمصة وليس بعار أو منقصة
الفقر رزق الله المعلوم من قدره المكتوم وقضائه المحسوم
( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )
فالرزق مقسوم والقاسم رحيم كريم قيوم هو أعلم بما يصلح لعبده
فمن عباده ما لا يصلحه إلا الفقر ومن عباده ما لا يصلحه إلا الغنى
هو أعلم وأحكم وألطف وأرحم جل جلاله
الفقر ابتلاء (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) تؤجر عليه إن صبرت
يزكي عملك ويرفع درجتك ويسرع بك إلى الجنة
إنا لله .. عبيد في ملكه وكل ما يملك العبد فهو من سيده و لسيده
فالخلق خلقه والأمر أمره وسنرجع إليه لا نحمل معنا الأموال بل نحمل معنا الأعمال
فالمال في الدنيا ليس لك وفي الآخرة ليس معك وطوبى لمن أقدم على الله كثير الزاد قليل الحساب
الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء يقول حبيبك عليه الصلاة والسلام " يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام "
فلا أموال يسألون عنها ولا مكتسبات يراجعون فيها أما الأغنياء فيسألون عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيما أنفقوها ؟
الفقراء هم أتباع الرسل و هم إلى الحق أسرع بهم تنصر الأمة وترزق
الفقراء أكثر أهل الجنة يقول حبيبك صلى الله عليه وسلم ( اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ) وقال "قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين) والفقر كل الفقر أن تكون في الدنيا غنيا وفي الآخر من أهل النار
الفقر يا صديقي ابتلاء كما أن الغنى ابتلاء ( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} فالنجاح في فتنة الفقر بالصبر وفي فتنة الغنى بالشكر وما أكثر الناجحين في الأولى و المتعثرين في الثانية
تعوذ نبيك عليه السلام من الفقر ولكنه أيضا حذر من فتنة الغنى
قال عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه: ( ابْتُلِينَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا ، ثُمَّ ابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ بَعْدَهُ فَلَمْ نَصْبِرْ )
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها"
الغنى يا صديقي بحر متلاطم الأمواج يعبره القليل ويغرق فيه الكثير وأنت في الفقر على شاطئ الأمان فإن صبرت فقد أفلحت
ثم اعلم يا صديقي أنك في الدنيا عابر سبيل فلا الفقر عليك يدوم ولا الغنى لغيرك سيدوم
وأعلم أنها لا تساوى عند الله جناح بعوضة وما عساك تنال من هذا الجناح
وأعلم أنها سجن المؤمن و جنة الكافر مقارنة بما أعده الله لكل منهما في الآخرة
وموضع سوطك في الجنة خير من الدنيا وما فيها
واعلم يا صديقي أن الأرزاق والنعم ليست مالا فحسب
يقول عليه السلام ( من أصبح منكم آمناً في سربه ، معافــى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها )
عقيدتك نعمة توحيدك نعمة إيمانك نعمة فطرتك السليمة نعمة أخلاقك نعمة
بل نعمة الأخلاق رأس الأرزاق
الناس هذا حظه مـال وذا * * * علم وذاك مكارم الأخلاق
فإذا رُزقتَ خليقة محمودةً * * * فقد اصطفاك مقسم الأرزاق
أسرتك نعمة صحتك نعمة علاقاتك الطيبة نعمة سمعتك نعمة راحة بالك نعمة عرق جبينك نعمة وقتك نعمة بل انشغالك بالرزق نعمة فكم من غني مهموم ملول
حتى لقمة الأرز تلك التي في يد ابنك نعمة تستحق الشكر بل نعم لا عد لها ولا حصر
هذه اللقمة التي تزدريها ... من غرس بذرتها من أنبت شجرتها من سقاها من رعاها من قطفها و حصدها من نظفها و انتقاءها من علبها وأحكمها من خزنها من حملها من شحنها ونقلها من عرضها وسوقها من قربها ويسرها من باعك ووفرها من منحك مالها من أعطاك القوة لحملها من صنع الإناء الذي يحويها
من أوقد نارها من يسر إشعالها من طبخها من جهزها من قدمها ... من منحك نعمة الطفولة لتراه من منحه نعمة الصحة ليأكلها واليد ليحركها والذوق ليستطعمها والشم ليشتمها من منحك نعمة البصر لتراه والأذن لتسمعه من منحكما أنتما نعمة الأمن ولم الشمل لتكونا مع بعضكما ....
من ومن ومن ؟
.
.
.
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها
والله لا ندري أنشكر الله على جميل ما أظهر أم قبيح ما ستر؟ على لطيف ما قدر أم كثير ما غفر ؟ على حلمه أم كرمه ؟ على نعمة الأوطان أم صحة الأبدان أم الأمن والأمان أم على نعمة الأحبة والإخوان أم على نعمة القرآن والإيمان ( وإن تعدو نعمة الله لا تحصوها )
فاصبر على حالك وأرض بمآلك وأشكره على قليل مالك
فالأرزاق ليست مالاً فقط
الفقير يا صديقي هو ذلك الغني الذي لا يشكر والتاجر الذي لا يزكي والثري الذي لا يتصدق
نعم يا صديقي الفقير قد لا يملك المال ولكن الذي أفقر منه هو الغني الذي لا يملك إلا المال
واعلم أن في القناعة راحة البال وحكمة العقل
النفس تجزع أن تكون فقيرة * * * والفقر خير من غناً يطغيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت* * * فجميع ما في الأرض لا يكفيها
فلا تنظر إلى من هو خير منك في ماله وداره ومركبه وملبسه فإن الرضا عن الحياة مبني على المقارنات
يقول حبيبك عليه الصلاة والسلام ( انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة اللَّه عليكم )
واعلم أنه كلما اتسعت عينك ضاق صدرك
يقول جل جلاله موجها نبيه الكريم
( وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) ردد في داخلك( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء )
فإن رأيت ما يعجبك فقل كما قال نبيك المصطفى إذا رأى نعيما من الدنيا
( اللهم إن العيش عيش الآخرة ) لتذكر نفسك بأصل الوجود فلا تنشغل بالموجود و بالأسى على المفقود واجعل شعارك ( والآخرة خير وأبقى )
وخلاصة هذا المحور أن الرزق قدر الله وأن الله أعلم بما يصلح لك فاصبر على ابتلائه واشكره على نعمائه فكثير من النعم من حولك لا تشترى بالمال ، واسأل نفسك هل كل الأغنياء سعداء وهل كل الفقراء تعساء ؟ وفي الإجابة تجد سر السعادة
أما المحور الثاني فهو في التعامل مع الفقر
فالله جل جلاله كفل لك رزقك وأمرك ببذل السبب فاطلب الأرزاق من الرزاق
وأحسن الظن به واسأله البركة وطيب مشربك ومأكلك بالحلال ولا تغش ولا تظلم و لا تكذب لتكسب
يا عائب الفقر ألا تزدجر ......... عيب الغنى أكبر لو تعتبر .
فإنّك تعصي الله تبغي الغنى ...... وليس تعصي الله كي تفتقر
الفقر مع العفاف والصدق والأمانة خير من غنى جاء من حرام فالصبر على الفقر شاق ولكن الصبر على النار لا يطاق
ردد بصوت قلبك (اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ)
وتذكر أن الفقر مع الحاجة خير من الغنى مع الدَين ... فالدين هم في الليل ومذلة في النهار ، وكان عليه الصلاة والسلام لا يصلي على مديون لعظم شأن الدين وحقوق الناس
الدَين يا صديقي هروب من فقر الذات وسقوط في حفرة الافتقار إلى الناس
وكثرة الاستدانة هي تسول بلباس الطلب
و إطفاء للنار بالنار ، وعملية تخدير بلا علاج
الدين سراب لا ماء ... واختناق لا هواء
الدين ضيق لا سعة ... و ذلة مقنعة ودخول في معمعة
الدين أسر وحبس .. وتضييق على النفس
الدين وحل إن خضت فيه تلطخت يداك وثقلت قدماك ولن تخرج منه إلا متسخا
فإن كان ولا بد فلا تكثر منه فيثقل عليك
واجعله عند الحاجة ولا تجعله عادة ، واعزم النية على القضاء فمن تدين ينوي القضاء أعانه الله ويسر أمره
ولا تجعله أول الحلول فهو وإن بدا أقصر السبل وأيسرها إلا أنه أمرُها وأثقلها ، فتعود ترقيع ثوبك فهو خير لك من استعارة ثوب جديد
واحرص أن تدير أموالك بطريقة صحيحة فمعظم الناس فقرهم فقر تدبير لا فقر تقصير ...
لذا يا صديقي أوصيك بثلاث قواعد تجيبك على ثلاثة أسئلة متعلقة بالمال
كيف أحصل عليه ؟ كيف أحافظ عليه ؟ كيف أنميه ؟
وهي التوفير والتدوير والتدبير
فالتدبير من خلال معرفة الاحتياجات الرئيسة والاقتصار عليها قدر المستطاع دون مقارنة بأحد ومنافسته من جهة ودون التقتير على النفس من جهة أخرى
{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}
أما التوفير فيكون من خلال اقتطاع جزء يسير من المال في كل شهر تجعله سندا لك يوم الحاجة
وأخيرا التدوير ويقصد به محاولة استثمار المال وتنمية المكتسبات وزيادة الدخل من خلال عمل إضافي تقوم به خارج وقت وظيفتك إن وجدت
فهناك الكثير من المشاريع لا تحتاج إلى رأس مال كبير وبعضها لايحتاج إلى مال أبدا كالعمل في تقديم الخدمات من تحصيل وحجوزات وترجمة وتصحيح وإرشاد وتصميم وبرمجة
وبعضها يعتمد على رأس مال بسيط كالبضائع الموسمية من فواكه ومأكولات ومشروبات وملبوسات تناسب الأجواء تبيعها في الأماكن المزدحمة المرتادة
وبعضها يحتاج إلى ممول يساعدك تقتسم وإياه المشروع فعليه تقدير الميزانية ودفعها وعليك إدارة المشروع ومتابعته
ومهما كانت طريقتك في تنمية مالك فلا تنس صلة الرحم فهي بركة في الرزق وأكثر من الاستغفار في كل حالاتك وأوقاتك فكم من باب مغلق فتحه الله بالاستغفار ، والزم الصدقة فما نقص مال من صدقه بل يزيد بل يزيد
وتذكر قول الملكين اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا
فخلفك على الله والله كريم والكريم إذا أعطى كفى وأوفى وأرضى
فأحسن الظن به
فالوهاب هباته في أرضه ابحث عنها والكريم كريم في عطائه فاطلبه من خيره والرزاق عنده مفاتح الخزائن وعدك برزقك وتكفل به فلا تقلق ولا تتوقف
يقول الحسن البصري رحمه الله
قرأت في تسعين موضعا من القرآن أن الله قـــدر الأرزاق و ضمنها لخلقه، وقرأت في موضع واحد: الشيطان يعدكم الفقر.. فشككنا في قول الصادق في تسعين موضعاً و صدقنا قول الكاذب في موضع واحد والله المستعان
ردد دعاء نبيك عليه السلام
( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي ) ففي ترتيب هذه الكلمات ترتيب لأولويات الحياة
أرجوك يا صديقي فكر كثيرا بمآلك لا بمالك
وتذكر أن الفقير إلى الجنة أسبق وإلى الحق أسرع وإلى ربه أقرب ... وأن سر السعادة أن تبذل المجهود وترض بالموجود وتصبر على المفقود حتى تحقق المقصود
فالغنى هو الغنى عن المال لا به
فكم من فقير ومسكين لا يملك سوى الأموال والقصور
ثقيلٍ في موازن الخلق خفيفٍ في ميزان الحق
فارفع أكف الحمد في ليل الدجى *** وسل الموفق والكريم من الغنى
واسأله أن يعطيك من نعمائه *** إن كان في الإعطاء خير يرتجى
وأرض بما قسم الإله تكن له *** عبدا غنيا شامخا متعففا
استودعتك الله

جاري تحميل الاقتراحات...