قبل ما يقارب ٤٥ سنة حصلت قصة لوالدي سوف اذكرها في عدد من التغريدات، لأن هذه القصة تطرأ على بالي في كل مرة اواجه فيها مشكلة واشعر انها تنسيني همي وحزني وتشجعني وتحفزني لذلك احببت ان انقلها لكم.
يتبع
يتبع
عاش والدي في الصحراء بداية حياته وواجه المصاعب وسنوات الجوع والقحط، وسعى جاهداً كمزارع وحطاب وكداد بكفاح وصبر الى ان نقل عائلته الى محافظة البدائع، وتزوج وانجب عبدالله وصالح وحملت بالثالث، وكان يملك منزل يسكن فيه مع عائلته ووالديه واخته واخوه ويصرف عليهم جميعاً.
كان يحمل ركاب على ونيت الى الرياض ويعود بعد اسبوعين او ثلاث، وذهب ذات مره وبعد ذهابه بعدة ايام تعبت زوجته وجدي عبدالله فأخذهم عمي راضي على ونيت غمارة، فركب جدي بحوض الونيت وزوجة والدي على الباب وجدتي في النص بينهم والابناء بأحضانهم وذهبوا الى مستشفى عنيزة.
وبعد ان انتهوا من المستشفى وقد غابت الشمس عادوا الى البدائع، ولكن في طريق العودة صدموا (ناقة) وماتت زوجة والدي وجميع الابناء ووالدته وعمي كانت اصابته خطيرة وجدي فقدت الوعي واصبح يمشي بدون شعور ووجدوه بعد ثلاث ايام مغمى عليه في الصحراء بعد بحث شاق، وكان الحادث فاجعة على الجميع.
عاد والدي بعد عدة ايام من الحادث وهو يحمل (سياكل) اشتراها لأبناءه واغراض من سوق الجملة الشهير بمنفوحة وهدايا للجميع وهو لا يعلم ان عائلته قد دُفنوا بعد الصلاة عليهم مباشرة لانهم لا يعلمون متى يعود والدهم ولم يكن هناك وسائل اتصال ويعتقدون انه سيغيب مدة طويلة.
وصل الى المنزل وبدأ بإنزال الاغراض والهدايا وهو متشفق لفرحتهم ومشاعرهم بما هو جالب لهم، ولكن شعر ان المنزل هادئ جداً والحارة ساكنه وحزينه ليست كالعادة، فتفاجئ بجاره الذي كان يعاني من تخلف عقلي بسيط وهو يصارخ ويقول (ليش جبت السياكل؟ ترا عيالك دفنوهم بالمقبرة) 😔
يقول والدي (لم اصدق من هذا الرجل طوال حياتي الا هذه الجملة منذ ان عرفته وجاورته) دخل والدي يجري الى منزله فوجد عماتي يبكون دماً على هذه الفاجعة العظيمة التي لم يكن لها مثيل في حياتهم، وبعد ان كانت حياتهم خالية من الحزن ومليئة بالفرح والبساطة اصبحت اتعس من ان يتخيلها الانسان.
صبر ابي واحتسب رغم ان ما اصابه لم يكن سهلاً بعد هذه الفاجعة وقبلها، توالت الاحزان والمشاكل ولكن كان دائماً قنوعاً صابراً محتسباً، ويقول الله اخذ مني وهو من سيرزقني، اليوم والدي لديه ٦ بنات و٣ اولاد و١٧ من الاحفاد يسعون جاهدين لرضاه وخدمته ونعيش والحمد لله بفرح وسرور.
كان دائماً يذكرني بأن الصبر هو عمود الحياة ومن صبر واحتسب نال، ومن لم يصبر ويواجه المشاكل والمصائب بعقل راجح وقلب قوي سيسقط ويفشل وتكون حياته تعيسه، كان دائماً يذكرني بأن الحياة هي مساحة للتجارب ولن تكون فيها دائماً سعيد ولم تكون دائماً تعيس الا اذا حكمت على نفسك بذلك.
واجه والدي قصص ومواقف في حياته كثيرة يشيب منها الرأس فهو فقد عينه في طفولته في الصحراء وفقد الكثير من اقاربه وعاش الجوع والفقر والجهل ولكن اليوم هو يعيش برغد والحمد لله واستطاع ان يفتح الطريق لأبناءه واحفاده ويؤمن لهم حياة كريمة ويعلمهم ويربيهم ويدعمهم.
شكراً لقرائتكم، اردت ان انقل لهم هذه القصة وانا اعلم ان اباؤنا جميعاً لديهم قصص مؤثرة ومواقف تستحق ان يتم توثيقها للمستقبل وللأجيال القادمة لانهم صبروا وكافحوا وحاربوا لكي نعيش نحن في رغد ونعيم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
نكمل القصة ..
بعد هذا الحادث الشنيع وموت زوجته وابناءه ووالدته وإصابة اخيه الذي مكث وقتاً طويلاً في العناية المركزة بغيبوبة، ووالده المفجوع على كُبر سنه من هذه المصيبة، سعى جاهداً والدي ان يصبر ويحتسب ولكن وقت وقوع الخبر من ذلك الرجل عليه لم يكن سهلاً ابداً، لقد صُعق وفقد التركيز تماماً
فعاد الى الرياض دون ان يدرك لتصرفه، عاد وهو يقود السيارة ويبكي كل الطريق، يذكر خالي زايد بن نحيت انهم ذهبوا الى البر وطلبوا من والدي ان يذهب معهم ولكنه رفض لانه سيعود الى القصيم بسبب الشوق والحنين لأبناءه وزوجته ووالديه، ولكن بعد ان عادوا من البر بعد يوم او يومين ..
يقول رأينا سيارة مفضي عند الباب واستغربنا لماذا لم يذهب الى القصيم، وعندما دخلنا فجعنا بصوت بكاءه، انه يبكي من وقت طويل بكاء المجنون وهو يقول (ماتوا كلهم) وعرفنا انه ذهب الى القصيم وعاد من الصدمه بدون ان يدرك لتصرفه.
مرت الايام والشهور والسنين ووالدي يعيش صدمة يصدقها احياناً ويكذبها احياناً، يتخيل انهم ربما يعودون او ربما هو بحلم ينتظر الاستيقاظ منه، يسمع اصواتهم في زوايا البيت وبكل مكان، ولكن استعاذ بالله واحتسب ماعند الله وقرر ان يواجه الحياة بمصاعبها فهذه ليس اول المصائب ولا اخرها.
وافق ابي وهنا قصة صبر اعظم، وهو انه تزوج اخت زوجته وخالة الابناء، وصبر من البنت التي تعيش مع زوج اختها المتوفيه ولكن هي الحياة وهو النصيب، كان والدي صبوراً وحليماً وحنوناً، كان الزوج والمربي لأمي، كان يأتي احياناً وهي هاربه الى بيت والدتها ويتركها ويعود بعد يومين دون ان يخبرهم.
ويقول انا سمحت لها تذهب لكم لترتاح، يقول والدي: قبل الحادث بسنتين كنت اراها تلعب مع الاطفال ولم اتوقع ان تكون هي ام ابنائي التسعة الان، ولكن قَبِلت لان النساء قليل ولن يرضى بي احد لاني لم اعد اعمل وخسرت عملي وجهدي وطاقتي بعد الحادث فلم يكن معي لا مال ولا حال يسر، بعيداً عن حزني
وكانت هذه من اثار الحزن والصدمة وهي ان والدي توقف عن العمل تماماً فترة طويلة وخسر كل شيء، ولم يستطع ابداً ان يستعيد نشاطه وروحه في العمل، وكان الجميع في ذلك الوقت يقدر ذلك لوالدي، لان خبر الحادث انتشر في القصيم بسبب انه لم يكن يُسمع عن حوادث السيارات كثيراً مثل اليوم.
كانت الحوادث قليلة واذا حصل حادث نادر ان يكون هناك وفيات، ولكن هذا الحادث كان مختلف وله قصة مختلفة
بعد انجاب اختي الكبرى هدأت الامور وقرر والدي ان يعود مع والدتي الى القصيم ليكون قريباً من والده، ويبدأ العمل من جديد لان القصيم كانت مصدر رزق للمزارعين والحطابين والكدادين وانجب بعدها الابن الاول ورفض ان يسميه على اسم احد ابناءه المتوفين لكي لا يذكرهم ويعود حزنه، فسماه فهد
جاري تحميل الاقتراحات...