أتفق معك في التشكيك في(سيطرة المرأة في المجتمعات الأمومية) أو فيما يعرف اصطلاحًا بالنظام الأمومي Matriarchy بمقابل النظام الأبوي Patriarchy ..
والواقع أن هذه الفكرة المتداولة عربيًا والتي قلما يطالها الشك -مع الأسف-ليست سوى أسطورة معاصرة contemporary myth
والواقع أن هذه الفكرة المتداولة عربيًا والتي قلما يطالها الشك -مع الأسف-ليست سوى أسطورة معاصرة contemporary myth
وأود التركيز على التفرقة بين (الحقائق التاريخية) و(تأويلاتها)..فوجود إلاهات إناث كما تفضلت لا يعني بالضرورة سيطرة المرأة في ذلك العهد، ولايعني صحة ما نُسج حول هذه الحقيقة التاريخية من تأويلات نسوية ..
والحقيقة أن هذه التأويلات لم تُقبل من عدد من النسويات، مفكرات وباحثات..
والحقيقة أن هذه التأويلات لم تُقبل من عدد من النسويات، مفكرات وباحثات..
وقد قمت بتتبع هذه الفرضية وما بني عليها من تأويلات وما تفتقت عنه من نتائج في بحثي المنشور ٢٠١٤، وفوجئت بكثافة النقد الموجه إليها في الغرب بمقابل التجاهل النقدي العربي النسوي وغير النسوي رغم ترجمة مراجع تشتمل على هذا النقد للعربية ..
وسأذكر تحت هذه التغريدة إن شاء الله سلسلة توضيحات مهمة حول فحص هذه الفرضية وسأعرض لمآلاتها أيضا، لكون هذا المفهوم «النظام الأمومي» والسابق على «النظام الأبوي» من أبرز المفاهيم الإجرائية المستخدمة في النقد النسوي.
مما حدا بـ«غيردا ليرنر» للقول في بحثها الذي استغرق إنجازه سبع سنوات: «إن هجر البحث عن ماض داعم (البحث عن النظام الأمومي) هو الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح، ذلك أن إبداع أساطير تعويضية عن الماضي البعيد للنساء لن يحررهن في الحاضر والمستقبل».
ولذا تقترح ليرنر تغيير السؤال إلى البحث في تاريخ(النظام الأبوي)،لكنها ورغم حرصها على عدم السقوط في فخ التبسيط بتخليها عن التفسيرات التي تُرجع الأمور لعامل واحد،فقد اعترفت أن ماتقدمه مجرد فرضية:«يهدف البناء الفرضي الذي سأقدمه إلى أن يكون واحدًا من بين عدد من النماذج الممكنة فحسب».
كما أشارت مؤلفة كتاب «الكأس المقدسة وحدّ السكين» إلى الجدل الدائر في الغرب حول وجود (نظام أمومي) وعلقت قائلة: «ثقافتنا تتميز بمبدأ (إذا لم يكن هذا فسيكون ذاك!)، وهو مبدأ حذّر الفلاسفة القدماء من أنه قد يؤدي لقراءة مغلوطة حتى لأبسط الوقائع».
ومن جهة أخرى، استخدمت «روث رودد» صاحبة كتاب (النساء في التراجم الإسلامية) مفهوم (النظام الأبوي) بوصفه أداة تحليلية رئيسة في نقدها النسوي للثقافة الإسلامية والتي تصنفها النسويات ضمن الثقافات الأبوية بلا جدال.
و توصلت رودد في دراستها إلى نتائج إيجابية فيما يتعلق بأهمية ما يسمى بالنسب «شبه الأمومي» في التراجم الإسلامية، وحاولت رودد البرهنة على هذا النسب من خلال عدة نتائج تتلخص في الاهتمام بنسب الشخصية المترجم لها من جهة المرأة: (الأم، والجدة ...الخ).
وسبق وأن شككت الفليسوفة الوجودية سيمون دي بوفوار في هذه الفرضية من الأساس في كتابها(الجنس الثاني)الموصوف بـ«إنجيل الحركة النسوية» فذكرت الفرضية التي عرضها باشوفين،ونقلها عنه إنجلز معتبرًا أن الانتقال من عهد (سيطرة الأم) إلى عهد (سيطرة الأب)يعد انكسارا تاريخيا كبيرا للجنس النسائي.
ولم تكتف سيمون دي بوفوار بالتشكيك فيها بل سخرت من افتراض وجود سيطرة حقيقية للنساء في الأزمنة البدائية، فالمجتمع كان دومًا مذكرًا، والسلطة السياسية كانت بأيدي الرجال، وتؤكد ذلك بقولها: «والحقيقة أن هذه الفترة الذهبية من تاريخ المرأة ليست سوى أسطورة !».
كما أكدت تهافت هذه الأسطورة باحثة نسوية أمريكية من أصول عربية-وهي زينب البحراني أستاذة الفنون القديمة وعلم الآثار في جامعة كولومبيا- بناء على ماتوصلت إليه عبر تخصصها في علم الآثار ودراساتها ومشاركاتها الميدانية الحديثة في التنقيب الأثري في كل من العراق وسوريا.
فذكرت أن العودة النسوية إلى ماضٍ أمومي متخيَّل ومكتنز بقيم مثالية هو ما قاد الباحثات النسويات الغربيات إلى الشرق الأدنى وإلى بلاد ما بين النهرين باعتبار هذه المناطق تمثل حدود الزمن التاريخي، ومنها ينبع التاريخ بحسب الرواية التاريخية المعروفة.
ومن هنا تجسدت-برأيها-أهمية استرجاع تصاوير الإلاهات الإناث بوصفها دليلاً على النفوذ القديم للمرأة، ومثّلت هذه التصاوير والتماثيل البرهان الأركيولوجي(الأثري)الذي تستشهد به النسويات لإثبات وجود(نظام أمومي)في الماضي تنتفي فيه التراتبية وتتحقق المساواة ويمكِّنهن من الإطاحة بماهو قائم!
وإثبات وجود هذا النظام بوصفه حقيقة تاريخية في العصر القديم يمكّن النسويات من إظهار الاضطهاد الواقع على المرأه باعتباره (وضعًا تاريخيًّا طارئًا) وليس حالة طبيعية، لكن الحجج الأثرية التي ساقتها النسويات -كما ذكرت الباحثة-لم تسلم من الانتقادات.
وينتظم موقف هذه الباحثة ضمن الموقف النقدي الغربي للنظام الأمومي والدائر داخل الدائرة النسوية وما بعد النسوية الرافضة للنظام الأمومي (ما قبل التاريخي) والذي اعتُبر (بُنية أسطورية) عُدَّت هي ذاتها جزءًا من سردية (النظام الأبوي) الذي ترغب النسويات بالإطاحة به !
والمفارقة أن الباحثات النسويات في العالم الإسلامي لم يساورهن شكٌ حيال تلك الفرضيات التي كانت محلًا للشك في البيئة الثقافية المنتجة لها، بل أخضعن التراث الإسلامي لهذه الفرضيات الواهية كفاطمة المرنيسي التي بنَت مقولات كتابها «ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية» على مقولات سميث.
بل سحبتها بعضهن على لغة النص القرآني نفسه، والذي يبقى ما ورد فيه حول موقع كل من الذكر والأنثى «موضوع مساءلة» كما ذهبت الباحثة النسوية حُسن عبود في قراءتها التأويلية للقرآن، أما الفرضيات العاملة في خطابهن فقد أخرجنها من نطاق المساءلة !!
ورغم وعي بعض النسويات بالمآلات الخطيرةالمترتبة على القول بالنظام الأبوي فقدربطنه بالأديان السماوية واعتبرن رفض أحدهما رفضًا للآخر،وتجلى هذا في ثورةالنسويات على لغةالكتب المقدسة لتأثرها بهذا النظام المعبِّر عن الإله بوصفه(مذكرًا)-بزعمهن-والمطالبة بإعادة صياغتهاباستخدام ضمائرمحايدة
وقد تحققت هذه المطالبة في عام 1994م بإصدار نسخة جديدة من الكتاب المقدس (العهد القديم والعهد الجديد) سُميَّت بالطبعة المصححة، حيث استخدمت فيها الضمائر المحايدة.
وكعادة التقليد الأعمى فقد كتبت نسوية عربية مسلمة كانت عضوا في المجلس الوطني السوري المعارض مؤخرًا مقالة تخاطب فيه (الله)جلّ شأنه بصيغة(المؤنث) ونشرت مقالتها في موقع هولندي موجه للشابات والشباب العربي فاستقال بعض طاقم العمل في الموقع من العرب احتجاجًا على نشر هذه المقالة المسيئة.
وهذه المتتالية المتعلقة بتمجيد (النظام الأمومي) والنقد والرفض المستمر (للنظام الأبوي) لا تقف عند حد التعديل والتنقيح ولم تقف .. وهذا ما أثبتته الوقائع ..
فقد انتهى رفض النظام الأبوي بطائفة من اللاهوتيات النسويات المسيحيات إلى رفض فكرة «الإله» أو الإلحاد بصفة أدق عند وصولهن إلى مرحلة «ما بعد الأبوية» في مسيراتهن الفكرية،كما وصل الحال بمعظمهن إلى رفض العلاقات الطبيعية بين الجنسين والحمل والولادة باعتبارها مؤسسات أبوية تستعبد المرأة.
والتساؤل المرير في خاتمة هذا التغريدات:
حتام ننقل بلا وعي !
ونهدم مابني على يقين بفرضية !
وحتام نتلقف كل فكرة بسطحية ونحكم على كل نقد يضادها بسطحية مماثلة دون أن ندرك عمق جهلنا !
حتام ننقل بلا وعي !
ونهدم مابني على يقين بفرضية !
وحتام نتلقف كل فكرة بسطحية ونحكم على كل نقد يضادها بسطحية مماثلة دون أن ندرك عمق جهلنا !
جاري تحميل الاقتراحات...