كما هو معروف، يملك علم النفس سلطة وتأثير قوي على حياة المعاصرين، يحيط تقريباً بكل نواحي الحياة الشخصية والاجتماعية للفرد: علم النفس التربوي، الأسري، الاجتماعي، التعليمي...
وبشكل من الاشكال أخذ الخبير النفسي كل أدوار "القس" القديمة بما في ذلك الاعتراف بالخطايا كما يتطلبه الضمير المسيحي الذي يرجو راحة البال. أضف إلى ذلك تخصصات لكل نواحي حياة المجتمع التي قد تخطر على البال: علم نفس القانوني، المروري، الحربي، البيئي، السياحي...
تقريباً لكل معضلة اجتماعية/شخصية خبير نفسي، تماماً كما هناك خبير في الحواسيب أو العمارة، بإستثناء أن الحواسيب والعمارة تقوم على علوم دقيقة بعكس علم النفس الذي ينتمي للعلوم الانسانية التي تتبنى الخطاب العلمي بشكل لا يعكس حقيقتها دائما...
ذا لا يعني أبدا أنه علم زائف من حيث المبدأ، فقط هو علم متقلب وغير دقيق، ما يجعله قابل للتزييف وسهل التأثر بالتيارات الايديولوجية والسياسية [ومثله بذلك بقية العلوم الانسانية] وبالتالي امكانية تحويله إلى أداة تستعمل لتوجيه الرأي العام تحت تهديد وهم العلم [قال علماء، قالت دراسات...]
إحدى أوجه ذلك الاستعمال الذي تبرع فيه التيارات اليسارية/التنويرية هو ما يعرف بـ النفسنة Psychiatrization [أي ترجمة أخرى مرحبٌ بها] وهي عملية توجيه النقاش نحو الجانب السيكولوجي بغية إما تبرير افعال [جرائم عادةً] طرف ما عبر رفع المسؤولية عنه بدعوى الحالة النفسية السيئة...
وقد تُحمل تلك المسؤولية لطرف آخر [شخص X، الوالدين، المجتمع...] بدعوى تسببه في تلك الحالة. أو لرفع المصداقية عن الخصم السياسي/الايديولوجي من خلال تصوير موقفه على أنه مجرد انعكاس لحالة نفسية مرضية وإعتلال عاطفي وليس نتيجة موقف عقلاني قابل للنقاش.
ربما أقدم وأبسط انواع هذه النفسنة والتي ما تزال منتشرة بقوة وبالأخص لدى اليسار التنويري، هي تلك الثنائية العاطفية [يمكن وصفها بالطفولية] التي كانت المسيحية هي أول من جعل منها معياراً لتقييم الحالة الانسانية بالشكل المبالغ فيه اليوم: الحب/الكراهية.
الأشرار تحركهم مشاعر الكراهية والأخيار يحركهم الحب. كل مشاكل البشرية سببها الكراهية وكل حلولها تكمن في الحب. الكراهية حالة مرضية لا مبرر لها والحب هو الحالة الصحية التي لا تحتاج لتبرير.
بالبدايات الأولى لظهور علم النفس الحديث بدأت النفسنة تأخذ شكل علمي أكثر تعقيدا،من أمثلة ذلك نجد الدربتومانياDrapetomania أو الرغبة في التحرر من العبودية وهو مرض عقلي افترضه الطبيب الأمريكي Samuel Cartwright في1851 لتفسير ظاهرة هروب العبيد السود من قبضة ملاكهم في الجنوب نحو الشمال
طبعاً هذا المرض المتخيل لم يلقى ذلك النجاح الكبير، خاصةً وأنه كان ضد سلطة وروح عصره، وربما لو قام بنفسنة حالة ملاك العبيد بدل ذلك للقي نجاح أكبر.
سنة 1933 وأثناء صعود الفاشية والنازية خرج الفرويدو-ماركسي الطبيب النفسي Wilhelm Reich بفرضيته المشهورة والتي لا يزال يتبناها إلى اليوم اليسار التنويري عن علاقة الكبت الجنسي بصعود الفاشية.
بالنسبة لـ Reich [وكأي فرويدي يفسر كل الظواهر البشرية من خلال الجنس] فإن الفاشية كانت نتاج عدم الاشباع الجنسي لدى الجماهير والثورة الجنسية هي الحل لكل ذلك.
لم يكن Reich هو الشيوعي الوحيد الذي برع في نفسنة الخصوم، فقد جعل الاتحاد السوفييتي من نفسنة المعارضين سياسة دولة.
لم يكن Reich هو الشيوعي الوحيد الذي برع في نفسنة الخصوم، فقد جعل الاتحاد السوفييتي من نفسنة المعارضين سياسة دولة.
بدأ ذلك في 1948 مع نائب وزير الخارجية Vyshinsky الذي اصدر أوامر بإستعمال السيكولوجيا كسلاح قمع وارسال المعارضين إلى المستشفيات العقلية بدل ارسالهم إلى معسكرات الغولاغ،وبذا يتم الجمع بين سجن المعارضين ونزع المصداقية عنهم بوصفهم مجرد مجانين لم يدركوا قيمة جنة الشيوعية التي هم فيها
وهكذا قفز عدد أسرة المستشفيات العقلية من 34 ألف سنة 1935 إلى 390 ألف سنة 1974.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فخلال الستينات خرج الطبيب النفسي Andrei Snezhnevsky بمرض عقلي جديد سماه "الفُصام البطيء" sluggish schizophrenia. هذا المرض يصيب المعارضين حصراً وأعراضه: القلق، التشائم، ضعف التكيف الاجتماعي، الأوهام الاصلاحية...
بعد الشيوعيين انتقلت العدوى إلى الليبراليين الذين جعلوا من النفسنة سلاحهم للدفاع عن الآقليات والصواب السياسي، بالاضافة لنزع المصداقية عن الشخصيات غير المرغوب فيها.
بالنسبة للآقليات [الحقيقية والوهمية] يعتمد الليبرالي على عاطفتي الكراهية والخوف لنفسنة أي حديث عن الآقليات بشكل لا يناسب صوابه السياسي.
أما الكراهية فهي تفسيره الكلاسيكي الذي نجده في نعوته القديمة مثل معاداة السامية والعنصرية والميسوجينية (كره النساء) يصاحبها حديث عن كراهية مرضية وعقد نفسية. أما الخوف أو الرهاب Phobia فقد اصبح تفسيره المفضل: ترانسفوبيا، زينوفوبيا، الاسلاموفوبيا [في الغرب]، هوموفوبيا...
أي آقلية تتحدث عنها بشكل غير مناسب في نظره فأنت تفعل ذلك رغماً عنك وبدون وعي كامل لما تقوله نتيجة رهاب مرضي اتجاهها يجعلك ترتعد خوفاً وتفقد اعصابك أمامها [من يدري، ربما تعض].
وأحياناً يلجأ الليبرالي إلى تكتيكات سيكولوجية آخرى بالإضافة إلى الرهاب والكراهية مثل تكتيك ما يشبه "علم النفس العكسي" Reverse psychology بحيث يلعب على خلق مشاعر متناقضة لدى الشخص المستهدف:
- الشخص المعادي للشذوذ الجنسي هو شخص يعاني من "شذوذ جنسي كامن" Latent homosexuality وبالتالي إما أنت مع الشذوذ الجنسي أو انت نفسك شاذ [مؤخراً بدأ الحديث عن الهوفوبيا كمرض نفسي يحتاج متابعة نفسية في انقلاب تام للأدوار].
- المرأة التي ترفض المساواة مع الرجل هي إمرأة غير واعية إلى انها مضطهدة نتيجة اصابتها بمتلازمة ستوكهولم، وبالتالي إما أن تردد ما نقوله أو هي مختطفة.
- الرجل الغيور على زوجته أو الذي يعتقد أن لكل جنس دوره الخاص هو رجل ضعيف الشخصية وغير متأكد من نفسه وعنده هشاشة في الرجولة.
- الرجل الغيور على زوجته أو الذي يعتقد أن لكل جنس دوره الخاص هو رجل ضعيف الشخصية وغير متأكد من نفسه وعنده هشاشة في الرجولة.
أما بالنسبة للشخصيات السياسية التي يراد نزع مصداقيتها فيمررها الاعلام إلى كتيبة "المختصين" ليشرحوا لنا سبب رعشة اليد اليسرى للسياسي الفلاني أو لماذا يرفع رأسه عند الوقوف لأخذ الصور، ثم يقدموا لنا في النهاية تحليل نفسي يجعل ذلك السياسي فاقد للأهلية تماماً...
ربما القذافي هو من أكثر السياسيين تعرضاً للتحليل النفسي، لكن أيضا صدام الذي على ما يبدو كان شديد النرجسية وعنده بارانويا، أما بوتين فهو مصاب بالتوحد، أما ترمب فقد خصصت له عشرات المقالات والكتب التي تشرح حالته العقلية المضطربة وتبشر بتدميره العالم [مازلنا ننتظر للاسف].
في فرنسا أوصت محكمة بمعاينة خبير نفسي للمعارضة اليمينية مارين لوبين. ولدينا أردوغان الذي كان له أيضا نصيبه من النفسنة، لكن ليس فقط السلبية، الاعلام المساند له لا يفوت أي فرصة ليحدثنا عن مشيته الواثقة وطريقة جلوسه كالأسد أمام ضيفته الألمانية المرتعبة والمستعدة للتنازل له عن كل شيء
كل هذه النفسنة للقادة السياسيين قد يكون فيها شيء من الصحة وربما تكون ممتعة لو وجدت في المجلات النسائية، لكنها لا تقول لنا اي شيء عن الواقع السياسي خاصةً مع شكل الدولة الحديثة وليست الا اداة للشيطنة او لتلميع صورة بعض الشخصيات..
وفي كل الاحوال شخصيات القادة في غالب الاحيان تكون مضطربة بالنسبة للانسان العادي لان السلطة بطبيعتها تجذب ذلك النوع من الشخصيات.
جاري تحميل الاقتراحات...