مَنصةُ خُطوَة
مَنصةُ خُطوَة

@khotwaah

28 تغريدة 15 قراءة Aug 23, 2020
طلب الكمال
الكمال يا صديقي قيد من ذهب ، جميل براق مرغوب مطلوب ولكنه في النهاية قيد نكبل به أيادي العمل والأمل
ينبغي أن يكون التميز في الأداء والكمال في الأعمال مطلبا نسعى له لا عائقا يقف أمام البدايات أو شماعة نعلق عليه الأمنيات أو سببا نسقط عليه قلة المبادرات فسياسة (نكون أولا نكون) وثقافة ( يا أبيض يا أسود ) وأدت الكثير من الأفكار و أوقفت الكثير من المشاريع
فخطط للأفضل واعمل الأجود (فخير الأعمال ليس أدقها ولا أكملها ولكنه أدومها وإن قل)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)
وفي هذا الحديث إشارة بل بشارة بأن الله لا يطالبنا بالكمال ولا يحاسبنا على المحال
فالإنسان ضعيف عاجز عجول جهول وربه عفو غفور رحيم تواب يغفر الذنوب ويتجاوز عن الخطأ ويفرح بالتائب ، فالخطأ ملازم للإنسان متوقع منه فليس من الخطأ الوقوع في الخطأ بل في تعمده والإصرار عليه وفي عدم التوبة منه ، وهذا الحديث يجدد الأمل ويبعث على العمل ويبدد اليأس ويطرد القنوط من النفس
في إحدى الزيارات وَجدتُ عبارة في مدرسة كُتبَ عليها ( نعم للصواب لا للخطأ )
فتَعجبتُ وقلت : وهل وضعت المدارس إلا لتجعلنا نمارس ونخطئ فتصحح لنا ؟!
ولو كان الأمر بيدي لغيرّت اللوحة وكتبت ( نعم للصواب و نعم للخطأ ، ولا لتعمد الخطأ )
عندما نؤمن أن الخطأ وليد التعلم وصديق المتعلم ، وأنه أحد مقادير خلطة التجربة وركن أساس في بِنْيَة الخبرة ، عندها سننظُر إليه على أنه مستشار ٌ نتعلم منه ، لا قاضياً يأمر بسجننا في زنزانة الفشل
فأرفق بنفسك وتذكر أنك بشر
لن تستطيع أن تكون متميزاً دائماً ، لن تستطيع أن تفعل كل شيء بمستوى الدقة والإتقان نفسه
لن تستطيع أن تكون دائما أفضل من غيرك ، لن تستطيع أن تكسب وتربح وتفوز دائماً
يقول أنس - رضي الله عنه - : ( كانت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسمى العضباء وكانت لا تُسبق ، فجاء أعرابي على قعود له فسابقها فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين ، وقالوا : سبقت العضباء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن حقاً على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه )
هذه هي القاعدة فلا تحاول أن تكون ظاهرة استثنائية حتى لا تكون ضحية تقليدية في معركة البحث عن الكمال ، أرفق بنفسك وتذكر أنك بشر يحمل في داخله نفساً لا تحتمل فوق طاقتها ، فاتقوا الله ما استطعتم
ما كلّف اللهُ نفساً فوق طاقتها *** ولا تجود يدٌ إلا بما تجِدُ
مسكين ، يستدين لشراء سيارة جديدة ، أو بيت كبير ، أو ملابس غالية ، أو أجهزة حديثة ؛ ليكون الأجمل والأفضل والأول
مسكينة ، تبالغ إن أقامت مناسبة ، تبالغ إن قدمت هدية ، تبالغ إن تولّت مسؤولية
وليس في الإحسان عيب ولكن العيب كل العيب في المبالغة والتكلّف
طالب الكمال يتعب قبل أن يبدأ وينطفئ قبل أن يشتعل ، يخطط ولا ينفذ ، وإن نفذ لا يستمر
طالب الكمال يعمل وحيدا ، يعاني وحيدا ، يعيش وحيدا
لا يعجبه أحد ولا يرضيه عمل يعتب كثيرا ويتذمر كثيرا ، يبدع في النقد والتنظير ويخفق في العمل والتطوير
طالب الكمال وأمثاله هم أناس يتسابقون بلا خطٍ للنهاية ،
ويفرضون على أنفسهم قيوداً يُكبِّلون بها راحتهم وحركتهم ويبذلون الكثير ويخسرون الكثير ليحصلوا - أحيانا - على القليل
يا أخي ارفق بنفسك ولا تفسد حياتك
فكثرة المعايير تجعلك تسعى خلف الكمال وتتحسّس من الوقوع في الأخطاء وتقضي على التلقائية والعفوية في حياتك ، وحياة بلا تلقائية مسرحية مُملّة تنتهي بموت البطل !
اقبل بأن تفوز وتخسر ، واقبل أن تكون الثاني وليس الأول ، خفّف معاييرك ولا تتحسّس من الوقوع في الخطأ
قلّل معاييرك وابدأ قبل أن تكتمل الاستعدادات وتتوفر كل الإمكانات فالنجاح في الإكمال لا في طلب الكمال
اقبل بالتدرج اقبل بالبدايات البسيطة اقبل بالجيد ولا تتوقف إن لم يتوفر الأجود
لا تبالغ في الاستعداد والتحضير والتهيئة والتحسين ، فمن يريد أن يقود سيارته في الليل تكفيه إضاءة سيارته ، ولن يكون مضطراً لإنارة المدينة كلها من أجل مشواره القصير
عليك بالقناعة فهي ليست شمّاعة تُعلِّقُ عليها تقصيرك وأخطاءك ، ولكنها شعورٌ يجعلك ترضى بالموجود بعد أن بذلت المجهود ولم تحقق المقصود
إن طلب الكمال يجعل مساحة عالمنا صغيرة ومحدودة ؛ لأنه لا يسمح لنا أن نتعلم ونتحرك ونتدرج ، لا يسمح لنا أن نخطئ ونجرب ونحاول وبالتالي لا ننمو ونظل صغاراً
إن طالب الكمال يبالغ في الاستعداد حتى يفقد القدرة على الابتداء ، فلا يبدأ ولا يُجرب وتظل الكثير من المشاريع والأعمال حبيسة عقله ، ونسي أن الإتقان يأتي من التجربة ، والتجربة تأتي من تقبل النتائج ومحاولة تحسينها
في تجربة قسم الطلاب إلى قسمين وطلب من القسم الأول أن يصنعوا أكبر عدد ممكن من الأواني الفخارية(الأكثر هو الفائز)وطلب من الفريق الثاني أن يصنعوا آنية فخارية ذات جودة عالية متقنة(الأجود هو الفائز)وبعد انتهاء المسابقة وجدوا أن أجمل آنية صنعت كانت من إنتاج المجموعة الأولى وليس الثانية
لأن الإتقان والكمال هو نتيجة الأخطاء والمحاولات ؛ ولأن التجارب العملية مثل درجات السلم التي تصعد بها إلى قمة الإتقان والجودة
فاقبل بالأمور قبل أن تتحسن وحسّنها حتى تكون مقبولة
واعلم يا صديقي أن طالب الكمال ابتعدت أرضية واقعه وقدراته عن سماء طموحه وتطلعاته
فهو يتوقع بلا واقعية و يحاول أن يعمل بمثالية ويرجو أن يبلغ ما يريد كما يريد
بلا تدرج ولا توسط
قيل لأعرابي كيف ابنك ؟ قال : ( ليس في العلو كما أهوى وليس في الدون كما أخشى ) رضي بابنه لأنه جاء في المنتصف بين مستوى ما يريد ومستوى ما لا يريد ،
.
.
.
هناك في المنتصف تكمن السعادة والرضا
لست ضد الهمة والطموح ، ولكني ضد المبالغة والجنوح ، ضد جعل رحلة النجاح مليئة بالتعاسة
فالطموح الصحيح الصحي ينطلق عبر الهمة من أرضية الواقع ؛ فالنجاح ليس وثبة ولا مجرد ضربة أو ومضة ، إنه خطوات مستمرة تتعثر حيناً وتسير حيناً حتى تصل إلى الهدف أو قريب منه فإن لم يصبها وابل فطلَّ
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " سددوا وقاربوا " رواه مسلم
أي إن لم تبلغ الصواب فاقترب منه
عاهد نفسك وردّد في داخلك : (يوجد أفضل مني وأقل مني ولا يوجد مثلي لن أسعى أن أكون الأجمل والأحسن والأسرع والأقوى والأفضل ولكني سأسعى أن أكون الأكثر انسجاما مع نفسي )
لن أسعى للكمال لأنه سراب ، لن أسعى للتميز دائماً لأنه محال ، سأخفض معاييري إلى الحد الذي يجعلني استمتع بحياتي ، سأنافس الناس إن سبقتهم سأفرح ، وإن سبقوني سأجتهد ، سأبدأ سأجرب سأحاول فإن نجحت فأنا بطل ، وإن أخفقت فأنا بشر ، وهذا كل ما في الأمر
فكل شيء بدأ صغيراً فالكون ذرة ، والسيل قطرة ، والغابة بذرة ، وأنا وأنت نطفة ،
فلا تجعل الكمال يحطم الآمال ويوقف الأعمال
ولا تجعل تلك المعايير ( مساميرَ ) تدُّقُ بها نعش سعادتك ،
فلا مرحباً بنجاح يشعرنا بالتعاسة

جاري تحميل الاقتراحات...