عندما تقابل التنويري قيم وظواهر اجتماعية لا تتوافق وعالمه المثالي، فإنه تلقائياً يختزل دوافعها بشكل أو بأخر في صفتين: الجهل والاستبداد. وهذا إلى حد ما طبيعي في الصراعات بين البشر، كل طرف في أي صراع يحتاج إلى اختزال وتبسيط حالة الخصم في صفات ذات وقع سلبي واختزال وتبسيط الذات أيضاً
لكن في صفات ذات وقع ايجابي لكسب المعركة الدعائية أمام الرأي العام، من هنا يصف التنويري من يعارضه بـ "التخلف" أو "التشدد" ويصف ما يقوم به هو بـ "التنوير" و "التسامح".
هذا على مستوى الشعارات والدعاية، لكن إذا نظرنا نحو التحليلات "الجادة" التي يقدمها ذلك التنويري فسنجدها لا تختلف عن شعاراته بشكل كبير سوى من حيث إطالة الجمل والتفنن في استعمال المصطلحات السيكولوجية والسوسيولوجية،
أما من حيث المضمون فهو لا يحاول تفهم الحالة التي هي أمامه ولا حتى فهمها، فهو يبدأ التحليل ولا يريد سوى الوصول إلى هدف معين في ذهنه مسبقاً وهو أن تلك العادات والتقاليد مثلاً ساقطة قيمياً وليست سوى نتاج الجهل والاستبداد ولم تكن لها أي غاية وجدت نتيجة تجارب أجيال وواقع معين،...
... على الأقل في الظروف التي نشأت فيها.
في المقابل، إذا ما سولت لأحدهم نفسه محاولة فهم "عادات وتقاليد" صديقنا التنويري فسيصرخ تلقائيا: إنه الذوق، لا يحق لك أن تقيم أذواق الناس، هل تحكم على إختيار أحدهم الفانيلا بدل الشيكولاطة؟ أكيد لا، إذن كذلك هي الإختيارات في العمارة والأدب والفن والمظهر الخارجي والتوجه الجنسية...الخ
كلها أذواق غير قابلة للفهم والتقييم وما قد تعتبره أنت إنحطاط وقبح وتصرف شاذ قد يراه غيرك إبداع وجمال وتصرف طبيعي جداً، وبالتالي هي مسائل شخصية جداً وتخص أصحابها فقط، أما أنت فلا يحق لك سوى التعبير عن مشاعرك نحوها فقط بـ "لم يعجبني/لم أحب" وبدون تعليل لو سمحت...
...، أو يمكنك ان تكتبت مثل ذلك المعلق: آسف أن أقول لكِ أني أخالفك تماماً في الرأي، تقبلي مروري سيدتي.
- الاعجاب الكبير الذي لقيته رواية Fifty Shades of Grey (رواية رومنسية/اباحية) بين النساء كان مجرد ذوق أدبي ولا يمكنك أن ترى خلفه أي رغبات ودوافع غريزية، تلك الدوافع الغريزية نجدها فقط لدى الفريق الآخر "المتخلف"، أما نحن فمتنورون وواعون ولا تحكمنا قوانين الطبيعة غير موجودة اصلاً.
- ليس لأنك لم تدرك بعد ما أدركه غيرك من المعاني العميقة لتلك الأعمال الفنية الرائعة التي تصفها أنت بـ الخربشات معناه أن الفن في إنحطاط وأن ذلك الانحطاط سببه فتح الباب أمام من لا موهبة لهم، هذا الفن المعاصر يسمح للجميع بإخراج إبدعاتهم بدون تمييز وليس فتحاً للبالوعات كما تقول.
- لا يحق لك أن تحتج بمعايير آدبية بالية ومتجمدة لتصف أعمال تلك الروائية العظيمة بأنها تقيؤ عاطفي ورومانسية صدئة لا ينبغي أن تتجاوز المجلات النسائية والمسلسلات التركية، على الأقل احترم مشاعر معجبيها الكثر من عشاق القراءة والثقافة.
- ذلك الرجل يريد أن تتعامل معه بوصفه إمرأة، وتلك المرأة البيضاء هناك تعتبر نفسها سوداء، والتي بجانبها تعتقد أنها كلب، هذه خياراتهم الشخصية ويجب أن تحترمها وأن لا تقمعهم وتصفهم بالمضطربين عقلياً فقط لأن المبادئ الأساسية في البيولوجيا لا تعترف بهم.
نرى من خلال الأمثلة السابقة بأن فكرة الذوق ترتكز هذه على حجتين:
1- الحرية الشخصية: هذه الحجة تقوم على مبدأ "أنت حر ما لم تضر" Harm principle وهو مبدأ ليبرالي يفترض بأن لكل فرد الحق في فعل كل ما يشاء ما لم يسبب ذلك الفعل أذية مباشرة لفرد آخر وهذا هو المقياس الوحيد لتحديد ما هو التصرف الذي يمكن السماح به والذي لا يمكن السماح به لدى الليبراليين.
مبدأ الـ "لا ضرر" هذا قد يبدو معقول من حيث الظاهر، لكن مشكلته أنه يتجاهل تماماً الأذى والضرر غير المباشر الذي قد يسببه فعل ما على بقية الأفراد، ويتجاهل أكثر من ذلك ما قد يسببه للمصلحة العامة للمجتمع ويحصر معنى الضرر في استعمال العنف او التهديد به...
هذا التجاهل من قبل الليبراليين يعود في الأصل إلى فلسفتهم وأساطيرهم المؤسسة من القرن 17 التي ترفض أن يكون الإنسان كائن اجتماعي وتعتبر أن المجتمع هو مجرد حالة مصطنعة اضطر إليها الفرد لحماية نفسه وممتلكاته.
اسطورة ترفضها حتى الأبحاث المعاصرة التي تؤكد على أن الانسان كائن اجتماعي وأن دماغه مصمم للعيش داخل مجتمع [قطيع] ومن ليس كذلك فهو يعاني من اضطراب عقلي هو "اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع" Sociopathy.
هذا يعني أن الانسان [بشكل عام] سهل التأثر بتصرفات غيره من البشر ولديه ميول غريزية لتقليديها. بل إن علم الاعصاب يتحدث عن خلايا عصبية مرآتية mirror neurons تنشط عند مشاهدة اي فعل لكائن أخر [بالأخص من نفس النوع] بشكل وكأن المشاهد هو من يقوم به،
هذه الخلايا العصبية تلعب دور مهم في العلاقات الاجتماعية، في التعليم، وطبعاً التقليد والتجاوب العاطفي. وبالتالي أي فعل يقوم به الانسان في "المجال العام" وأمام الملأ هو نوع من تحفيز الأخرين على القيام به وبالتالي لا يمكن اعتباره مجرد فعل محايد خالٍ من إلحاق الضرر بالغير،
ما يعطي الحق للمجتمع أو من يمثله سلطة تقدير ما ينبغي على الفرد الالتزام به في "المجال العام" على الأقل لحماية الأطفال وبقية الأفراد ذوي الشخصية سهلة التأثر بدون المساس بحرية الفرد في المجال الخاص [الملكيات الخاصة] والبعيدة عن الانظار.
ربما أبسط مثال يستشهد به حول النزعة الطبيعية لدى البشر نحو التقليد هو "الموضة" وكيف تنتقل بين الافراد، وهناك أمثلة آخرى أكثر راديكالية مثل ما نجده في حالة انتحار الممثل الأمريكي "روبن ويليامز" شنقاً التي كانت صدمة حقيقة في المجتمع الأمريكي...
حيث تتحدث الاحصاءات عن زيادة غير متوقعة بـ 10٪ في عدد المنتحرين، و32٪ في عدد المنتحرين شنقاً. دراسات آخرى لاحظت زيادة في نسبة الانتحار بين الجنود الأمريكيين الذين سبق وانتحر أحد زملائهم.
هناك أيضاً تأثير سلبي أخر للحرية الشخصية [أو بالتحديد ما يسمى بـ حرية الاختيار] على المجتمع خارج موضوع التقليد يتمثل في بعض الرغبات التي يريد بعض الأفراد من المجتمع أن يدفع ثمنها ويتحمل مسؤوليتها الأخلاقية...
مثل المتحولين جنسياً أو الراغبين في القتل الرحيم والاجهاض الذي يريدون من المجتمع [دولة الرفاه] توفير الموارد البشرية وتحمل ثمن خياراتهم الشخصية من خلال التأمين الصحي.
وهناك أيضاً بعض الخيارات الفردية التي قد تصبح عبء اجتماعي واقتصادي على المجتمع عندما تتجاوز حداً معين، مثل خيار الطلاق الذي قد يسبب مشاكل اجتماعية (جريمة، تسرب مدرسي...) او قد يحدث أزمة في السكن بسبب زيادة الطلب.
2- النسبوية: وهي الفكرة القائلة بعدم وجود حقائق مطلقة في هذا العالم وبالتالي كل الآراء والقيم والحضارات والثقافات... متساوية، هذا الادعاء الذي يهدم نفسه بنفسه هو ما يستعمله التنويري كحجة لتخطي أي معايير أو قوانين تحكم مجتمعه...
بالنسبة له وجود معايير يعني القيام بترتيب القيم والمفاهيم بغية فصل الخطأ عن الصواب وبالتالي سيتشكل بالضرورة نمط هرمي للمجتمع وهذا ما يعتبره التنويري قمع واستبداد بما أن مبدأ الهرمية يلغي مبدأ المساواة العزيز على قلبه.
هناك من التنوريين حتى من يعتبر "اللغة" في حد ذاتها فاشية كما وصفها التفكيكي "رولان بارت" لأن اللغة فيها دائماً تلك الرغبة في الدقة التي بدونها تصبح غير قابلة للاستعمال كأداة تواصل، واللغة العربية مثلاً واحدة من أشد اللغات من حيث الاصرار على الدقة...
يظهر ذلك من خلال عدد مفرداتها الكبير وصعوبة علم النحو والصرف فيها. وهذا ما يفسر ظهور تلك الطبقة من الكتاب المعاصرين الذين اختاروا العامية كبديل للفصحى لأنها تعطيهم مجال أكبر للخطأ [هل صادفت من قبل نص بالعامية فيه أخطاء؟] وليس كما يدعون بأن العامية الفقيرة جداً أكثر تعبيراً.
وهكذا نجد تمدد للنسبوية إلى كل جوانب الحياة وأي محاولة للتذكير بالمعاني الأصلية للمصطلحات والمفاهيم توصف دائماً بالتشدد والاستبداد، في السياسة تجد مثلاً من يشعر بالقلق من تحديد معنى مفاهيم أساسية مثل اليسار/اليمين.
أما في الدين فنلاحظ بروز نسبوية دينية بين العامة لم توجد في الماضي وعرفت فقط بين النخب بإسم "وحدة الأديان"، لا فرق بين اليهودية والاسلام والهندوسية وكلها تهدي إلى الحق وبالتالي لا معنى لأن تكون يهودي أو مسلم أو هندوسي لأن المساواة دائماً تلغي المعنى.
بعبارة أخرى، يمكنك من حيث المبدأ أن تعتبر كل الأديان بأنها على ضلال، لكن اعتبارها كلها على أنها على صواب فذلك بكل بساطة مستحيل. نفس الحديث قد يقال عن الوطنية، وكما تقول المذيعة لضيوفها: دعونا لا نخون أحد، كلنا وطنيون هنا وكلنا نسعى لمصلحة هذا الوطن.
لكن؛ [وهناك دائماً "لكن" مع التنويري] وعلى عكس ما يظهره التنويري من احتكام للذوق والنسبوية فإنه شخص غارق في المطلقات ويعتقد أن القيم التي يدافع عنها هي قوانين فيزيائية متفق عليها بين كل البشر ويتعجب صادقاً كيف يمكن لأحد أن ينقض أسس معتقداته التي يظن بأنها من المسلمات البديهية...
مثل حقوق الانسان المطلقة، مفهوم الانسانية [حتى التنويري لا يعرف ما هو بالضبط]، المساواة، الديموقراطية... هذا يعني أن التنويري يستعمل حجج النسبوية فقط كسلاح لهدم قيم من يعتبرهم خصومه، لكنه يعود للقيم المطلقة إذا ما تعلق الأمر به.
يتقبل أن للأفراد أذواق وحقوق خاصة بهم، لكن يرفض أي حديث عن أذواق وحقوق للمجتمعات بنفس المنطق. يتقبل تميز الأفراد ويشجعه حتى لو كان ذلك من خلال البذاءة، لكن يرفض أي تميز للمجتمعات عن بعضها خارج المظاهر الفولكلورية.
جاري تحميل الاقتراحات...