سوف اتحدث بعد قليل _إن شاءالله_ عن أغرب الكتب في التاريخ العربي والإسلامي وأكثرها طرافةً...احفظها لديك..
حرص كثير من العلماء على حفظ منتجاتهم الفكرية وكتبهم العلمية، فلجأوا إلى وسمها بالعناوين الطريفة و المسجوعة، كما اختار بعضهم لكتبه مواضيع غاية في الغرابة وآية في الطرافة، حتى أصبحت هذه الكُتب حديث الناس، وقس على هذا ما يلجأ له البعض من تدبيج القصائد لغرض حفظ المعلومة وسهولة تذكرها
في نهاية القرن الهجري الثاني استقبلت مكتبات بغداد كتب ومؤلفات "عمرو بن بحر الجاحظ"، الذي وصفه معاصروه وأهل زمانه أنه طريف في مخبره ومنظره وحديثه ومؤلفه، حتى لقد تفرغ الأدباء من بعده إلى تحليل ودراسة أسلوبه الساخر الذي عرف باسمه، ووصف بأنه مدرسة مستقلة في فن "الكوميديا"..
ولا أدل على ذلك إلاّ ما يرويه ويسوقه من طرائف القصص، حتى لقد تجاوز في كثير من مؤلفاته حدود الآداب العامة والأعراف الإنسانية بتندره واستهزائه بأشكال الناس وأجسادهم بل حتى ملابسهم، كما في كتابه (البرصان والعرجان والعميان والحولان) وكتابه (رسالة التربيع والتدوير) و(البخلاء).
في حين كان معاصره "الأصمعي" يهيم في صحارى العرب، يلتمس من خلال أبناء البادية عجائب وأسرار اللغة العربية، وينقل لنا مكنونات اللسان العربي الفصيح، وما عرف عند المؤلفين ب"الإجابات المسكتة"، كان "الجاحظ" ومن نهج نهجه، يحرصون على الأبحاث والمواضيع الطريفة، كما هي مؤلفات "ابن المرزبان"
التي من أطرفها كتابه المشهور (فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب)، وكتابه (ذم الثقلاء)، وذكر في كتابه الأول سلبية بعض أهل زمانه وضعف أخلاقهم، حتى إنه استشهد بقول العرب: "إن أبعد الناس سفراً من كان سفره في طلب أخ صالح"، وعلّق كثير من المؤرخين الذين جاءوا بعد "ابن المرزبان"
على كتابه هذا فقالوا: "إن كان هذا حال ابن المرزبان وهو ممن عاش في القرن الهجري الثالث فما بالك بأهل هذا الزمان"، وهذا الكتاب ليس ببعيد عن كتابه الذي عنونه ب"من توفي عنها زوجها فأظهرت الغموم وباحت بالمكتوم".
كانت كتب "ابن المرزبان" غير بعيدة عن كتب "ابن كرّام الجثمي البيهقي"، لاسيما ذلك الكتاب الذي لقي حتفه بسببه بعد أن اختار له عنواناً طريفاً أسماه ب(رسالة إبليس إلى إخوانه المناحيس)، كما كتب "محمد بن حبيب" كتاباً آخر جمع فيه الشعراء الذين عرفوا بأسماء أمهاتهم..
كان عنوانه (من نسب إلى أمه من الشعراء)، علماً أن "ابن حبيب" عرف باسم أمه "حبيب"، ونُسب لها، كما كتب "الفيروز آبادي" كتابه (تحفة الأبية فيمن نسب إلى غير أبيه)، تتبع فيها "من نسب إلى اثنين من آبائه وأمهاته، أو إلى غير أبيه فأظهر بعض الأسماء البارزه في زمانه وقبل زمانه..
كما كان ل"ابن حبيب النيسابوري"، كتاب عنون له ب(عقلاء المجانين) بعد أن طلب منه بعض أصحابه أن يحصر لهم من كتب التراجم وأيام الناس، عددا ممن عرفوا بالجنون، بينما يظهر من أفعالهم وأقوالهم العجب العجاب، مما يدلل على أنهم رغم ما يرمون به من أمراض، إلاّ أنهم من أذكى وأبلغ وأفصح الناس.
وضع المؤلف اليمني "أحمد الحيمي" كتابه "حدائق النمّام في الكلام على ما يتعلق بالحمّام"، بيد أن عدد من الكتاب كانو قد سبقوه في هذا الميدان فأغرقوا هذا الموضوع بحثاً، ك"أحمد الأفقسي" في (القول التام في آداب دخول الحمّام) و"ابن طولون الصالحي" في كتابه (رفع اللثام عن أحكام الحمام)
كما كان للصالحي كتاب آخر لا يخلو من الطرافة سماه (اللمعات البرقية في النكت التاريخية)، وكتاب آخر عنوانه (نقد الطالب لزغل المناصب)، وكان هذا العالم -الذي توفي عام (953) من العلماء العزاب الذين لم يحظوا بالزواج، وقد سبق التغريد عنهم بوسم خاص..
وكانت كتابات "ابن طولون الصالحي" قريبة من كتب معاصره المؤرخ والعلامة "أبو بكر السيوطي"، الذي عُرف واشتهر وذاع صيته بأنه لم يترك علماً من العلوم إلاّ وطرق بابه، بل وتبحر فيه وغاص في أعماقه، حتى ترك حين وفاته كنزاً ثميناً من الكتب والمؤلفات التي تنوء الخزائن عن حملها..
والتي تقدر بنحو (600) كتاب، غير كتبه التي تراجع عنها وأتلفها، والجميل أيضاً أن هذا العلامة كان شغوفاً بطرق أبواب العلوم والمعارف الطريفة، كما أنه حرص شديد الحرص على عنونة كتبه ومؤلفاته بالعناوين الغريبة والمسجوعة والتي من أشهرها..
كتابه (طرح العمامة في التفرقة بين المقامة والقمامة) وكتاب (بلوغ المآرب في أخبار العقارب)، و(الطرثوث في فوائد البرغوث)، و(منهل اللطائف في الكنافة والقطائف)، وكذلك (طي اللسان عن ذم الطيلسان)، و(أزهار العروش في أخبار الحبوش)، وكتاب (بلوغ المآرب في قص الشارب)، إضافةً إلى..
(المؤتسي بمن حدث حدث ونسي)، و(الشماريخ في علم التاريخ)، ولعله قريب من كتاب منافسه الإمام "السخاوي" (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) وكان بين السيوطي والسخاوي جدال وعراك فكري مشهور متداول بين المؤرخين..كما أن للسيوطي كتب أشد غرابة وطرافة مما ذكرناه هنا مما لا نفضل ذكرها..
ومع هذا كان "السيوطي" يلقب ب"ابن الكتب"، وقيل إن والده طلب من والدته أن تأتيه بكتاب من المكتبة فجاءها المخاض فيها فولدته بين الكتب فلقب بهذا، كما توفي "الجاحظ" وفقاً لما رواه البعض بعد أن سقطت عليه كتبه، أما "ابن القطعة" فقد ترك لنا كتاباً بعنوان (ابتلاء الأخيار بالنساء الأشرار)
وربما كان لغيره أن يؤلف كتاباً عن ابتلاء النساء "الأخيار" بالرجال الأشرار..ولا شك أن علاقة الأزواج بزوجاتهم إما خيراً أو شراً ظلت الحديث الصاخب لعدد من مؤلفي وكُتاب هذا الزمان..
حرص عدد من المؤلفين على وسم كتبهم بالعبارات المسجوعة من باب التسهيل على القارئ وسهولة حفظ العنوان، كما لجأ بعضهم إلى جعل عنوان كتابة مسجوعاً مع لقبه وكنيته ككتاب(الأغاني للأصفهاني) وكتاب (من غدر وخان لابن المرزبان)، وكتاب (الأمالي لأبي علي القالي) وكتاب (وفيات الأعيان لابن خلكان)
ولعل هذا النهج في اختيار العناوين استمر إلى وقتنا الحاضر، فكثيراً من الكتب والمؤلفات المعاصرة مازالت تحمل عناوين مقاربة لأسماء أصحابها ككتاب (موارد الضمآن لدروس الزمان) للشيخ "عبد العزيز السلمان".
ومن الطرائف أن ثمة عناوين يستحيل لأحد منّا أن يحفظها بسبب طولها وتفرعها، وذلك مثل كتاب "ابن خلدون" في مقدمة تاريخه الذي سماه (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)
ويعرف بين الناس بتاريخ "ابن خلدون" مع مقدمته الشهيرة، ناهيك عن كتاب العلامة العقيلي "محمد بن عمرو الحجازي"، الذي يختصره طلبة العلم بكتاب (الضعفاء للعقيلي)، ويتحدث فيه مؤلفه عن ضعفاء الرجال في الحديث أمّا اسمه فأطول من أن يذكر..
وهو غير بعيد عن كتاب الإمام "القرطبي" (الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة محمد عليه الصلاة والسلام)، كما للمؤرخ "المسعودي" بعضاً من الكتب ذات العناوين الطويلة إلاّ أن معظمها ضاع مع كتب عديدة لازالت تحت طي النسيان..
ككتابه (أخبار الزمان)، وكذلك كتاب "ابن عساكر" المعروف ب(تاريخ دمشق) فإن عنوانه يزيد عن السطرين وفي المقابل كان ثمة كتب اختصرت عناوينها في كلمة واحدة وبعضها توفي أصحابها قبل تسميتها فعرفها الناس بمضمونها ومحتواها..
ويرى بعض المحققين أن كثيراً من المؤلفين كانوا يضعون لكتبهم العناوين الطويلة لتوضيح حالها وموضوعها والهدف من تأليفها، وذلك بدقة متناهية في اختيار المفردات، إلاّ أن بعض النُسّاخ يلجأون إلى اختصار عناوينها كي يستطيعوا التمييز بينها وتذكرها..
وقس على ذلك كتاب (معجم البلدان) ل"ياقوت الحموي"، وكتاب العلامة "ابن حزم الأندلسي" (الإيصال إلى فهم كتاب الخصال) وهذا اختصار لعنوانه الطويل وكتب أخرى يضيق المقام عن سردها..
والحديث عن الكتب المسجوعة في إرث الحضارة الإسلامية، قد لا يقف عند جيل أو جيلين من العلماء والمؤرخين، بقدر ما يمتد إلى عصرنا الحديث، حيث ظلت العناوين المسجوعة محل ترحيب وقبول من معظم الكتاب والمؤلفين، بل حتى من قبل القراء وطلبة العلم..
ولغزارة مثل هذه العناوين وكثرتها، فقد يستحيل حصرها في عدد من التغريدات، إلاّ أن الاستدلال ببعضها دليل على رواجها وسرعة حفظ عامة القراء لها، وخذ مثلاً لذلك كتاب (برد الأكباد عند فقد الأولاد) ل"ابن ناصر الدين الدمشقي"، و(حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) ل"ابن قيم الجوزية"..
القارئ الفطن لتاريخ الكتابة والتدوين عند المسلمين والعرب، يدرك جيداً أن موجة الكتب المسجوعة انتشرت بين العلماء والكتاب منذ القرن الرابع الهجري، وحينها كانت مدينة بغداد حاضرة الدنيا وقبلة العلماء، لا يجاريها في مكانتها العلمية والسياسية إلاّ مدينة قرطبة في الأندلس..
التي عاش علماؤها ما عاشه نظراؤهم في الشرق، بينما كان معظم علماء القرون الأولى يقصرون عناوين كتبهم على كلمات محددة وربما كلمة واحدة مثل كتاب (الأم) ل"الإمام الشافعي"، وكتاب (الموطأ) ل"الإمام مالك"، وكتاب (الكامل) ل"المبرد"، وكتاب (الأضداد) ل"الأصمعي"..
في عصرنا الحالي، كثيراً من الكتب والمؤلفات استمرت على منوالها القديم من حيث الطرافة والغرابة، ولا أدل على ذلك إلاّ كتاب (مذكرات دجاجة) للحسيني، وكتاب (اللغات السرية للحرامية) ل"علي عيسى"، و(فيض المنن في الرد على من فضّل السمك على اللبن) ل"أحمد التابعي"..
حيث تُعد كتب معاصرة، كما هي رسالة (قمع الشهوة عن تناول التنباك والكفتة والقات والقهوة)...آسف على الإطالة وتصبحون على خير..
@_Dossr صباح النور
في مكاتب دارة الملك عبدالعزيز وكذلك في مكتبة التراثية بطريق الملك عبدالله..
في مكاتب دارة الملك عبدالعزيز وكذلك في مكتبة التراثية بطريق الملك عبدالله..
جاري تحميل الاقتراحات...