فهد.
فهد.

@I0ll

160 تغريدة 3,390 قراءة Sep 24, 2019
الحديث اليوم عن رجلٍ لَمْ يُعط حقّه في حياته، ولم يُعرف قدره بعد مماته. رجلٌ أفنى عمره يبحث في مشكلاتِ الحضارة؛ بهدفِ نهضةِ أمته. تخرّج مهندساً فلم يذهب ليهندس البِناء بل اختارَ هندسة الأفكار، إنه «مالك بن نبي»، المولود في مثلِ هذا اليوم ٢٨ يناير من عام ١٩٠٥م.
• ولادته وحياته •
وُلد مالك بن الحاج عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي في مدينة قسنطينة، في السادس من ذي القعدة من سنة ١٣٢٣ھ، الموافق ٢٨ / يناير من سنة ١٩٠٥م. وهو يرى أن ولادته في تلك الفترة من الزمنِ مكّنته من الشهادةِ على القرن حيث أتيحت له فرصة الاتصال بالماضي والمستقبل.
يقول: ”من ولدَ بالجزائر سنة ١٩٠٥ يكون قد أتى في فترةٍ يتصل فيها وعيه بالماضي المتمثل في أواخر شهوده، وبالمستقبل المتمثل في أوائل صائغيه... فكان لي حين ولدت تلك السنة، الحظ الممتاز الذي يتيح لي أن أقوم بدور الشاهد على تلك الحقبة من الزمان” ومن هُنا جاء اسم مذكراته «شاهد للقرن».
تتكون أسرته من الأب، والأم، ووالدتها، ومالك وأختيه. كانت أسرته محافظة وتعيش في بيئةٍ تقرب من البداوة، حيث كانوا في مدينة تِبسّة (هكذا بتشديد السين)، وتِبِسّة في ذلك الوقت كانت تحتفظ بطابعها البدوي الذي اكتسبته من مجاورةِ العشائر البدوية. وكان وضع الأسرة الاقتصادي مترديا نوعا ما.
كانت جدة مالك تُمثل الماضي الجميل. تحكي لهم دائمًا بعض القصص عن أيام دخول الاستعمار بأسلوبها العفوي. عاصرَ مالك تلك الأحداث الدامية، عندما انتهت الحرب العالمية الأولى؛ حيث سقط العالم الإسلامي فريسة للاستعمار، الذي اقتسم أقاليم الدولة العثمانية، فكان ذلك الجيل يشعر بمرارة المأساة.
كان شديد التعلّق بوالدته. كانت -كما يقول- ذات شخصية قوية، وكانت تعمل بجد لإعاشةِ الأسرة عندما تعطّل زوجها عن العمل، وتشترك في كل قرار يتخذه رجل البيت، وتشرف على منزلها وتدبيره حتى وهي على فراش المرض! كان مالكا متعلقا بها، وكان يضع صورتها على مكتبه في غرفته أثناء الدراسة في باريس.
كانت والدة مالك تتميّز برجاحة العقل، والبعد عن تحكيمِ العاطفة فيما تمرّ به الأسرة من ظروف. كل ذلك جعل لتلك المرأة المكانة العظمى لدى أفراد الأسرة جميعًا، ولهذا كانَ وقع وفاتها عليهم قاسيا، ولا سيما على والد مالك.
يقول مالك: ”فقامَ والدي ليُعزيني، فأنساني مصابه مصابي، فعزيته أنه فقدَ أصلح الزوجات وفقدتُ خير الأمهات”. أما مالك فكانَ أثر هذا الحادث عليه عظيمًا جدا، ولعلّ ما سأنقله لكم من كلامِه يوضِّح شدة تعلّقه بوالدته رحمهما الله.
يقول (في مذكراته) : ”طلبتُ خديجة (زوجته) فوجدتها منهارة في الغرفةِ التي أعدتها والدتي منذ سنوات ليوم زفافي، لم أستطع أن أقول لها شيئاً يهدئها، فخرجتُ، إذ أصبح لدي كل شيء لا يُحتمل في هذا البيت فذهبتُ كالسكران..”
يُكمل: ”حيث لا أدري، وإنما أتذكر الخطوات التي سِرتها وحدي خارج السور، ولا أدري إذا كنتُ أسير مطأطئ الرأس على الأقدامِ، أم كنتُ أسير في ليلٍ دامس لا أرى فيه النجوم. ولكنني أتذكر تلك الكلمة التي تتردد في نفسي وبين شفتي: «أنا الآن يتيم?»”.
عجبًا لفكرة كهذهِ عند رجل شاب، ولكن عقله قد تشنج، شنّجته المصيبة!.. بينما لم أشعر بكُل صدمتها، إلا في الغد، عندما استيقظت من النوم، وقد كانت والدتي تراقب تلك اللحظة بالذات، فتأتي إلى غرفتي لتُهدي لي أول ابتساماتها، وأول عطفها، فلم تأتِ والدتي ذلك اليوم فكانت الصدمة الكبرى.
وتشنّج -فعلا- فكري فأصبحتُ أقول:
-لا إن والدتي ستفتح الباب!
”يظهر لي ويخفى على عبثِ هذه الفكرة التي ستُخامر عقلي كل الأيام التالية، عندما أستيقظ باكيًا، البكاء يقطع أنفاسي في النوم، وستدوم هذه الحالة سنوات إذ أجد نفسي كل صباح أنني أبكي في النوم!”?.
عانى ابن نبي من العطالة بعد تخرّجه من المدرسة عام ١٣٤٣ھ-١٩٢٥م، حاول مع ابن خلاف التاجر أن يبعثه في عمل تجاري للسودان فلم يفلح، وسافر لفرنسا للبحث عن عمل فلم يجد، وحاول أن يكون مترجما، أو أن يحصل على عمل خارج الجزائر أو محاولة الحصول على وظيفة في المحكمة؛ وكل محاولاته باءت بالفشل.
ثم عرض على محكمة تبسة أن يعمل بها دون أجر، فقُبل عرضه لأن في ذلك مكسبا لهم، وهو يراها فرصة لانتشاله من الفراغ الذي يقلقه كثيرًا. بقي على تعاونه مع المحكمة حتى وصله خطاب على تعيينه في محكمة آفلو. عمل بها فترة من الزمن إلا أن نفسه كانت تطمح إلى ما هو أكبر منها فهي مرحلة على الطريق.
بعد ذلكَ دخل مع صهره في تجارة، مطحنة أقامها الصهر في تِبِسّة فازدهرت أعمالها مدة، فلم تلبث أن أفلست مما اضطرهما إلى بيعها. وكل هذهِ الأحداث والمحاولات والرحلات عرّفته على قدرٍ لا بأس به من التجاربِ وأصول المشكلات.
رحل بعد ذلك إلى فرنسا بغرضِ الدراسة، فيُخبرنا بقوله: ”لقد عزمتُ على السفر.. ولم يكن ذلك شوقًا إلى البعيد، بل عزمًا وجزمًا وحكمًا، وكنتُ أخفي مشروعي عن أمي، ولكن «لا يمكن إخفاء شيء عن قلب الأم ❤️»”. فرحل إلى فرنسا رحمه الله بعد أخذ الموافقة من والديه.
أول جولاته في باريس لم تكن حَسَنة! أو بمعنًى أبلغ؛ لم يكن استقبال باريس لمالك استقبالاً طيبا، إذ استقبلته بوجهها السيئ حيث لم يتمكن من الحصولِ على سكن في الجهةِ التي كان يقصدها، فاستقر في فندقٍ متواضع في شارعٍ صغير تؤمه بنات السوء، وكانت دعوتهن تقرع أذنه في الدخول والخروج!
سجّل اسمه في معهدِ الدراسات الشرقية، فلما حان وقت الامتحان كان واثقاً من نجاحه، ولكن النتيجة جاءت عكس ما توقّع، إذ لم ينجح، لسببٍ واحد فقط؛ وهو أنه مسلم ومن الجزائر! بل إن مدير المعهد دعاه وأشعرَه بعدم جدوى محاولة الدخول إلى هذا المعهد! وقد قرأتُ مرة أن ماسينيون وراء هذا الأمر.
بعد ذلك تحوّل وغيّر اتجاهه والتحق بمدرسة الكهرباء والميكانيك. استمرّ بها إلى أن أنهى الدراسة فيها، وهي تخوّله للحصول على شهادة مهندس كهربائي، غير أنه لم يحصل على ذلك لأسبابٍ استعمارية -كما يقول-. ثم درس دروسا ليلية بمعهد تابع لمتحف الفنون والصناعات لدراسة الكيمياء.
• زواجه •
يحكي لنا رحمه الله قائلاً: ”إن باريس مدينة تُخشى عواقبها، فبدأتُ أفكر كيف أحصّن نفسي من مغرياتها، وذات يوم، وأنا في غرفتي أمام النافذة، إذ انطلق من أعماقي دعاء وتضرّع إلى الله. كانَ يوم الجمعة ١٣٤٩ھ-١٩٣١م.
وقد تولى الله الأمر، فهداني إلى زوجتي وهداها هي، فسمّت نفسها خديجة، وأخذت على الفور زمام حياتي المادية في البيت”. من برنامجهما اليومي في المنزل: يتناولان الشاي، ثم يتحدثان في القضية الجزائرية أو حول الدين.
وكانت تُحب أن تسمع منه بعد صلاة المغرب تلاوة القرآن، فتتذوّق جرس التلاوة، من دون أن تفهم معناها، لعدم معرفتها باللغة العربية، وتجري خلال ذلك بعض التساؤلات، أو مقارنة بين المسيحية والإسلام، ثم العشاء.
كانت خديجة توفر له الأُنس والراحة في جوٍّ مفعم بالتعب والشقاء. يقول: ”كنت أعود إلى بيتي من باريس بعد كل ما يصيبني من تعب البحث عن عمل، وبعد كل مسامراتي المرهقة.. أعود وعلى وجهي ملامح تفزع زوجتي التي تبادر بقولها: والله لكأنك عدت من ارتكاب جريمة!
يُكمل: ”ولكن لا تمر إلا ليلة واحدة في بيتي، حتى تعود ملامحي إلى عادتها في أُنس الأسرة وهدوء الطبيعة”. وبعد أحداثٍ شائكة يطول سردها، وقد يجهل بعض القرّاء الكِرام هذه المعلومة؛ فكّر ابن نبي في الهجرة إلى السعودية والاستقرار بالطائف!
رأى ابن نبي أن الاستعمار كانَ متضايقًا من تولي السعودية على الأرض المقدسة التي هي منارة إشعاع للفكرة الوهابية. وهو يرى أن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب هيَ: ”الفكرة الإسلامية الوحيدة التي تصلح بما فيها من طاقةٍ متحرّكة، لتحرير العالم الإسلامي المنهار منذ عهد ما بعد خلافة بغداد”.
كانَ رحمه الله يبني الأفكار هو وزوجته، ماذا سيعملان هُناك؟ وماذا سيكون نشاطهم؟ تقول له زوجته: ”أستطيع أن أؤسس في الطايف مدرسة منزلية للبنات، فأعلّمهن الخياطة..” ويقول هو: ”سأبدأ بالقدر الممكن.. أصنع الأسمنت.
أو الصبغة، والعطور الفرنسية، وأحوّل مخلفات عيد الأضحى بمنى إلى أسمدة..” وهكذا كانا يسبحان في بحرِ الخيال حتى أيقظتهم صدمة الواقع، وعطّلت مشروعهما السفارة المصرية آنذاك.?
ذاق مالك بن نبي في حياته مرارة السجن، فقد سُجن سنة ونصف كما ذكر في (العفن صـ١٣٤). وعانى كثيرا بسببِ ماسينيون الذي قال عنه مرة: ”سقطت مرة أخرى تحت رحمة باريس أي ماسينيون. بكل تأكيد أدركت أن هذا الرجل يقف حاجزا أمام كل المخارج التي أحاول عبرها أن أنجو من مقرعةِ الاستعمار”.
بدأت صلة مالك بن نبي بالعالم الإسلامي عن طريق مصر، فقد قدم إليها ١٣٧٥ھ-١٩٥٦م. يقول الدكتور عمار الطالبي: ”وأقام بمصر ابتداء من سنة ١٩٥٦م في أثناء الثورة الجزائرية، وهناك في منزله كان يعقد مجالس أسبوعية (يوم الجمعة) يقصده الطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي، من جاكرتا إلى طنجة..”
مالك بن نبي حُكم عليه بالإعدام في فرنسا، فجاءَ لاجئاً سياسياً في مِصْر. لذلك كانَ مقيّدا في القاهرة. سمعتُ هذا الكلام من الدكتور عبدالله النافع، وهو ممن قابل ابن نبي عندما كان طالبا في مِصر، وله صورة معه شاهدتها في كتاب (في صحبة مالك بن نبي) لمسقاوي، ولا أدري إن كان لديه علم بها.
ومما سمعته من الدكتور النافع؛ أن الأستاذ مالك كان يمشي مرة مع الطلَبة في القاهرة فوجدوا حاوية للقمامة كُتب عليها ”حافظ على نظافة مدينتك” والقمامة مكومة حول الحاوية لا داخلها! فقال انظروا نقلنا وسيلة حضارة، لكننا لا نملك سلوك حضاري! لهذا كان ابن نبي يهتم بسلوك الحضارة قبل وسائلها.
المهم؛ أقام في مصر منذ عام ١٣٧٥ھ-١٩٥٦م إلى عام ١٣٨٢ھ-١٩٦٣م حيث عاد إلى بلده الجزائر. وفي مصر تزوج بامرأة جزائرية، وقد رُزق منها بثلاث بنات هُن: إيمان ونعمة ورحمة. وهنا يجب أن نقول: من راقب أوضاع تلك الفترة، وأخذ ظروفها بعين الاعتبار، لم يلمه على انخداعه -وغيره- بعبدالناصر وثورته.
زار مفكرنا رحمه الله سوريا، ولبنان، وليبيا، وتونس، والكويت، وإندونيسيا، وزار السعودية عدة مرات، فقد حجّ أربع حجات، وزار الرياض بدعوةٍ من جامعة الملك سعود، وألقى مجموعة من المحاضرات في كلٍّ من جامعة الملك سعود وكلية الشريعة بالرياض، ومعهد الإدارة العامة.
صفاته الخِلْقيّة:
تميل قامته إلى الطول، غير بدين، رقيق الحاشية، متوقد العينين، بادي الاهتمام بهندامه إن لم نقل التأنق . . إذا تحدث انفعل هادئاً مع حديثه، وبدا كمن يلد الأفكار أو يتمخض عنها، حاضر الجواب دائمًا، وإذا فاجأته بسؤال أطرق قليلا ثم رفع وجهه إليك وأعطاك الجواب الفاصل.
أما صفاته الخُلُقيّة:
فكانَ يشعر دائمًا بأن له رسالة، وعلى الرغمِ من كُلِّ الصعاب التي واجهته في حياتهِ الشاقة، لم يتزلزل في يوم، ولم يترك رسالته. كان ملتزماً بالأخلاقِ الإسلامية، ذو أصالة وهِمة عالية، أنفه شامخة، وعوده لا يلين في الحق، وقلبه لا يخشى في الله لومة لائم.
أما وصف زوجته له، فتقول: ”كانَ طيب القلب للغاية، يغضب أحياناً، ولكنه لا يحمل حقدًا على أحد، فقد كانَ ذا أخلاق عالية، حنونا، مؤمنا بالقضاء والقدر، لا يبالي في سبيلِ الحق، وكانَ ملتزماً بالإسلام، ومحافظاً على فرائضه، ويكره الاختلاط، ولا يسمح لأهله بذلك”.
وقالت عن برنامجهِ اليومي: ”كان يستيقظ لصلاة الفجر، ثم يشرب القهوة، ثم يصلي ركعتي الضحى، ثم يدخل المكتب فيقرأ في المِصحف، ثم يبدأ في العملِ إلى الثانية عشرة -حيث يخرج للغداء- ثم يرتاح إلى الثالثة. ومن الثالثة إلى السابعة يتفرغ لاستقبال ضيوفه وتلامذته. وكان دقيقاً في مواعيده”.
• مؤلفاته •
الذي قرأته له وأحصيته بنفسي ١٩ كتاباً، وذكر العويسي في كتابه (مالك بن نبي .. حياته وفكره) ٣٤ كتابا، ولعلّ بعضها مفقود، وبعضها رسائل ومقالات طويلة جُمعت إلى بعض في أعماله الكاملة التي طبعتها دار الفكر في خمس مجلدات.
• وفاته •
أصيب مالك بن نبي بمرض السرطان في الدماغ، اشتدّ به المرض بعد عودته من مدينة الأغواط حيث كانَ يُلقي بعض المحاضرات هناك، فسافر من أجلِ ذلك إلى باريس للعلاج، فأجريت له عملية جراحية، استردّ بعدها صحته نوعا ما لمدة عشرين يوما.
ثم عاوده المرض، فنصحهم الطبيب بأن يعودوا به إلى بلادهِ لأنه لا أمل له في الشفاء، فعادوا به إلى الجزائر وبعد ثمانية أيام توفي. وكان ذلك في يوم الأربعاء ٤ شوال سنة ١٣٩٣ھ الموافق ٣١ تشرين الأول / أكتوبر سنة ١٩٧٣م، الساعة 11:15 مساءً بمنزله في الجزائر. رحمة الله تغشاك يا أستاذنا.?
مما يجدر ذكره أن مالك بن نبي عانى من السرطان فترة من الزمن، ومع ذلك لم ييأس، بل ظل يواصل جهاده الفكري حتى توفي. وأنا هنا أتذكر المسيري رحمهما الله. آخر ما كتبه مالك -كما تقول زوجته- : ”أنا فرِح باستقبال الموت لأنني سألقي عن كاهلي عبء أربعين سنة، وما يُقلقني سوى ثلاث بنات صغيرات”.
• فِكره •
يتميّر مشروع مالك الفكري بتعدد النواحي التي اهتم بها. غير أن المتفحص لها بعمق يجد أنها جميعها تندرج ضمن ما سماه بنفسه «مشكلات الحضارة». فكانت بحوثه ذات أهمية بالغة في كشفِ عناصر الحضارة وسنة تركيبها، كما حاول أن يحدد أبعاد المشكلات الإنسانية في إطارها الحضاري الواسع.
ثم يُحدِّد العناصر الأساسية للإصلاح من خلالِ رؤية إيمانية عميقة تنطلق من مبدأ التوحيد الشامل الذي هو لُب الإسلام وجوهره. ويشهد كل مطلع على كتاباتهِ بأنها في تمثلها للثقافة الإسلامية والعالمية في أبعادهما الإنسانية، قد قدمت تصورات لم يصل إليها لا مفكرو التيار الإسلامي الحَرَكي.
ولا مثقفو التيار القومي أو الليبرالي أو الماركسي آنذاك، فهو فيلسوف أصيل له طابع العالم الاجتماعي الدقيق، جمع بين دقة المنهج وقوة البرهان ووضوح الأفكار وشمولية التناول.
تجده -رحمه الله- في مقالٍ واحد يحشد مجموعة من الأفكارِ والنظريات التي تلتقي كلها لإبراز مراده رغم أنها في الأصلِ تنتمي لحقول معرفية مختلفة ومتباينة!
ما يهمه ليسَ معرفة المجتمع الإسلامي كأرقامٍ متراكمة، أو أشكال من العاداتِ والأوصاف، بل الذي يهمه بالدرجة الأولى هو ذلك التفاعل الإنساني الذي يحدث داخل المجتمع في مختلفِ أطواره الحضارية، والذي يستمد أسسه من مرجعيةِ الأمة الدينية ومن قيمها الروحية التي حركت المجتمع في ميلاده الأول.
فعنده أن النظرة في تاريخِ الإنسانية تؤكد أن الإنسان إذا تحرّك تحرّك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ. فنرى المجتمع حيناً يزدهر بوجود النشاط ويزخر بالحضارة، وأحيانا نراه ساكنا لا يتحرك يسوده الكساد وتغمره الظلمات تبعا لما يسميه ”فعالية الإنسان في التاريخ”.
فالإنسان هو العنصر الوحيد الذي يمتلك إرادة تعمير الأرض وتسخير الوقت، وبهذا فهو المتحكم والموجه لمسيرة الحضارة كلها. ”ولا يتاح لحضارة في بدئها رأسمال، إلا ذلك الرجل البسيط الذي تحرّك، والتراب يمده بقُوته الزهيد، حتى يصل إلى هدفه، والوقت اللازم لوصوله”.
ويُكمل ابن نبي: ”وكل ما عدا ذلك من قصورٍ شامخات، ومن جامعات وطائرات، ليس إلا من المكتسبات لا من العناصرِ الأولية”. [شروط النهضة صـ٦٠].
لذا، فإن السعي لتشييد «الإنسان» تربويًّا وثقافيًّا، وبث «الفعالية الحضارية» في كيانه، يمثل اللبنة الأولى والرئيسة التي ينبني عليها المشروع الحضاري كله عند مالك بن نبي؛ فبناء الإنسان في نظرهِ أسبق من كل «تشييد مادي في المشوار الحضاري».
ويرى أن الذي ينقص الإنسان المسلم ”ليسَ منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحَرَكة، فهو لا يفكر ليعمل، بل ليقول كلامًا مجردًا” ولهذا، فإن مشكلة المجتمع تعود إلى أزمته الثقافية، كما أن سلبية الثقافة تعود إلى عدمِ فاعليتها. فالإشكال في عدم امتلاك برامج فكرية واضحة، وقابله للتنفيذ عمليا.
المُجتمع الإسلامي يفتقد للأفكار، فهو أعزل من حيثِ المفاهيم. وفي رأي ابن نبي -رحمه الله- أنه عند البحث في عوامل البناء الحضاري يجب أن نقف عند محطة ”الأفكار لا الأشياء”، بمعنى البناء الحضاري وليس التشييد المادي.
أهم المصادر والأسس التي تقوم عليها مرجعية الرؤية الإنسانية عن ابن نبي: ١- أصول ترتبط بالإسلام وتراثه الحضاري الفكري، ٢- أصول مستمدة من الحضاراتِ الإنسانية الأخرى وثقافتها العالمية، ٣- أصول مستمدة من العلومِ التطبيقية ومن تكوينه الهندسي.
[أولاً: الأصول المرجعية المرتبطة بالإسلامِ وحضارته]. شكّلت أسرته التي تلقّى فيها تربيته النواة الأولى. حفظ أجزاء من القرآن الكريم في مدينته تِبِسّة بالجزائر، ونهل من الأسرةِ والكُتّاب الكثير من القيم الروحية والدينية التي سترافقه طيلة حياته، كما ذكر في ”مذكرات شاهد للقرن”
ثم التحقَ بعد ذلك بالمدارسِ الابتدائية، ثم الثانوية. كما كان لاتصاله ببعض رجال الإصلاح وتلاميذهم من أمثالِ ابن باديس وغيره بالغ الأثر على توجهه الفكري. كان كثير القراءة، ولعلّ قراءاته العديدة هي التي حددت توجهه الفكري بالدرجة الأولى، ووسعت آفاقه العلمية والأدبية.
ذكر ابن نبي في مذكراته كتباً كثيرة يعتبرها مهمة في تشكيل وعيه المبكر للتأمل في قضايا الإنسان والإنسانية في أبعادها الحضارية المختلفة. منها ”الفشل الأخلاقي للسياسة الغربية” لأحمد رضا، و”رسالة التوحيد” لمحمد عبده، قال عن هذين الكتابين:
«إخال أن ذينك الكتابين طبعا جيلي كلّه في المدرسةِ بطابعهما، وأنا مدين لهما بتحول فكري منذ تلك الفترة بأية حال». تأثر ابن نبي في بدايته بالشيخ محمد عبده ومنهجه، لكنه انتقده بعد ذلك بسبب تناوله للعقيدة الإسلامية.
يرى ابن نبي أن الشيخ محمد عبده تناول العقيدة الإسلامية بمنهجٍ كلامي وفلسفي يهتم بتنسيق الكلمات وتحديد العبارات أكثر من اهتمامهِ بالبحثِ عن كيفية تمثّل الإنسان المسلم لروح عقيدته لإحداث التغيير المتوازن المطلوب.
ثم ذكر لنا ابن نبي كتباً أخرى كان لها بالغ الأثر عليه، مع ملاحظاتهِ عليها، مثل كتاب ”في ظلال الإسلام الدافئة” للكاتبة الفرنسية إيزابيل أبرهاردت Isabelle Eberhardt ، الذي قالَ عنه: «كان هذا الكتاب.. يكشف لي إسلاما شعريا ولكنه إسلام غير مبال أيضاً يبحث عن النسيان في المخدرات!»
وكذلك كتاب “أم القرى” للكواكبي الذي كشفَ له «إسلاماً كان ينتظم حقا للذودِ عن الحياض، ويسعى للنهضة، ويعبر عن الوعي الذي كانَ يعمل في العالم الإسلامي... أما أنه لم يكن إلا كتابا وليد الخيال فما كنتُ أشك فيه، ومع ذلك لم يزدد أثره في شعوري إلا عمقا».
وذكر لنا أيضًا كُتبا أخرى عديدة قرأها، تشمل جل جوانب الإبداع العربي الإسلامي في الأدبِ والفكر ومختلف فروع العلم؛ لكن أهم وأعظم من ترك أثارا واضحة على فِكره هو ابن خلدون، وقد أشار صراحة إلى اقتباسه بعض “المفاهيم الخلدونية” وتحليل جوانب من ”مشكلات الإنسان والحضارة” على ضوئها.
وهذا الاطلاع على التراثِ الحضاري العربي والإسلامي والإنساني هو الذي جعله يعرض الإسلام كمُلهم لقيمنا، وأنه قادر على استعادةِ إنسانية الإنسان المبرأة من ثقل مادية حضارة الإمبراطورية (الحضارة الغربية). وهو لا يقدم الإسلام ككتاب وإنما كواقع اجتماعي يسهم في بناء مصير الإنسانية.
وهو من هذا الجانب، يمنح الفِكر الإسلامي الحديث رؤية إنسانية متزنة ومؤثرة في زمانها.
[ثانيا: الأصول المعرفية المستمدة من الثقافةِ الإنسانية]. مثّل انتقال ابن نبي سنة ١٩٣٠م من بلده (المُستعمَر) الجزائر، بلد ”القابلية للاستعمار”، إلى فرنسا البلد (المستعمِر)، نقله كبيرة في حياته.
كانت هذه النقلة صدمةً فكرية دفعته بأن يتقصى أسباب الظواهر الإنسانية الثقافية والاجتماعية المتباينة بين البلدين، فأخذَ يجري المقارنات ويتفحص الأسباب، فأحسّ بثقل المسئولية الملقاة على عاتق الإنسان العربي المسلم في العصرِ الحديث.
كل هذا دفعه بأن يبحث بعمق عن كلِّ السُبل الممكنة لتحقيق التغيير والنهوض في البلادِ العربية والإسلامية، لكن مع التركيز بشكلٍ خاص على الواجهة الفكرية والعلمية لأنها تظل عنده الأساس الذي لا يُمكن لأي مشروع تغييري أن ينطلق دونه.
وهذا ما دفعه إلى الاطلاعِ على مختلفِ الثقافة الإنسانية، العلمية والأدبية والمترجمة إلى اللغة الفرنسية بشكلٍ خاص. وأهم المصادر التي أغنت رؤية مالك بن نبي ”لمشكلات الإنسان والحضارة” كتابات «أرلوند توينبي J. A. Toynbee» حول تاريخ الحضارات الإنسانية وفلسفتها.
واستفادَ من شبنجلر وكتابه ”تدهور الغرب”، وكتاب كلور تلمون ”تاريخ الإنسانية الاجتماعي”. واطّلع على كتابات كوندياك، وماركس، وهيغل، وكسرلنج، وجون ديوي، وديكارت.. وغيرهم من المفكرين والفلاسفة الغربيين الذين نراه في كُتبه يستعرض كتاباتهم برؤية تحليلية نقدية فريدة قل مثيلها.
كما أنه ذكر في مذكراتهِ أنه قرأ أعمالاً كثيرة لبعض المستشرقين، من أهمهم: لويس ماسنيون، والأب زويمر، والمستشرق دوزي، وهاملتون جب، وغيرهم؛ وكان يرد عليهم، بل أنه خصص كتابًا سمّاه ”إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي” لتحليل خطاباتهم وبيان بعض خلفياتهم.
واطّلع أيضًا على الأدب، وقرأ لطاغور، الذي فتح ضميره وفكره على الطاقات الروحية التي تختزلها آسيا. وجعلته يكتشف أن «العبقرية لا تولد على ضفاف السين أو التِيمز فحسب، بل قد تولد على ضفاف نهر الغانج أيضًا..» يقول أنه حرره من العبودية الثقيلة على روح المثقف العربي تجاه أوروبا وثقافتها.
ومن المهم أن نذكر تأثر ابن نبي رحمه الله بغاندي، وموقفه من الاستعمارِ الإنجليزي على وجه الخصوص. ولعلّ هذا هو الذي دفعه في كتابه ”فكرة الإفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونج” للإلحاح على ضرورة انفتاح المسلمين على القارة الآسيوية، بقصد تكوين حلف إنساني يقف في وجه الدول العظمى.
زواج ابن نبي من فتاةٍ فرنسية -تسمّت بخديجة بعد ذلك عندما أسلمت- عام ١٩٣١م جعله يتعرّف أكثر على المميزات التي يتسم بها الإنسان في البيت الأوروبي، حيث دقة التنظيم، والحفاظ على النظافة، والعناية بترتيب الأمور. لذلك نجده بعد ذلك ينفر بشدة من كل شيء يخالف الذوق والجمال -كما ذكر-.
[ثالثاً: الأصول المعرفية المنحدرة من العلوم التطبيقية والهندسية]. مثّل دخوله لمعهد الهندسة نقلة في توجهه الفكري ورؤيته لقضايا الإنسان والمجتمع. فالمقررات التي تُدرّس في هذا المعهد تُلزم الطالب على الإلمامِ بعلوم كالرياضيات والفيزياء، وهذا ما جعله ينكب على القراءة، فتوسّعت معارفه.
دائمًا ما يؤكد على الاستفادةِ من التقنية لتأكيد الذات وتحقيق تحررها من الاستعمار وقرينته الشمطاء «القابلية للاستعمار»؛ ”وليس لخلق مزيد من التبعية والذوبان في الآخر”. تخرّج ابن نبي سنة ١٩٣٥م مهندساً كهربائياً؛ لكنه بدل أن يتوجه إلى هندسة البناء، فضّل أن يتوجه إلى هندسة الأفكار!
فعل هذا لحل مشكلات الحضارة التي تحاصر الإنسان المعاصر عامة والمسلم بشكلٍ خاص. فقد أحس بأن الإنسان في حاجةٍ إلى من يقوم «بكهربةِ أفكاره وهندسة ثقافته!» أكثر من حاجته لمن يهندس له أشياءه وسلعته. فظهرت أفكاره وكأنها بناء هندسي منظم ومنسق تتسم بارتباطها الشديد بواقع الأمة.
ومن قرأ لمالك أُعجب بترويضه مصطلحات التخصص لأفكاره؛ تكرر في مؤلفاته مصطلح «الفاعلية» الذي يستخدم في الأصل بميدان الهندسة الميكانيكية. وكذلك مصطلح «ذهاني السهولة والاستحالة»، و«مرآة الكف»، وغيرها من المصطلحات.
وأيضًا مما يلفت الانتباه وضعه لبعض المعادلات الرياضية التي لها علاقة بالمجالِ الإنساني، مثل: (الإنسان+التراب+الزمن) x (الفكرة الدينية)=الحضارة. وكذلك: (الإنسان+العقيدة الدينية)=تحكم الغرائز والشهوات. وهذا كله يدل على عَظَمة المفكر الذي يروّض معارِفه في سبيلِ نهضةِ أمته.
الحضارة عنده هي: ”مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له”. ونستخلص من هذا التعريف ثلاثة أمور لتكوين حضارة: الشروط الأخلاقية، والشروط المادية، والضمانات الاجتماعية.
”الشروط الأخلاقية” المعنوية هي التي تكوِّن ما يسميه ابن نبي بـ«الإرادة الحضارية». و”الشروط المادية” هي التي تكوِّن ما يسميه بـ«الإمكان الحضاري». و”الضمانات الاجتماعية” يقصد بها ما يُمكن تسميته بالنسيج الإنساني التراحمي التضامني، وهو شرطٌ ضروري لقيام حضارةٍ ما.
تمثل القيمة الحقيقية لأية حضارة عند ابن نبي؛ ”ما توفره للإنسان من أشكالِ الضمانات المعنوية والمادية، حتى يشعر كل فرد بكرامته وإنسانيته”. لذا فإن المكتشفات التقنية والمنجزات المادية لا تُمثل عنده القيمة الحقيقية. وهذا يُعطيك بُعد واضح لاهتمام مالك رحمه الله بالإنسان.
يستنتج ابن نبي من قراءاتهِ لتاريخ الحضارات الإنسانية أنه: ”لا يتاح لحضارة في بدئها إلا ذلك الرجل البسيط الذي تحرك، والتراب الذي يمده بقُوته، والوقت اللازم حتى يصل إلى هدفه”. هذه العناصر الأولية لتكوين أية حضارة. (الإنسان+التراب+الزمن) x الفكرة الدينية = حضارة.
والإنسان في مشروعِ مالك بن نبي الفِكري هو المتحكم والموجه لمسيرة الحضارة، يقول: ”إن الإنسان هو الشرط الأساسي لكل حضارة، وإن الحضارة تؤكد دائمًا الشرط الإنساني”. ثم نأتي لمسألة مهمة تناولها ابن في «مشكلة الثقافة» و«مشكلة الأفكار» و«الصراع الفكري» وغيرها من الكتب، فما هي؟
(المسألة الثقافية)
يعتقد ابن نبي أن تغيير واقع الإنسان الحضاري لا يمكن أن يتحقق ما لم يسبقه تغيير ثقافي، وتغيير المجتمع لابد أن يشمل تغييرًا في أفكارهِ وتصوراته. يقول ابن نبي؛ قد يحدث أن تُلم بالمجتمع ظروف أليمة، كأن يحدث فيضان أو تقع حرب، فتمحو منه «عالم الأشياء» محوا كاملا.
أو تَفقده إلى حين السيطرة عليه، فإذا حدث في الوقتِ ذاته أن فقد المجتمع السيطرة على «عالم الأفكار» كان الخراب ماحقاً ! أما إذا استطاع أن ينقذ «أفكاره» فإنه يكون قد أنقذ كل شيء، إذ إنه يستطيع أن يعيد بناء «عالم الأشياء».
فمن لا يصنع أفكاره الرئيسة، لا يمكن له على أية حال أن يصنع المنتجات الضرورية لنهوضه، وبعبارة مالك بن نبي -كما في كتابه (إنتاج المستشرقين) صـ٤٨ : ”علينا أن نستعيد أصالتنا الفكرية، واستقلالنا في ميدان الأفكار حتى نحقق بذلك استقلالنا الاقتصادي والسياسي”.
ويرى -رحمه الله- أن الاضطراب والفوضى والتناقض والغموض، وغير ذلك من الصفاتِ التي تتصف بها بعض الأطروحات الفكرية في العالمِ الإسلامي، إنما ترجع في جانب كبير منها إلى نفسية «القابلية للاستعمار» التي تسكن نفوس أبناء هذا المجتمع، وتدفعهم من موقع الدونية إلى تقليد أشياء الغرب وأفكاره.
وهكذا بدل أن تُساهم كتابات هؤلاء في تشييدِ البناء الحضاري للأمة الإسلامية، نجدها تلجأ إلى تكديس «المعارِف» ومراكمة المعلومات والانجذاب إلى الشقشقة اللفظية، وترديد المصطلحات الغربية التي فقدت الحياة بمجرد قلعها من بيئتها الحضارية الأصيلة في الغرب.
عند ابن نبي أن الأفكار هي مرآة الحضارة، تعكس نظمها وقيمها الاجتماعية والاقتصادية، كما أنها تحدد مسارها. يقول: ”ومن الواضح أن من أكثر البوادر دلالة على اتجاه مجتمع ما؛ اتجاه أفكاره، فإما أن تكون متجهة إلى الأمام، إلى المستقبل، أو إلى الخلف اتجاها متقهقرا، إلى الماضي بصورة مرَضية!”
وهذه الأفكار التي تجر المجتمع إلى الوراء هي التي يسميها في كُتبه بـ«الأفكار الميّتة»، وهي تلك الأفكار التي خَذَلت أصولها وانحرفت عن نموذجها المثالي ولم يعد لها جذور في محيطِ ثقافتها الأصلي. بجانب هذه الأفكار هناك تلك الأخرى التي يسميها بـ«القاتلة»، وهذه الأخرى خطيرة جدا.
هذه الأفكار هي التي ترمي بها الدوائر الغربية إلى النخبة التابعة لها عن طريق مراصدها الفكرية حتى تظل تابعة لا مبدعة، منفعلة لا فاعلة. فالتجربة الغربية تفتح أبواب متاجرها أكثر من أن تفتح أبواب مدارسها، مخافة أن يتعلم التلاميذ وسائل استخدام مواهبهم لتحقيق ما تحتاج إليه مجتمعاتهم.
ويقدّم ابن نبي تجربة النخبة اليابانية الأولى مع خبراتِ الغرب التي استفادت منه «دون الذوبان والانصهار في ثقافته، بل بقيت وفية لثقافتها وتقاليدها وماضيها». فالفرق شاسع بين تعامل النُّخبة المغتربة عندنا، التي تعاملت مع التجربة الغربية كزبون يكتفي باقتناء سلعها ومنتجاتها.
وتعامل النُّخبة اليابانية التي تركت القشور واهتمّت بالجوهر، فتعاملت مع التجربة الغربية كطالب مجتهد، فتمكنت من استعيابِ علوم الغرب وتقنياته التي تمثل سر شموخ حضارتها دون أن يؤدي بها ذلك إلى فُقدان هويتها.
وعلى كُلِّ حال؛ فالتجربة تُثبت أن الثقافة كما يرى ابن نبي لا تستورد بنقلها من مكانٍ إلى آخر بل يجب خلقها في نفسِ المكان، لأن ”البيئة ليست إحدى لوحات الرسم التي نفكّها من مسمارِ الجدار الذي عُلقت عليه لكي ننقلها إلى منزلنا”.
وانتشار هذين النوعين من الأفكار «الميتة» و «القاتلة» -في رأي ابن نبي- مؤشر واضح على اختلالٍ في الحياة الثقافية في البلاد الإسلامية، حيث لا توجد في هذا المجتمع شبكة العلاقات الثقافية اللازمة التي تحيا فيها الأفكار، كما لا يوجد فيه الدفء الإنساني الذي يشعر به الكاتب ويحضن إبداعاته.
ويرى ابن نبي أنه ما دام المجتمع الإسلامي عاجزًا عن إيجادِ البدائل الفكرية والمنهجية التي تنسجم مع عقيدته وواقعه، فيعني أن هذا المجتمع سيبقى يعاني من التبعية، ولن ترتقي أفكاره إلى درجة الاستقلال والتحرر الشاملين، لأن من لا يصنع أفكاره ومناهجه الرئيسة ستسيره أفكار ومناهج الآخرين.
ولا يُمكن لهذا المجتمع على أية حال أن يصنع المنتجات الضرورية لنهوضه، «لأن تكديس منتجات الحضارة الغربية لا يأتي بحضارة.. فالحضارة هي التي تكوّن منتجاتها وليست المنتجات هي التي تكون حضارة».
”فالغلط منطقي، ثم هو تاريخي لأننا لو حاولنا هذه المحاولة فإننا سنبقى ألف سنة ونحنُ نكدّس ثم لا نخرج بشيء” لذلك علينا أن نستعيد أصالتنا الفكرية، واستقلالنا في ميدان الأفكار حتى نحقق بذلك استقلالنا الاقتصادي والسياسي.
يدعو ابن نبي على المستوى الاقتصادي إلى ضرورةِ اكتشاف طريق اقتصادي جديد مغاير لما هو سائد في الغرب، طريق لا ينظر للإنسان على أنه مجرد كائن استهلاكي يجب العمل على تلبية جوع غرائزة المادية فحسب، وتحدد مكانته بحسب ما يملكه من مال وما يكدسه حوله من أشياء الحضارة أو يستهلكه من سلعها.
وقد أفرد كتاباً خاصا لهذه المسألة وهو ”المسلم في عالم الاقتصاد”. يمكننا القول أن ابن نبي قد تنبه مبكرا إلى خطورة النظرة التي تختزل الإنسان وقضاياه العديدة في إطار الواحدية المادية، ونبه إلى ضرورة السمو بنظرتنا لقضايا الإنسان، هذا الكائن التي تنكسر دونه التفسيرات المادية الأحادية.
ختاما: الأفكار هي مرآة الحضارة، تعكس نظمها وقيمها الاجتماعية والروحية، ومسار الحضارة هو انعكاس للفكر الذي يحرّكه والفكرة الدينية التي توجهه. وبهذا ظل الإنسان فردا وجماعة، جوهر ومحور المشروع الفكري والحضاري عند مالك بن نبي، ومعيار حركة المجتمع وسكونه ونهوضه وانتكاسه.
• قالوا عنه •
في تقديمه لـ«الظاهرة القرآنية» قال صديقه محمود شاكر: ”هذا كتاب (الظاهرة القرآنية) وكفى، فليس عدلا أن أقدم كتابا هو يقدم نفسه إلى قارئه. وبحسب أخي الأستاذ مالك بن نبي وبحسب كتابه أن يشار إليه، وإنه لعسير أن أقدم كتابا هو نهج مستقل، أحسبه لم يسبقه كتاب مثله من قبل”
ثم يُكمل: ”ولا أقول هذا ثناءً، فأنا أعلم أن رجلاً أثنى على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «ويلك! قطعت عنق صاحبك»، قالها ثلاثا. ومالك أعزُّ عليّ من أن أقطع عنقه بثنائي أو أُهلكه بإطرائي”.
وفي مقدمتهِ لكتاب «في مهبِّ المعركة» قال محمود شاكر أيضًا: ”لعلي لا أبالغ إذا قلت: إن هذه المجموعة من مقالاتِ أخي الأستاذ مالك، هي عندي من أنفس ما كتب”، وبعد سطور قليلة: ”بل هي أنفس شيء عندي، لأنها تكشف لنا عن فكرِ رجل خبير فكر في الأمورِ ساعة بعد ساعة، وقيد هذا الفكر في حينه”.
ويُكمل: ”فهذا المفكر الخبير، قد استطاع بحسن إدراكه وبدقة ملاحظته، أن يفتح عيوننا على الخيوطِ التي تنسج منها حياتنا تحت ظلام دامس قد أطلقه المستعمر ليخفي عنا مكره وخداعه لنا، فإذا تم نسيج هذه الحياة، لبسناها كأنها حياة نابعة من سرِّ أنفسنا، وبذلك يتمكن أن يقودنا كالأنعام..”.
”ونحن نحسب أننا إنما نقود أنفسنا، وأننا نتصرف في هذه الحياة تصرف الحر الذي لا سلطان لأحد عليه. وهذا هو المعنى الذي يرمي إليه الأستاذ مالك باصطلاحه الذي وضعه وهو (القابلية للاستعمار)”.
ويختم: ”وأنا لا أعرف فيمن قرأتُ لهم، ولا ممن في أيديهم مقاليد أمور الشعوب العربية، رجلاً فيه مثل هذا الحس الدقيق بالنكبة، أو مثل هذا التنبه الشامل للدسيسة، أو مثل هذه الاستقامة في فهمِ الوسائل المعقدة التي يستخدمها الاستعمار، أو مثل هذه الخبرة بالخسة التي تلبس ثياب الشرف والنبل”.
في آخرِ مقدمة الطبعة الفرنسية لكتاب «الظاهرة القرآنية» قال الشيخ محمد عبدالله دراز: ”وعسى نداؤك المنطقي والشاعري الذي أطلقته ليلامس العقول النيرة، يتسرب إلى عميق نفوسهم فيبعث فيهم من جديد حياة القلب والعقل معا”. [باريس ١٥ أيلول / سبتمبر ١٩٤٦م.
وفي مقدمةِ الطبعة الفرنسية لكتاب (القضايا الكُبرى) قال بوقروح: ”إن جيلي يجب أن يدرك بأنه سادر في التنكر للمفكر الوحيد، ذي المدى العالمي الذي لم تنجب مثله الأرض الجزائرية... فعندما نستذكر بن نبي فهذا يعني أننا نتكلم عن فن بناء الأمة، عن مستقبلنا التاريخي، فن بناء مفهوم الإنسانية”.
وفي آخرِ تقديم الأستاذ محمد المبارك لكتاب (وجهة العالم الإسلامي جـ١) قال: ”[كانَ] داعياً مؤمنا يجمع بين نظرةِ الفيلسوف المفكر ومنطقه، وحماسة الداعية المؤمن وقوة شعوره” وفي آخر سطر: ”أنا لا أقول: إنه ابن نبي، ولكني أقول: إنه ينهل من نفحات النبوة، وينابيع الحقيقة الخالدة”.
وذكرَ المسيري في كتابه (رحلتي الفكرية) أنه استفاد من قراءته لبعض الإسلاميين، وأن قراءته لهم ساعدته على فهم الإسلام بطريقة تُجيب عن كثير من تساؤلاته، وكان أول من ذكر «مالك بن نبي». وفي مقدمة كتاب (رحابة الإنسانية والإيمان) أوصى المسيري بل كلّف أحد تلامذته بدراسة إنتاج مالك بن نبي.
وقال عنه رابح الساسي (عايش ابن نبي وزوجته أخت لزوجة الأستاذ مالك) : ”[كان] نادر المثال، ذا أخلاق وتواضع، وحرص على الجهاد، وإعلاء كلمة الحق”. وذكر الساسي أن صديقا في المخابرات الفرنسية أحضر له مجلة خاصة، ذُكر فيها عشرون شخصا مستهدفون للتصفية من قبل اليهود كان من بينهم مالك بن نبي.
وقال عنه مدني حواس (قريب له) بعد أن ذكر مطاردة الاستعمار له: ”كان -رحمه الله- شجاعا لا يهاب؛ جاء إليه رجال الشرطة في إحدى الليالي في دار أبيه، فأخذ بندقية صيد وهددهم بأنه سيقتلهم قبل أن يصلوا إليه، فتراجعوا، ثم استدرجوه فيما بعد عن طريق بعض الجزائريين العملاء وأبعدوه عن البلاد”.
وقال عنه الشيخ هدّام: ”أنا أعتبر الأستاذ مالك إماما، فقد ضحّى وبذل من جهده ووقته الكثير. كانَ رحمه الله مؤمنًا بالقضاءِ والقدر، بحيث لم يتأثر حينما أخبره ابني بأنه مصاب بسرطان الدماغ، فسلّم أمره لله، وما أخبر بذلك أحدا، وظل يجاهد حتى آخر حياته.
وقال عنه عبدالوهاب حمودة: ”كان متواضعا؛ ومن الدلالة على ذلك إقامته عندنا في قرية جبلية، وفي حجرة صغيرة، مدة شهر كامل” وقال عنه جلول الساسي (من تلامذته): ”مكث عندنا في الأغواط عشرة أيام، كلما جئنا نوقظه لصلاة الفجر وجدناه قد استيقظ وجلس يقرأ القرآن. كان محافظا على الصلاة في وقتها”
وقال عنه عبدالقادر الأمير خياطي (من تلامذته): ”كنا نبيت عنده بعض الليالي، فيوقظنا قبل الفجر للصلاة، وقد كان حريصاً على أداء الصلاة في وقتها، حتى في أثناء إقامة الندوات في منزله، كان يوقف الندوة ويقيم الصلاة إذا حان وقتها. كما كان له وِرد من القرآن قبل صلاة الفجر”.
وفي كلمة الناشر في بداية كتاب (وجهة العالم الإسلامي ج٢): ”لقد أفنى مالك بن نبي عمره في استنهاض الإنسان المسلم، وتأهيله لاستلام راية الحضارة الإنسانية، التي أخذت تترنح في أيدي الغرب، لكن حجم الرواسب التي حملها المسلم معه إبان نكوصه الحضاري، كانت أكبر من طاقة مالك على تصحيح المسار”
”فعاشَ عمره غريباً يغرد خارج السرب، شأن كل الأنبياء والمصلحين. وقد استحكمت غربة مالك بن نبي على الساحة الفكرية؛ نتيجة منهجيته الصارمة التي رتب أفكاره غليها؛ ورؤيته البعيدة التي تضع مشروعه النهضوي في إطارهِ الإنساني الشامل، وفي موقعه على مسار الدورات الحضارية”.
تتمة: ”متميزاً بذلك عن مفكري حركة النهضة؛ بشقيها: السلفي العاكف على تراثه يحاول تكييفه مع حاجات العصر، والحدَاثي الذي يروم قطع صلاته بالتراث؛ ميمماً شطر تجارب ليسَ لها في أرضه جذور، فلم يفهمه أي من التيارين، ولم يمكن تصنيفه ضمن واحد منهما، فكان مرفوضا منهما كليهما”.
وكتبَ عمر مسقاوي عام ١٩٩٠م في بداية كتاب (القضايا الكبرى) : ”مالك بن نبي وقد مضى على وفاته سبعة عشر عاما ما يزال يفتقده شبابنا المعاصر في ظلمة الشتات الفكري.. ففكر ابن نبي ما يزال ينادي الجيل من مكانٍ بعيد، لكنه يقترب رويدًا رويدًا كلما استفحلت الهزيمة”.
يُكمل: ”فابن نبي إذا كنا قد جحدناه في حياتهِ أباً يرسم لنا شروط النهضة الفاعلة المستلهمة خُطا الحضارات وتعاقبها؛ فإننا كلما أفلسنا بالشعاراتِ الرائجة في سوقِ العالم الغربي المعاصر نقترب من ذلك اليوم الذي يثرينا ميراثه بفاعليّة الإنجاز وسلامة الاتجاه”. [١٩ رمضان ١٤١٠ھ].
ونختم هذا الباب -حتى لا نُطيل فيَملّ القارئ الكريم- بقولِ الباحث الأمريكي بروس لورنس عنه: ”مالك بن نبي لا يوجد له شبيه لا في أوروبا و لا في أمريكا و لا في المغرب العربي، هو ببساطة ابن خلدون المعاصر”.
• شذرات مُتفرِّقة •
الحضارة عند مالك بن نبي ليست بضاعة تُباع وتشترى؛ بل هي بناء داخلي تحدده عبقرية المجتمع وتعكس خصوصيته الثقافية عبر مسيرته التاريخية، وبالتالي فهي غير قابلة للاستعارة، وكل محاولة في هذا السبيل تعرض الثقافة المغلوبة على أمرها للمسخ بعد سقوطها في شباك التبعية.
حينما كتبَ فرحات عباس (فرنسا هي أنا وأنا الكثرة وأنا الجندي)، رد عليه ابن نبي بمقالٍ حازم، وكان آنذاك في السنةِ الأخيرة من الحصول على لقب مهندس في الكهرباء، قال فيه هذه العبارة: ”نخبتنا ماتت، نخبتنا أصبحت بلا روح للأسف” ولعل هذه العبارة صالحة للترديد، طبعًا إن وجدت النُّخبة!
رأى مالك بن نبي أن من آثار مرض «القابلية للاستعمار»؛ فقر المثقفين المسلمين في صياغةِ أفكارهم في العالم الحديث، فتبنوا مدارس المستشرقين في صياغة قيمهم الروحية. «ولكي نخرج من أزمتنا الراهنة؛ علينا أن نبني ثقافتنا وفق النموذج الذي يأتلف مع تاريخنا وأصالتنا».
يقول مالك: ”كلما ضعفت العلاقات الدينية يتناقص عدد العلاقات الاجتماعية، وكلما تضامنت وترابطت العلاقات الدينية بشبكة العلاقات الاجتماعية في مفهومها الأخلاقي؛ يؤسس المجتمع لجغرافيا المكان الذي تنطبع فيه هذه العلاقات” وهنا تتضج رؤيته؛ فالتطور يكون بترابط العلاقات الدينية والاجتماعية.
في بدايةِ كتابه (شروط النهضة صـ٢٠) كلمة تستحق الوقفة، وهي: ”من عادةِ التاريخ ألا يلتفت إلى الأمم التي تغط في نومها، وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا، وتزعجها حينا آخر؛ تطربها إذ ترى في منامِها أبطالها الخالدين وقد أدوا رسالتهم، وتزعجها حينما تدخل صاغرة في سلطة جبارٍ عنيد”.
ويقول ابن نبي لمن يستهين في الكلمة: ”إن الكلمة لمن روح القدس، إنها تسهم إلى حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعية، فهي ذات وقع في ضمير الفرد شديد، إذ تدخل إلى سويداء قلبه فتستقر معانيها فيه لتحوله إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة”.
وخذوا بل احفظوا هذا القول منه رحمه الله: ”وليس ينجوا شعب من الاستعمارِ وأجناده، إلا إذا نجت نفسه من أن تتسع لذلّ مستعمر، وتخلّصت من تلك الروح التي تؤهله للاستعمار”. ومن جميل ما أورده قول أحد المصلحين: ”أخرجوا المستعمِر من أنفسكم يخرج من أرضكم”.
وتعجبني كلمة في كتابه (شروط النهضة): ”وإنها لشرعة السماء: غيِّر نفسك تُغيِّر التاريخ!”. وتأمل قوله في (صـ٣٣) من ذات الكتاب: ”وكانت الأمة تقدم تضحياتها لبناء المدارس «والمساجد» من أجلِ البعث الفِكري والبعث الروحي، اللذين هما عماد كل حضارة في سيرها الحثيث”.
واقرأ قوله في [شروط النهضة صـ٣٦] : ”ألا قاتل الله الجهل، الجهل الذي يلبسه أصحابه ثوب العلم؛ فإن هذا النوع أخطر على المجتمعِ من جهل العوام، لأن جهل العوام بين ظاهر يسهل علاجه، أما الأول فهو متخفٍّ في غرور المتعلمين”.
وفي (صـ٨٤) من ذات الكتاب: ”والحقيقة أننا قبل خمسين عاما كنا نعرف مرضاً واحدًا يمكن علاجه، هو الجهل والأمِّية، ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضًا جديدا مستعصيا هو «التعالم!»“.
في انطلاقِ الحضارة ليس أمامنا إلا هذه العوامل: الإنسان، التراب، الوقت. ولكنها لن تتحرك إلا برابعٍ يمزجها فيكوّن الحضارة، وهو ”الفكرة الدينية”. لذلك نجد مفكرنا يقول: ”فالحضارة لا تنبعث -كما هو ملحوظ- إلا بالعقيدة الدينية”. وفي موضع ثان: ”نجد أن الإيمان هو الذي مهد الطريق للحضارة”.
وفي موضعٍ ثالث: ” .. الحضارة تولد مرتين، الأولى: فميلاد الفكرة الدينية، الثانية: تسجيل هذه الفكرة في الأنفس، أي دخولها في أحداث التاريخ”. وفي موضع رابع: ”إن الوسيلة إلى الحضارة متوافرة ما دامت هناك فكرة دينية تؤلف بين العوامل الثلاثة، لتركب منها كتلة تسمى في التاريخ «حضارة»”.
ومن أقوالهِ المخيفة إذا تأملنا زماننا هذا جيّدا، قوله: ”لا يُمكن لنا أن نتصور تاريخاً بلا ثقافة، فالشعب الذي فقد ثقافته قد فقد حتمًا تاريخه!”. ومن توقيعاته البديعة قوله في (وجهة العالم الإسلامي جـ١ صـ٨٠) عن الاستعمار: ”إن الاستعمار هو أفظع تخريب أصاب التاريخ”.
دائمًا نجد الاستعمار بشتى أنواعه وأشكاله يحاول إفساد ممارسات الدِّين أو إعاقتها، ولكن لماذا؟ يقول ابن نبي: ”وما فرض الاستعمار رقابته على الحياة الدينية، إلا لعلمه بأن الدين وحده هو الوسيلة النهائية لتصحيح أخلاق الشعب، الذي فقد في غمار أزمة تاريخيه كل همٍّ أخلاقي!”.
قد لا يعلم كثير من قرّاء مالك بن نبي أنه لم يكن يسعى لأن يكون مفكرًا، يدرس مشكلات الحضارة وعوائق النهضة، بقدرِ ما كان ساعياً لأن يكون «كاتب قصة» كما صرّح بذلك لابنه الروحي عمر كامل مسقاوي -هكذا كان يناديه-، ولكن أبى أن يكون كذلك، «لأنه كان صاحب قضية يدافع عنها».
مالك بن نبي سلخ من حياته أكثر من ثلاثين سنة عاشها في أوروبا ! فتأمل؛ كل هذه المدة قضاها في أرض المُسْتَعْمِر ولم يفقد هُويته واعتزازه بدينه وانتمائه! عاشها دون أن يذوب في الآخر، ليس كحال بعض المثقفين -إن صحّت تسميتي!- يعيش سُنيّات في الغرب فينسلخ كليا لا من هُويته فقط بل من ذاته!
لمالك عبارة شهيرة وهي: ”إن القرن العشرين هو قرن اليهود والدولار والمرأة” فهل ما زال الأمر كذلك؟ أم استجد شيء؟ لا أدري. رحم الله ابن نبي حيث يقول: ”ولدتُ في بلد وفي عصر يدرك بوضوح نصف الذي يُقال، لكن الذي يقول كلمة حول النصف الثاني سوف يُحاكم بكل قسوة!”.
قال في مقدمةِ (وجهة العالم الإسلامي ج٢ المسألة اليهودية) أن هناك نظرة صامتة مؤلمة ترمقه وهو يكتب هذه الصفحات، وهي نظرة والده الذي لا يجد كسرة خبز يواجه بها عجز أيامه! ثم يقول: ”وأنا حينما أخط هذه السطور أضرع إلى الله؛ أن يوفقني لقول الحقيقة كاملة دون تورية ولا تلميح”.
وعن إرادةِ الشعوب قال في (فكرة الإفريقية الآسيوية): ”إن إرادة الشعوب طاقة من طاقات الطبيعة التي تقلب التقديرات، طاقة لا يُمكن أن يقاومها سد، مهما كان متيناً محكما. وإن انتصار إرادة هذه الشعوب على محاولات الكبار لهو قدر حتم من أقدار التاريخ”.
يرى ابن نبي -كما في كتابه تأملات- أن الصعوبات دليل نمو، فيقول: ”يمكن لنا أن نعد الصعوبات أوضح دليل على النهضة واليقظة” وفي موضعٍ آخر: ”ثم إنه بصفةٍ عامة يمكننا عدّ هذه الصعوبات أزمة نمو تعيشها الأمة العربية، وطبيعي أنه ككل نمو لا بدّ له من تعبٍ وألم”.
ذكر مالك بن نبي قصة قصيرة قال عنها: ”ولعلها كانت سببا في اتجاهي الفكري”. ذكر أن له صديق عُرف بالاستقامة والأخلاق النبيلة، وكان يجاهد المُستعمِر.. قال أنه لما زاره في المستشفى وجده متألما ويبدو عليه التجهم، فلما سأله عن السبب قال: ”واحسرتاه إنني لم أعد أصلح للجهاد!”.
حذّرنا من التساهل، وذكر أن التساهل هو الذي جعلهم ينظرون إلى اليهود نظرة احتقار، فلم يقدروا قوتهم، يقول: ”قلنا: حثالة حقيرة، حينما ننفخ عليهم نفخة واحدة يطيرون، ولكنهم للأسف لم يطيروا !” يُكمل: ”فينبغي لنا أن نتخلص من نفسيةِ المستحيل والتساهل، فليس هناك شيء سهل ولا مستحيل”.
الاستعمار يحتاج دائمًا إلى أقلام يكتب بها، وأبواق يتكلم بها، حتى لا يُعرف خطّه ولا صوته عندما يخادع الجماهير الطيبة! سمّاها ابن نبي (الأرَضة) ثم قال: ”وهذا النوع من الحشرات لا ينقطع ما دامت ثقافتنا تفقد المبدأ الأخلاقي المهيمن على سلوكِ المثقفين” فلنحذر من هذه الحشرات المدسوسة.
في رأيهِ أن كل حضارة تهمل الإنسان مآلها السقوط، لذلك نجده يقول: ”الحضارة تنتهي عندما تفقد في شعورها معنى الإنسان”. ويرى أن ضمير المسلم لا بد أن يحوي تقويما جديدا للإنسان، ويُلمح بقوله: ”أي بقدر ما تضع في ضميره قيمته وقيمة الآخرين حتى لا يقع في هاوية العبودية أو هاوية الاستعباد”.
اهتم في مشروعه بالمرأة، وأشار إلى أن مشكلة المرأة ”ليست.. شيئاً نبحثه مُنفردًا عن مُشكلة الرجل، فهُما يُشكلان في حقيقتِهما مُشكلة واحدة، هي مُشكلة الفرد في المُجتمع” وكما قال في (شروط النهضة): ”فالمرأة والرجل يكوّنان الفرد في المجتمعِ: فهيَ شِقُّ الفرد، كما أنّ الرجل شِقه الآخر”.
وهو القائل: ”فالمرأة والرجل قُطبا الإنسانية، ولا معنى لأحدهِما بغيرِ الآخر”. بل أنه قال في كتابه (في مهب المعركة): ”إن تطور المُجتمع يرتبط بتطور المرأة”. ولا زلتُ معجَباً بوصفه للمرأة عندما قال: ”وهي مخزن العواطف الإنسانية!”. وقال في سطرٍ آخر: «مُلهِمة لذوق الجمال وروح الأخلاق».
ختمَ كتابه (فكرة الإفريقية الآسيوية) بقوله: ”ومهمة الحُكم تتطلب أسمى الصفات الأخلاقية، فإن من يريد أن يحكم اليوم يجب أن تكون لديه -أكثر من أي وقت مضى- روح الداعية إلى الخير، وحنان الأب الرحيم”. وآخر سطر في كتابه (فكرة كمنويلث إسلامي): ”الإسلام يظل دائمًا القوة التي لا تُحطم”.
وقال في آخر الفصل المسمّى (في حديقة الثقافة) من كتاب «في مهبِّ المعركة» : ”من الممكن أن يرى أحد القراء اعوجاجاً فيما أكتب، وأن يتفضل بتوجيه نقده لي، فمرحبا بهذا النقد وشكراً لصاحبه ما دام واضحاً في مبرراتهِ وبرهانه حتى أستفيد منه، لا مجرد قول تمليه وتصحبه العاطفة”.
ويقول رحمه الله: ”وفيما يخصني فإنني كنت دائما حريصا على أن أقدم للقارئ ما يمكن من الوضوح، حتى أمكّنه من أداء واجب النقد، إن رأى لذلك مسوغا”. ويُكمل: ”ويبقى أن النقد يجب ألا يكون موقف عداء يتبادل فيه خصمان الشتم والضرب.. بالأقلام والجمل.. بل موقفا فكريا يتبادل فيه اثنان آراءهما”.
يُحذر ابن نبي في كتابه (ميلاد مجتمع) من «المرض الاجتماعي» الذي يجعل المجتمع عاجزًا عن القيامِ بالنشاط المشترك بصورةٍ فعالة، هذا إذا ارتخى التوتر في خيوط شبكة العلاقات، أما إذا تفككت نهائياً، فيقول: ”فذلك إيذان بهلاك المجتمع، وحينئذ لا يبقى منه غير ذكرى مدفونة في كُتب التاريخ!”.
من المهم -قبل الختام- أن أتحفكم بهاتين الورقتين مِن كتاب «الماجَرَيات صـ١٣٦-١٣٧» لإبراهيم السكران -فرّج الله عنه-، قالَ وهو يتحدث عن مالك بن نبي:
أختم بمعلومة لطيفة عنه؛ أنه لم يتعلم اللغة العربية إلا بعد الـ٥٠ من عمره! لذلك نجده يقول في التنبيه الذي أورده في بداية كتابه (الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة ١٩٦٠م): ”هذه أول محاولة للمؤلف في الكتابة باللغة العربية مباشرة، فشأنها شأن كل محاولة؛ لا يمكنها أن تكون مرضية”.
ومن الطرائفِ ما ذكره عبدالسلام الهرّاس، أن مالك بن نبي أراد أن يترجم (شروط النهضة) بنفسه! يقول الهرّاس: ”كان مالك قد قام بترجمة بسيطة للكتاب لكنها كادت تكون بلغة غير عربية، وكنا أحيانا نعلّق ببعض النكت عليها، فلا يسع أستاذنا مالك إلا الضحك مع رفع اليدين قائلا: هذا مبلغ علمي!”.
• المصادر •
بحث د. إبراهيم رضا عن ابن نبي، وهو في آخر كتاب «رحابة الإنسانية والإيمان» للمسيري. كتاب «مالك بن نبي .. حياته وفكره» للعويسي. كتاب «في صحبة مالك بن نبي» لعمر مسقاوي. و٤٠٪ من قراءتي الخاصة لمؤلفاته رحمة الله عليه. من أراد الاستزادة فليرجع إلى ما أشرتُ إليه من الكتب.
• خاتمة •
أشعر بالحسرة والله؛ عندما أتأمل إنتاج مالك بن نبي -وأمثاله- ولا أجد ذلك الاهتمام الكبير به. إذا أردت أن تعرف عبقرية المفكر وعمق أطروحاته تأمل عمرها. عندما تقرأ لابن نبي تجد أن أفكاره التي كتبها قبل ٦٠ سنة لا زالت حيّة في ريعان شبابها، وهذا دليل قوة العقل الذي أنتجها.
إهمالنا للمفكرين -نحن العرب للأسف- هو سبب تخلّفنا. سيغضب القارئ، ويظن هذا القول من قبيل جلد الذات، وللأسف خلف كلمة (جلد الذات) تختبئ الهزيمة والكسل! نهتم بالممثل والراقص ولاعب الكُرة.. ولكن المفكر يُهمل، وإن لم يُهمل، يضيّق عليه حتى تكلّ أقلامه وتذوب أفكاره لفساد البيئة الولّادة.
المُفكرون هم الأساس الذي تبني عليه الحضارة صَرْحها الشامخ. لن تنهض الدول بدونهم. مالك بن نبي يَعنيهم عندما يشير -في كتبه- إلى (عالم الأفكار) المُنتج لـ(عالم الأشياء). وتحضرني كلمة لبيغوڤيتش قالها عام ١٩٧٢م وهي: ”تُشكل الثروة مع الفكرِ أُسس النهضة، ولكن الثروة بلا فكر هلاك مُحقق”.
إلى متى سنظل نُردِّد قول الشاعر:
المرءُ ما دامَ حيّاً يُستهان بهِ
ويعظُم الرزء فيهِ حين يُفتقدُ!
ولعلّه من المُناسِب أن أذكر المثل الجزائري الذي سمعتهُ قريباً، يقول: «عِندما كانَ حيّاً كانَ يشتاق إلى تمرة، وعِندما مات غرسوا نخلةً قُرب قبره!».
أعلم أن هذه السِّلسلة طويلة جدا، وأعتذر لهذا، فقد كان هدفي؛ أن يُلم من يقرأ التغريدات بحياة مالك، وتتضح له أفكاره، ويظهر له معدن شخصيته، حتى وإن لم يفتح -أو يقرأ- كتابا واحدا له. أرجو أن أكون قد وُفقت لنيل هذا الهدف. ثم إنه مالك بن نبي فاعذروني.❤️
”سأعود بعد ثلاثين سنة!”. هذا ما قاله ابن نبي لزوجته وهو على فِراش الموت، ثم رحلَ بصمت عن هذا العالَم. تذكروا قوله دائمًا: ”الأُمم التي لا تقرأ تموت قبل أوانها”. ولعلّي أختم بقول ابنته إيمان: ”كانَ والدي يُكثر من ترديد هذا الدُّعاء: «اللهم أعطِنا الصبر والتقوى»”.
والسلام.

جاري تحميل الاقتراحات...