فُصلت في الترم الأول من مدرستي المتوسطة بعد تلفظي على معلم اللغة الإنجليزية بأبشع وأقبح كلامٍ يُقال.
ذهبت إلى مدرسة أخرى لتحفيظ القرآن الكريم، وإن أول مايطرأ في بالك بعد أن تقرأ أنها مدرسة لتحفيظ القرآن أن الطلاب سيكونون كالملائكة لايرفعون رؤوسهم عن مصافحهم كأن على رؤوسهم الطير.
ذهبت إلى مدرسة أخرى لتحفيظ القرآن الكريم، وإن أول مايطرأ في بالك بعد أن تقرأ أنها مدرسة لتحفيظ القرآن أن الطلاب سيكونون كالملائكة لايرفعون رؤوسهم عن مصافحهم كأن على رؤوسهم الطير.
ولكن كل ذلك كاذب وماهيَ إلا صورةٌ نمطية وهمية، لو لم يبقى على وجه الأرض إلا أهل تلك المدرسة لقامت عليهم الساعة؛ شِرار الخلق.
كنا كمنافقين يثرب قديمًا، هم يقولون آمنا بالله صباحًا ويكفرون بهِ ليلًا، ونحن نقرأ القرآن في الحصة الأولى وندخن في الفسحة.
كنا كمنافقين يثرب قديمًا، هم يقولون آمنا بالله صباحًا ويكفرون بهِ ليلًا، ونحن نقرأ القرآن في الحصة الأولى وندخن في الفسحة.
في الصف الثالث متوسط تركنا نفاقنا المبطّن وأصبحنا علنًا من كفار قريش، كان دخول المعلمين إلى الفصل يشبه تمامًا دخولهم إلى سوق الغنم، يدخل المعلم إلى الفصل ويختار ضحيّته عشوائيًا ثم يضحي بها لإخافة باقي الغنم.
كان هناك طالب اسمه "هادي"، هذا الشخص من عائلة حضريّة، لكن نزَع الله كل مافي قلبه من حضارة، يُفترض أنه في الصف الثالث ثانوي لكنه في كل مرحلة يعيد المرحلة، كان فاسدًا مُفسدًا، كان الشيطان الرجيم المطرود من الجنة شخصيًا يوسوس له، يستنشق الدخان كما يستنشق البشر الأوكسجين.
وكنت أنا نائبه، أجلس بجانبه في آخر الفصل، كنت أشبه جدًا الدعايات التي كانت تُنشر للتحذير من عدم تطعيم الأطفال بإبرة الحمّى الشوكية، جلدٌ على عظم، أسود اللون تحت عينايَ سوادٌ هائل مكتوبٌ على جبيني "فاسد" يقرأها كل مدرّس يدخل الفصل.
وكان هناك طالب اسمه "لطيف" وأتوقع والله أعلم أنه كان لديه ضمور في الناقلات التفكيرية، كانت لعبته المفضلة تشغيل المروحة على أقوى نمرة ثم يرمي النعال عليها ليطير النعل في أي جهة عشوائية، والطالب الذي يضربه النعل مهزوم.
كنت أفرح إذا صابني النعل، من هناك عرفت توجهاتي المازوخية.
كنت أفرح إذا صابني النعل، من هناك عرفت توجهاتي المازوخية.
حتى أن مطوّع الفصل الوحيد "أنوار الحق" -وهو اسمه الحقيقي- قد فَسَد وأصبح يراقب لنا السيب، لكنه بقيَ منافقًا مُبطنًا حبه لكفار قريش مُظهرًا لإيمانه.
كنا خالين من الإنسانية والرحمة، دخلت قطّة إلى المدرسة بالخطأ، ولحق بها لطيف حتى اصطادها، وعجِز عن التفكير فيكا سيفعل بها، ثم قرّر أن يطور لعبته المفضلة من رمي النعال على المروحة إلى رمي القطط.
ولكن الكتب الله الحياة للقطة ودخل مدرس التاريخ وحوّلنا إلى مدير المدرسة وأنقذ القطة.
ولكن الكتب الله الحياة للقطة ودخل مدرس التاريخ وحوّلنا إلى مدير المدرسة وأنقذ القطة.
كان والدي يعمل في السلك العسكري، أتى مرةً إلى المدرسة ببدلته العسكرية وأنا في وسط مضاربة، فضربني وأركبني السيارة أمام الطلاب، فانتشرت شائعة في المدرسة أن الشرطة أمسكت بي وأودعتني السجن.
لمّا عدت إلى المدرسة اليوم التالي قلت لهم أني هربت من السجن لأحضر للمدرسة وعائدٌ له بعد الظهر.
كنت أسطورة المدرسة ذلك اليوم.
كنت أسطورة المدرسة ذلك اليوم.
تخرّجت من المتوسطة وكان بيني وبين كفّار قريش اتفاقات تمّت بواسطة التلفون الثابت أن نذهب جميعًا لأحد المدارس لنُكمل كُفرنا.
ولكن والدي قد ضاق بي ذرعًا فقرّر دون علمي تسجيلي في أفخم مدرسة خاصة في مدينتنا لأتغيّر وأعود راشدًا عاقلًا كما عهدني.
ولكن والدي قد ضاق بي ذرعًا فقرّر دون علمي تسجيلي في أفخم مدرسة خاصة في مدينتنا لأتغيّر وأعود راشدًا عاقلًا كما عهدني.
دخلت تلك المدرسة الخاصة وكان إحساسي في أول يوم أني كيس نفايات يمشي على قدميه في المدرسة، كان شكلي حرفيًا كافرًا من كفار قريش، كنت أشبه سعد خضر في مسلسل لورانس العرب وجميع الطلاب ميساء مغربي.
الجميع كان لونهم أبيض الجميع لطيفون متعطّرون نظيفي الثياب والشكل كاشفي الرأس.
الجميع كان لونهم أبيض الجميع لطيفون متعطّرون نظيفي الثياب والشكل كاشفي الرأس.
كان ثوبي يابسًا وواقفًا كأنه طبقة من كرتون، كان معي سجّادة ألفّ بها دفتري الوحيد الذي لم أكتب به شيء من الصف الأول متوسط، وأضع شماغي متلثمًا به، كنت كثير الفقشات والفتحات في الرأس والجبين.
كانت أمي تقرأ علي الأذكار المحصّنة من العين وأنا ذاهب إلى تلك المدرسة.
ههههه
ههههه
كان هناك طالب اسمه خالد طويل الشعر أبيض اللون ورديّ الشفتان والخد يضع كريمات ولا يمشي إلا بمنديل معطر، كنت أتساءل دائمًا إن كان هو هكذا فكيف هي أخته!! أحببت أخته قبل أن أراها أو أعرف اسمها أو حتى قبل أن أعرف إن كان له أختٌ أم لا، كنت أحبها فقط.
كان بيتهم مجاورًا لبيت خالي، كنّا نلعب معهم كورة دائمًا وإذا هزمونا ضربتهم، حتى كرهوا الفوز علينا واللعب معنا.
أتى خالد وشقّ صفوف المدرسة وسلّم عليّ وبعد أن صافحني أخرج منديله المعطر ومسح به يده، ثم سألني بالحرف: ايش جايبك هنا؟
فجاوبته بالحرف: والله مادري.
ثم ذهب وتركني.
أتى خالد وشقّ صفوف المدرسة وسلّم عليّ وبعد أن صافحني أخرج منديله المعطر ومسح به يده، ثم سألني بالحرف: ايش جايبك هنا؟
فجاوبته بالحرف: والله مادري.
ثم ذهب وتركني.
كان المدرسين من أرض مصر الحبيبة، والطلاب حضر ولا وجود لكفار قريش ومعاتيه وأناس مصابين باعتلالات نفسية وتخلفات ذهنية.
مدير المدرسة المتوسطة حلف بالله لنا أن لن نُفلح في حياتنا.
مرّت السنين وسألت عن كفار قريش القُدامى، أصبح هادي مؤذنًا في الحرم النبوي، ولطيف مُعيدًا في أحد الجامعات، وأنا تخرجت من الجامعة بمرتبة الشرف وأحضّر الماجستير في الهندسة.
فلا تبتئس أيها الأب المكلوم بإبنك، سيُزهرها الله.
مرّت السنين وسألت عن كفار قريش القُدامى، أصبح هادي مؤذنًا في الحرم النبوي، ولطيف مُعيدًا في أحد الجامعات، وأنا تخرجت من الجامعة بمرتبة الشرف وأحضّر الماجستير في الهندسة.
فلا تبتئس أيها الأب المكلوم بإبنك، سيُزهرها الله.
جاري تحميل الاقتراحات...