13 تغريدة 73 قراءة Jan 24, 2020
قبل عشرين عام كان لدينا جمس موديل 88، أحمر اللون ويقطعه من المنتصف خطٌ أسود، كانت الجموس منتشرة في ذلك الوقت، لكن لم يكن لجمسنا شبيه، كنت - من عَظَمَته - أراه خلقًا إلهيًا، البشر لا يستطيعون أن يخلقوا مثل ذلك، كنت أحسبه موجود من العهد الجاهلي وتناقلته الأجيال حتى وصل إلينا.
وكل ماذُكرت قصة أبرهة الحبشيّ الذي أراد هدم الكعبة وجيوشه خلفه وهو محمولٌ على عرينه كنت أتخيل أبرهة راكب جمسنا ويسوقه ومتجه رأسًا إلى الكعبة ليصدمها وتنهدم، ولا أدري لهذا اليوم لماذا كنت أرى أبرهة الحبشي أقوى واحد في التاريخ.
ورغم أن جمسنا في عالم السيارات أسد وكل السيارات بجانبه أرانب، إلا أن والدي كان ينظر إليه أنه قطة شيرازية بيضاء زرقاء العينين متربية عند فتاة، كان يحبه حبًا جمًا ولا يرضى أن يقوده أحد ولا حتى هو يقوده إلا إذا كنا مسافرين الجنوب، فإذا أردنا السفر إلى الجنوب، كشّر والدي عن أنيابه.
وأصبح يراه فيل ماموث منقرض يحمل على ظهره كل شيء وأي شيء، نضع على ظهره شناطًا وكراتينًا وأطفالًا صغارًا، ثم تبدأ الهجرة.
مكيفات الجمس شغالة تمامًا ولم تشتكي يومًا، لكن من كثرة البشر داخل تلك الدابّة فإن هواء المكيف لا يصلك فتختنق تحت الأنقاض.
كنا لا نصل إلى الجنوب كاملين، يتوفّى منّا اثنين أو ثلاثة في الطريق بسبب حالات الإختناق، وكنا نحتسب ذلك عند الله، فأشكالنا ونحن مستضعفون بدون هواء ولا ماء ولا أكل مثل أشكال الصحابة وهم ذاهبون إلى الحبشة في الهجرة الأولى، اللهم لا تحرمنا الأجر.
ورغم أن هواء المكيف لم يستطع الوصول لنا وهو ليس له كتلة ولا وحجم، وعقال والدي الذي له كتلةٌ وحجم استطاع كسر القوانين الفيزيائية واخترق كل شي ووصل لنا، لا أتوقع أنه كان كسرًا للقوانين الفيزيائية بقدر ماهو أن الجميع يهرب إلى الجهة الأخرى البعيدة عن العقال
حتى يصبح ضغط الجمس كله على الجهة تلك وتظن أنه سيمشي على كفرين، ولكن العقال يوازن الجهة التي هرب منها البشر.
وعلى طاري العقال فإن والدي كان يشتري لنا ايسكريم من السيارات اللي في الخط ثم لا تمضي خمس دقايق إلا وجنّب مرة أخرى ونزل علينا بالعقال عشان الاسكريم ساح وطاح على مقعدة الجمس.
وليس لهذا السبب فقط يجنّب والدي وينزل علينا، كنا نجنّب لأسباب كثيرة، مرة نتضارب أنا وأختي، ومرة يتخاصم هو ووالدتي فيرجع إلينا بدلًا عنها، ومرة عشان كنت حشران وقلت أبغى أشخ رغم أنّا قبل خمس دقايق كنا في محطة وقلت ما أبغى الحمّام فنزل لي بالعقال وأطلق عليّ لقب الشخّة في تلك السفرة.
كان المسجل في الطريق يصدح بصوت الشيخ الحذيفي لطرد الشياطين من السيارة ولتهدئة النفوس لكن أظن شياطيننا والله العالم شياطينٌ مسلمة تكثُر حول القرآن وداخل سيارتنا، والنفوس مشحونة طول الطريق والقلوب بالغةٌ الحناجر ومازال صوت الحذيفي يصدح وعقال والدي يلعب.
نصل إلى الطائف ونتوقف عند مطعم اسمه "الرمانة" وأتوقع ذلك المطعم يدخّل أرباح سنته كاملة مِنّا، كأننا مقبلون على مجاعة ونقصٍ في الأموال والأولاد والثمرات، فنأخذ من عنده مايكفي قبائل الجنوب مجتمعة، ثم نكمل طريقنا إلى قريتنا الوديعة، ذلك كله والجمس مثل الأسد يزأر لم يصبه شيء.
وفي عام 2005 قرّر والدي بيع مدرّعة أبرهة الحبشي وباعها لرجل أفغاني يعمل في البناء و أظنه اشتراه ليحمل له العمائر التي يعمل بها ويعود بها إلى منزله ليُكمل عمله عليها، واشترينا جمسًا آخر جديدًا بقراطيسه من الوكالة.
كان انتقالةً نوعية لكل العائلة، كان ناعمًا وقطةً شيرازية فعلًا.
يحملنا بهدوء وسكينة في أحشائه ويبعث فينا الطمأنينة حتى أن والدي أصبح لا يغضب ولا يستخدم عقاله ويشتري لنا اسكريم شوكولاتة بعد أن كان يرفض إلا أن نشتري اسكريم فانيليا وأصبحنا نصل كاملين إلى الديرة بدون وفيّات، وتركنا الشيخ الحذيفي وأصبحنا نشغل ماهر المعيقلي.
كل شيء تغير فينا جذريًا أصبحنا أسرةً سعيدة منتجة في المجتمع ومتكاتفة ونحب بعضنا ووالدي أصبح فخورًا بنا.
ذلك كله لم يمنع أنّي مازلت أحنّ لبعيرنا القديم.

جاري تحميل الاقتراحات...