فأثناء تناولك حبات البوشار، وبعد أن ارتخيت في مقعدك وشارف العرض نهايته، إذا باللذيذ يسحبك من ذراعك ويتسلل بك إلى الكواليس رغم شتائم النبطشي، لترى فنانك أو فنانتك في غرفتهما الخلفية وقد تخففا من الرياش وأزالا المساحيق، فإذا هما يرزحان تحت وطأة المرض أو العوز أو النقص مثلك تمامًا.
ها هنا رسالة دافئة لا تخلو من حكمة، فكل واحد من هؤلاء الفنانين جعل نفسه أيقونةً تتلألأ رغم ما ينخر جوفها من مرضٍ أو عوز، فلا تريك إلا بريقها، إذ ليس بوسع الجوهرة إلا أن تلمعَ أثناء العرض. وهنا تأتي الرسالة الدافئة الحكيمة: إنهم يتلألون ليس على الرغم من مرضهم، وإنما بسببه تحديدًا.
أنا مفتون بفن عبد الله اللذيذ، وأعلم يقينًا أنه سيصبح عَلَمًا في مجاله، شأنه شأن الفنانين الذين رسمهم وقرأ عنهم وترجم معاناتهم بدقة عالم حشراتٍ وشغف مجذوب، ولو طُلب مني أن أختار سمةً واحدةً تميّز فنه لاخترت انتباهه الحاد للتفاصيل. ولكي أثبت لك ذلك سأستعرض معك عددًا من لوحاته.
فتدرك أنّ هذا المشهد يرمز للحظة ولادة أول قصيدة تفعيلةٍ في الأدب العربي. كانت نازك في عنفوان صباها، سمعت المذياع يتحدث عن الكوليرا في مصر وما نتج عنها من آلاف الوفيات، فتحرّكت روحها، وكتبت قصيدةً ذات شكل غريب يتباين فيها طول الأشطر، وكانت تختم كل مقطع بترداد: الموتُ الموتُ الموت.
هناك خلافٌ شهير حول أول من كتب قصيدة التفعيلة: أهو السيّاب، أم باكثير، أم الشرقاوي، أم لويس عوض، أم نازك؟ لكنّ شاعرتنا تميّزت عن هؤلاء بتأصيلها النقدي ووعيها الحاد بقضايا الهيكل وشكل القصيدة، مما جعل كثيرين يهبونها قصب السبق، ومن قرأ كتابها "قضايا الشعر المعاصر" يدرك ذلك.
لكنّ أكثر ما يميزها قطرات المطر التي ما زالت تسّاقطُ فتكسر صفحة الماء على الأرض وتكسرها في نفوسنا، لينتج عنها مزيجٌ من الألم والأمل، والربيع والشتاء، لقد تغيّر مفهومنا للمطر مذ عرفنا السيّاب، فأصبحت لحظة سقوط الدمع مرادفةً لميلاد القصيدة، وأصبح الشتاء البارد مقدمةً لربيع دافئ.
تغلقُ عينيك فَزِعًا إذ لا تريد أن تتخيّلَ ماذا كان سيحل بهذا الوجه المليحِ القسمات لو أنها استسلمت لعقدها الخاصة وهواجسها، وتنقم على عيادات التجميل، وشركات التزيين، ومكائن الأعلام، كيف غذّت هذه المخاوف والعُقد في النساء لا لشيء إلا لتدور عجلة المال والأرباح.
تبدو سكارليت قويةً صلبةً أرستقراطية الملامح، بينما تبدو بلانش مذعورةً هشّة سوقيّة القسمات، سعت ڤيڤيان جاهدةً للحصول على الدورين، لكنّ دور بلانش دوبوا بالذات أتلف أعصابها، إذ كيف لممثلةٍ مصابة باضطراب ثنائي القطب Bipolar Disorder أن تمثّل دورًا مصابًا بنفس العلّة دون أن تضطرب؟
تكتشف بعد شيء من البحث أنّ مايكل آنجلو كان مصابًا بطيفٍ من أطياف التوحد يُدعى متلازمة أسبيرجر Asperger’s ، تكتشف أيضًا أنّ قطعة البازل رمزٌ عالمي لمرض التوحد. تفهم حينها كيف قضى مايكل آنجلو أربع سنواتٍ يشتغل وحيدًا على سقف السيستين. هل رأيت كيف يعبّر عبد الله بعبقرية عن أفكاره؟
لا أريد أن أطيل، فالرزنامة تمتلئ باثنتين وخمسين لوحة، عدّة ما في السنة من أسابيع، وكل لوحة تمتلئ بتفاصيلَ وقصصٍ تدفعك دفعًا كي تتأملها وتقرأ حولها. إنه عمل يحتفي بالفنون جميعًا، وقد تتداخل الفنون في لوحة فترى صرصار كافكا يقتحم مرسم دالي، أو آجاثا كريستي تحقق في وفاة سعاد حسني!
ليس هذا وحسب، بل إنّ صفحات الرزنامة يمكن أن تتداخل؛ فترى منديل أم كلثوم يمتد في الصفحة التالية ليتحول دثارًا يختبئ تحته تشارلز ديكنز، أو ترى ناب الفيل في لوحة فريدا يشقّ طريقه حتى يكسر فضاء الصفحة في لوحة تشايكوفسكي، أو ترى حساء الطماطم في لوحة آندي وورهول يُستخدم خمرًا مزيفًة =
قلتُ في نفسي: لا بدّ أنها لوحة أصلية من كواليس! ربما تكون ڤيڤيان لي! لقد سمعني أطريها مرارًا! رجعت إلى بيتي أتحرّق شوقًا، وعندما فتحتها شعرت بالخيبة للوهلة الأولى، إذ شتّان ما بين وجه ڤيڤيان الصبوح ووجهي النكِد. لكن عندما وقعت عيني على صندوق الموسيقى ابتسمت وفهمت.
عجيبٌ كيف تعلقُ قصةٌ عابرة في عقل اللذيذ! حكيت له في أول لقاءٍ جمعنا عن صندوق موسيقى فتحته قبل عشر سنوات في لوسيرن. كنتُ حديث عهدٍ بالزواج، وكنا نتنقّل أنا وزوجتي بين مدن سويسرا. ولأني كنت غرًا قليل التجربة لم أراجع أحوال الطقس، فصادف وصولنا لوسيرن عاصفةً مطريةً هائلة.
خرجنا من المحطّة نركض تحت المطر، وقد اكفهرّ الجو، وأُقفلت المحلّات، ولجأ الناس إلى بيوتهم، وفي نصف طريقنا صادفنا محلًا يبيع صناديق الموسيقى الخشبيّة المحفورة وكان بابه مفتوحًا، فدخلنا نحتمي به. تصنعنا الاهتمام بالصناديق، وطفقنا نفتحها ونستمع إلى الموسيقى التي تنبعث منها.
لاحظنا أنّ صاحبة المحل ترمقنا شزرًا، وفي ذهنها أنها تحتاج أن تعبئ كل هذه الصناديق بعد أن نخرج. كان هناك صندوق بين الصناديق ذو لحنٍ خلّابٍ بارع، ما عدتُ أذكره، لكنني أذكر سحره، وما زلتُ نادما على عدم شرائه. عندما ألتفتُ إلى الوراء، إلى تلك الأزمان الفائتة الجميلة، أتذكر ذلك اللحن.
سألني عبد الله مؤخرًا: لماذا لا تفتش عن ذلك المحل؟ أجبت: حتى لو اهتديت إليه، كيف سأعثر على ذلك الصندوق ذي اللحن الشجيّ بين مئات الصناديق والألحان؟ ولو افترضنا أنني ابتعته قبل عشر سنوات، ألن يفقد شيئًا من معناه وسحره؟ يا لغرارتي! ما كنتُ أعلم يومها أنه يخفي هذه اللوحة في جرابه!
جاري تحميل الاقتراحات...