عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

29 تغريدة 26 قراءة Apr 12, 2023
هل تعلم أنّ بيكاسو عانى من عسر القراءة؟ ومايكل آنجلو ابتُلي بأحد أطياف التوحّد؟ وڤيڤيان لي صارعت اضطراب ثنائي القطب؟ وإدغار آلان بو تهالك على الخمرة؟ سوف تشعر وأنت تتصفح هذه الرزنامة أنك في عرض مسرحي تلاقي فيه فنانك المفضل، لكن كأيّ شيء يصنعه عبد الله اللذيذ هناك مفاجأة تنتظرك.
فأثناء تناولك حبات البوشار، وبعد أن ارتخيت في مقعدك وشارف العرض نهايته، إذا باللذيذ يسحبك من ذراعك ويتسلل بك إلى الكواليس رغم شتائم النبطشي، لترى فنانك أو فنانتك في غرفتهما الخلفية وقد تخففا من الرياش وأزالا المساحيق، فإذا هما يرزحان تحت وطأة المرض أو العوز أو النقص مثلك تمامًا.
ها هنا رسالة دافئة لا تخلو من حكمة، فكل واحد من هؤلاء الفنانين جعل نفسه أيقونةً تتلألأ رغم ما ينخر جوفها من مرضٍ أو عوز، فلا تريك إلا بريقها، إذ ليس بوسع الجوهرة إلا أن تلمعَ أثناء العرض. وهنا تأتي الرسالة الدافئة الحكيمة: إنهم يتلألون ليس على الرغم من مرضهم، وإنما بسببه تحديدًا.
أنا مفتون بفن عبد الله اللذيذ، وأعلم يقينًا أنه سيصبح عَلَمًا في مجاله، شأنه شأن الفنانين الذين رسمهم وقرأ عنهم وترجم معاناتهم بدقة عالم حشراتٍ وشغف مجذوب، ولو طُلب مني أن أختار سمةً واحدةً تميّز فنه لاخترت انتباهه الحاد للتفاصيل. ولكي أثبت لك ذلك سأستعرض معك عددًا من لوحاته.
لا تحتاج إلى بورتريه إدغار آلان بو كي تعلم أنّ هذه اللوحة تخصّه، فالقط يذكرّك بقصته "القط الأسود"، والغراب يحيلك إلى قصيدته الشهيرة بنفس الاسم، والنافذة المتهالكة منفتحة على هاويةٍ سوداءَ تصلح روحًا لانهائية الألم. لكن حذارِ أن تُخدع بالظواهر وتصبح مثل العربيد بو =
فلو حدّقت مليًا لاتضحّ لك أنّ ما حسبته غرابًا لا يعدو أن يكون شظيةً مهشّمةً من زجاج النافذة، وأنّ كلا العينين الصفراوين تنتميان إلى نفس القط، وهكذا يصبح الغراب محض وسواس ووهم، وهذا بالضبط ما تحاول قصيدة "الغراب" قوله، فلله درّ فناننا كيف عبّر عنها بهذه الفصاحة!
هذه اللوحة تجمع وجهين مألوفين لا تدري كيف توفّق بينهما: نازك الملائكة، والموت كما تخيّله بيرجمان في "الختم السابع". وجه نازك مألوف، لكن جسدها الطفولي يصيبك بالربكة. لا بدّ أنّ اللوحة تتناول مرحلةً مبكرةً من حياتها! ثم ما قصة المذياع ومزاقات الورق المرمية؟ تقرأ الاقتباس =
فتدرك أنّ هذا المشهد يرمز للحظة ولادة أول قصيدة تفعيلةٍ في الأدب العربي. كانت نازك في عنفوان صباها، سمعت المذياع يتحدث عن الكوليرا في مصر وما نتج عنها من آلاف الوفيات، فتحرّكت روحها، وكتبت قصيدةً ذات شكل غريب يتباين فيها طول الأشطر، وكانت تختم كل مقطع بترداد: الموتُ الموتُ الموت.
هناك خلافٌ شهير حول أول من كتب قصيدة التفعيلة: أهو السيّاب، أم باكثير، أم الشرقاوي، أم لويس عوض، أم نازك؟ لكنّ شاعرتنا تميّزت عن هؤلاء بتأصيلها النقدي ووعيها الحاد بقضايا الهيكل وشكل القصيدة، مما جعل كثيرين يهبونها قصب السبق، ومن قرأ كتابها "قضايا الشعر المعاصر" يدرك ذلك.
إن كانت نازك أول من كتب التفعيلة فإنّ بدر شاكر السيّاب حلّق بها إلى ذرى غير معهودة، وإن كانت نازك تردد: الموتُ الموتُ الموت، فإنّ السيّاب علمنا نهتفُ: مطر مطر مطر! هذه اللوحة من أحب صفحات الرزنامة إلى قلبي، نرى فيها جذع نخلة، وبركة ماء، ونرى السيّاب منعكسًا فوق ماء البركة =
لكنّ أكثر ما يميزها قطرات المطر التي ما زالت تسّاقطُ فتكسر صفحة الماء على الأرض وتكسرها في نفوسنا، لينتج عنها مزيجٌ من الألم والأمل، والربيع والشتاء، لقد تغيّر مفهومنا للمطر مذ عرفنا السيّاب، فأصبحت لحظة سقوط الدمع مرادفةً لميلاد القصيدة، وأصبح الشتاء البارد مقدمةً لربيع دافئ.
هنا مرآة ينعكس فوقها وجه أودري هيبورن المحبب، لكن العقدة تكمن في الخطوط المتخيّلة لمشرط الجراح حين تتأمل المرأة وجهها وتتساءل: ماذا لو كان أنفي أصغر؟ أو شفتي أكبر؟ أو ذقني أجمل؟ تكتشف أنّ هيبورن -ذات الجمال الأسطوري- كانت تمتلئ بالعُقد وانعدام الثقة حيال شكلها.
تغلقُ عينيك فَزِعًا إذ لا تريد أن تتخيّلَ ماذا كان سيحل بهذا الوجه المليحِ القسمات لو أنها استسلمت لعقدها الخاصة وهواجسها، وتنقم على عيادات التجميل، وشركات التزيين، ومكائن الأعلام، كيف غذّت هذه المخاوف والعُقد في النساء لا لشيء إلا لتدور عجلة المال والأرباح.
هذه تكاد تكون لوحتي المفضلة في كل كواليس. مرآةٌ أو لوحةٌ أخرى تطلّ منها ڤيڤيان لي في دورها الشهير سكارليت أوهارا (ذهب مع الريح)، لكنّ الجانبَ العلويَ الأيمنَ مكسورٌ أو مكشوط لتظهر تحته نفس الممثلة في دورٍ آخرَ متأخر هو بلانش دوپوا (عربة اسمها الرغبة).
تبدو سكارليت قويةً صلبةً أرستقراطية الملامح، بينما تبدو بلانش مذعورةً هشّة سوقيّة القسمات، سعت ڤيڤيان جاهدةً للحصول على الدورين، لكنّ دور بلانش دوبوا بالذات أتلف أعصابها، إذ كيف لممثلةٍ مصابة باضطراب ثنائي القطب Bipolar Disorder أن تمثّل دورًا مصابًا بنفس العلّة دون أن تضطرب؟
أنفر عادةً من الأعمال المفرطة في التجريب، لكني لم أملك إلا أن أصفق أمام هذه المارلين مونرو التي لا يمكن للعين أن تخطئ وقفتها الشهيرة وفستانها الأبيض. عانت مونرو من الاكتئاب طوال حياتها، وقضت منتحرةً -كما هو معروف- بعد تناولها جرعةً مهلكةً من الأقراص المهدئة وعقار الكلورال هيدريت.
ولو أردت أن تفهم هوس عبد الله بالتفاصيل، ودقّته في تنفيذ لوحاته، وتبتّله أمام أعماله، دونك هذه الصورة التي تريك فناننا وهو يصفّ حبوب الأدوية بالملقط، ويحسب المسافات بالمليمتر، وكأنه صيدلي يحاذر تلف وصفته، لا لشيء إلا ليخرج عمله أقرب ما يمكن إلى الكمال.
هذه لوحة وقفت حائرا إزاءها، إلى أن أخبرني عبد الله أنّ دييغو ريفيرا وفريدا كاهلو كانا يُعرفان بين أصحابهما بالفيل والحمامة. فهمت حينها مغزى عمود الحديد في صُلب الحمامة، وتذكرت فيلم "فريدا" وتلك اللحظة المريرة حين تعرّضت كاهلو لحادث باص دقّ صلبها وكسر حوضها فخلّدت ذلك في لوحاتها.
ها هنا جصّ مزوّق يحيط بأطراف اللوحة، وذراعان ممدوتان ما إن تراهما حتى تتذكر كنيسة السيستين، ومايكل آنجلو، وتلك الفريسكو الشهيرة التي صارت رمزا للاتصال الإلهي-البشري. لكن لماذا رسمها عبد الله على شكل قطع البزل Puzzle؟ ولماذا فُقدت القطعة الأهم حيث تتلامس الإصبعان؟
تكتشف بعد شيء من البحث أنّ مايكل آنجلو كان مصابًا بطيفٍ من أطياف التوحد يُدعى متلازمة أسبيرجر Asperger’s ، تكتشف أيضًا أنّ قطعة البازل رمزٌ عالمي لمرض التوحد. تفهم حينها كيف قضى مايكل آنجلو أربع سنواتٍ يشتغل وحيدًا على سقف السيستين. هل رأيت كيف يعبّر عبد الله بعبقرية عن أفكاره؟
لا أريد أن أطيل، فالرزنامة تمتلئ باثنتين وخمسين لوحة، عدّة ما في السنة من أسابيع، وكل لوحة تمتلئ بتفاصيلَ وقصصٍ تدفعك دفعًا كي تتأملها وتقرأ حولها. إنه عمل يحتفي بالفنون جميعًا، وقد تتداخل الفنون في لوحة فترى صرصار كافكا يقتحم مرسم دالي، أو آجاثا كريستي تحقق في وفاة سعاد حسني!
ليس هذا وحسب، بل إنّ صفحات الرزنامة يمكن أن تتداخل؛ فترى منديل أم كلثوم يمتد في الصفحة التالية ليتحول دثارًا يختبئ تحته تشارلز ديكنز، أو ترى ناب الفيل في لوحة فريدا يشقّ طريقه حتى يكسر فضاء الصفحة في لوحة تشايكوفسكي، أو ترى حساء الطماطم في لوحة آندي وورهول يُستخدم خمرًا مزيفًة =
في لوحة العشاء الأخير لدافنشي، ومثل هذا كثير جدًا، وهو من مباهج الرزنامة، إلا أن أكثر هذه التداخلات عبقرية يظهر في النهاية، عندما نعثر على قطعة البازل الناقصة في فريسكو مايكل آنجلو فوق نقطتي التاء المربوطة لكلمة "النهاية"، لنفهم أنّ الاتصال حدث أخيرًا بين الفنان والمتلقي.
أختم بهذه اللوحة، هي ليست من الرزنامة، لكنها مرتبطة في عقلي بها. عرفت اللذيذ أخًا وصديقًا منذ سنتين، زار خلالها الرياض مرتين، في المرة الأولى أهداني لوحة أصلية من عمله "كان يا ما كان"، وفي الثانية ودّعته في المطار فوجدت لوحة أخرى تنتظرني في مقعد السائق، لا أدري متى خالسني ووضعها!
قلتُ في نفسي: لا بدّ أنها لوحة أصلية من كواليس! ربما تكون ڤيڤيان لي! لقد سمعني أطريها مرارًا! رجعت إلى بيتي أتحرّق شوقًا، وعندما فتحتها شعرت بالخيبة للوهلة الأولى، إذ شتّان ما بين وجه ڤيڤيان الصبوح ووجهي النكِد. لكن عندما وقعت عيني على صندوق الموسيقى ابتسمت وفهمت.
عجيبٌ كيف تعلقُ قصةٌ عابرة في عقل اللذيذ! حكيت له في أول لقاءٍ جمعنا عن صندوق موسيقى فتحته قبل عشر سنوات في لوسيرن. كنتُ حديث عهدٍ بالزواج، وكنا نتنقّل أنا وزوجتي بين مدن سويسرا. ولأني كنت غرًا قليل التجربة لم أراجع أحوال الطقس، فصادف وصولنا لوسيرن عاصفةً مطريةً هائلة.
خرجنا من المحطّة نركض تحت المطر، وقد اكفهرّ الجو، وأُقفلت المحلّات، ولجأ الناس إلى بيوتهم، وفي نصف طريقنا صادفنا محلًا يبيع صناديق الموسيقى الخشبيّة المحفورة وكان بابه مفتوحًا، فدخلنا نحتمي به. تصنعنا الاهتمام بالصناديق، وطفقنا نفتحها ونستمع إلى الموسيقى التي تنبعث منها.
لاحظنا أنّ صاحبة المحل ترمقنا شزرًا، وفي ذهنها أنها تحتاج أن تعبئ كل هذه الصناديق بعد أن نخرج. كان هناك صندوق بين الصناديق ذو لحنٍ خلّابٍ بارع، ما عدتُ أذكره، لكنني أذكر سحره، وما زلتُ نادما على عدم شرائه. عندما ألتفتُ إلى الوراء، إلى تلك الأزمان الفائتة الجميلة، أتذكر ذلك اللحن.
سألني عبد الله مؤخرًا: لماذا لا تفتش عن ذلك المحل؟ أجبت: حتى لو اهتديت إليه، كيف سأعثر على ذلك الصندوق ذي اللحن الشجيّ بين مئات الصناديق والألحان؟ ولو افترضنا أنني ابتعته قبل عشر سنوات، ألن يفقد شيئًا من معناه وسحره؟ يا لغرارتي! ما كنتُ أعلم يومها أنه يخفي هذه اللوحة في جرابه!

جاري تحميل الاقتراحات...