بندر الأسمري
بندر الأسمري

@ban408

16 تغريدة 41 قراءة Aug 28, 2019
تأنيث الخطاب
.
في سنوات مضت كانت الفكرة (أية فكرة) قائمة بذاتها، متكئة على استدلاتها، تأتي من مقدمات لتنتهي عند نتائج، وفي هذا كفاية لها لتكون إما صحيحة أو خاطئة أو قابلة للنقاش مع الأخذ منها والرد عليها.
أما الآن فمن الملاحظ أن هناك دخيلٌ على هذا المنهج، وإن كان لا يُعدم وجوده فيما سبق، كمعاون ومساعد لتقبل الأفكار لا كأصلٍ أصيل تقوم عليه الفكرة كما هو الحال عليه الآن، أقصد به أسلوب الخطاب في التعاطي مع الأفكار.
في كثير من المناقشات الواقعية و الافتراضية نلحظ أحيانا فكرة ساذجة متناقضة فوضوية يقبلها الجميع، وعلى ضدها هناك فكرة صحيحة قائمة على السبر والاستدلال والمنطق القويم لا يقبلها هذا الجيل ولا تتفق معها عقلية العصر.
عند عتبات تأنيث الخطاب يكمن السر في رأيي، وإن كنت لا أؤمن بالسبب الواحد. فكرة ساذجة مزخرفة بزخارف الحنان والعطف والتسامح والحب والنعومة واللمسة المثيرة والدغدغة المتغطية والرغبة الحيية تُفتح لها مجالس القلوب لا العقول وتتورك في قناعةٍ راسخة.
فإن كان الإدراك الذكوري يجعل من العقل عملا للقلب في إدراك الأشياء فالإدراك الإنثوي يُخفِّض عمل العقل، العاطفة تكفي وتفيض.
الخطاب الذكوري، تكون فيه المقارعة بين الفكرة والفكرة، بغض النظر عن أسلوب الخطاب، فتتولد نتيجة ناضجة مستوية، أما الخطاب الأنثوي فلا جدال بين الأفكار حتى تتساوى مستويات الخطاب أولا وتتعانق في لطف وحنان ودلال، وإلا فالفكرة منبوذة مهجورة وإن كانت صحيحة.
فمن رأيِّ صواب يحتمل الخطأ إلى رأي نسبي يحتمل النسبية، وهنا يجدر التفريق بين تقبل رأي الآخر وبين نسبية الرأي، فعند التقبل هناك صحيح وخاطئ ونقطة اتفاق، أما مع النسبية فلا صحة ولا خطأ ولا نقطة اتفاق، فكل الأمور مفتوحة،
لاجزم، لا إثبات، لا نفي، لا حقيقة، فإذا اتفقتُ معك فهذا يعني أن هناك حقيقة وأنني قد تخليتُ عن نسبيتي في التعامل مع الأشياء.
قد يقول قائل إن الرفق ما كان في أمر إلا زانه، فأقول هو محبذ كشيء يُزين به الخطاب لا أن يقوم عليه. أما وقد انقلب الميزان فهناك أسباب دعت إلى ذلك:
منها ضعف المحصول المعرفي، فعند العجز عن إقامة فكرة متسقة الأعطاف فالأسهل زخرفتها بلباس أنثوي يسع الجميع ويذيب القلوب.
.
ومنها قِصر النفس في الجدل لقلة البضاعة، فتترك التأويلات مفتوحة للسلامة.
ومنها طغيان مبدأ نسبية الحقيقة، فلا حقيقة في الوجود إلا حقيقة النسبية، ومع تناقضها الواضح إلا أنها الملجأ الوحيد للمتطفل العنيد المتحجر على رأيه متى عدَم الدليل.
ومنها تضخم الخطاب النسوي المعاصر، الكاشف لرغبة أنثوية في الاستقلال عن الرجل والبعد عنه، مما حدا بالرجل إلى الإسراع هرولة اتجاه الأنثى المُستثقِلة باصطناع أسلوب خطاب ناعم، يُقرب الهاجر البعيد، ويُعيد النائي العنيد.
ومنها هذا الضعف العام في النوء بالأحمال، والاشمئزاز من كل قوي متين، فحتى على مستوى الصناعات المادية، فما ضعفت بنيته وسهل استهلاكه كان أكثر شيوعا وتقبلا، مما انعكس على الأفراد في طريقة التعامل، والخطاب والفهم والإدراك.
ومنها ذلك الخطاب المُهول في ذمِ مصطلحات مثل: العنف، الثبات، الثقة، المرجعية، مع تهويل مضاد في مدح مصطلحات التسامح، الانفتاح، التقبل، نسبية الحقيقة. وكلا التطرفين جناية، أفلا يمكن لقليل من التسامح مع مفهوم العنف؟
فكأنك أمام طريقين، إما أن تؤنث خطابك وتتخلى بذلك عن المنهج العقلي المُسدد وتستعجل النتائج في إقامة عش فكري  متهالك، وإما أن تتمسك بالمنهج الذكوري العقلي وتنبذ الميوعة الفكرية فينفر منك الناس في سبيل تحصيل ثمرة ناضجة ولكن بعد حين..
@Rattibha رتبها

جاري تحميل الاقتراحات...