أظنك عرفت من أقصد بمجرد تطلّعك في السحنة الحجرية التي في الصورة، تمثال ما كنت لتميّزه بين باقي التماثيل لولا الظلام المجتمع كجهامٍ أسود حول محجريه. إنّه أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعريّ، الحكيم الشاعر، أصابه الجدريّ في صباه فأعماه، لكنه فتح له بابًا من الإبصار جدّ عجيب.
يقول المعرّي: يا ساهرَ البرقِ أيقظْ راقدَ السَّمُرِ * لعلَّ بالجِزْعِ أعوانًا على السهرِ ؛ وهي قصيدةٌ ذائعة، أظنك قرأتها مرارًا في ديوان شبابه "سقط الزَند"، لكني أريد لك أن تتريّث وتعطيها حقها، فالقصيدة تستحق أن تُصنف ضمن الخيالي والمحموم والجامح، أو ما يُطلق عليه: Fantastique .
تبدأ القصيدة في الظلام، وهو فضاءٌ يليق بشاعرٍ أعمى، ولوحةٌ قماشيّةٌ سوداءُ مثاليّة لما سيتتابع فوقها من خيالاتٍ وصور . ثم يضربُ البرقُ فجأةً ليوقظ غافي النيام المتناثرين في أرجاء الوادي، ويوقظنا معهم، فنرى لأول مرة أشباحًا وصورًا ما كنا لنراها لولا برق أبي العلاء.
يضربُ البرق، فنتبيّن مشهدًا لفتاة أسيرة كما كنا نقرأ في الرومانسيات الأوروبية، لكنّ أميرتنا لم يختطفها تنينٌ كما في ملحمة أورلاندو الهائج Orlando Furioso، ولم يهرب بها فارس كما في أساطير الملك آرثر، وإنما هي أسيرةُ نفسِها، والأصفاد التي تقيدها خلخالاها، وإنها لصورة أبرع وأغرب.
وشاعرنا المنطيق، بدل أن ينقذ فتاته يجبهها بمعضلةٍ منطقية: ويا أسيرةَ حِجليها أرى سَفَهًا * حمْلَ الحُليّ بمن أعيا عن النظرِ ! لا يوجد تنينٌ هنا، لكنّ خُيلاء المرأة وحاجتها الغريزية إلى الزينة ينوبان عن التنين، لذا يسألها: ما حاجتكِ إلى الخلخال إن كنتِ تحرمينا رؤيته؟ إمّا نراه، =
أو تنزعيه، أو نهلك تحت وطأة عُجبك وخيلائك. ثم يخال أنه قسى عليها فيذكر لها سابق أياديها وأيادي طيفها: ما سرتُ إلا وطيفٌ منكِ يصحبني * سُرًى أمامي وتأويبًا على أثري؛ ويالها من صورة! فالطيف حدِبٌ رؤوم، يتقدّمه في الظلام كي يدرأ الخطر عنه، ويتبعه في النهار محاذرًا فراقه جازعًا منه.
ثم يقول: لو حطَّ رحليَ فوق النجمِ رافعهُ * ألفيتُ ثَمَّ خيالًا منكِ منتظري ؛ ولعلّكَ كنت تنسبني إلى الغلو والشطط حين ذكرتُ الأميرة والقيد والتنين، لكن كيف تقول بكهلٍ يسافر بين المجرّات، ويحطّ براحلته فوق نجمة؟ إن لم يكن هذا هو الفانتازي والخيالي والجامح، ما يكون إذن؟
ثمّ يضيف: يودُّ أنّ ظلام الليلِ دام لهُ * وزِيد فيه سوادُ القلبِ والبَصَرِ ؛ وهو معنى حُلو جدًا، يزيد حلاوةً أنّى يممت به. فإن قلت: ماذا يُغني سوادُ البؤبؤِ وماذا تضيفُ حبّة القلبِ إن أُضيفا إلى سواد الليل؛ لن يزيدا عمره إلا دقيقة! تذكّرت أنّ الدقيقةَ نفيسةٌ في حساب العشاق.
وإن قلت: المعريّ أعمى، وسواد البصر في ذهنه ظلامٌ يطولُ ويكبرُ ويفيض حتى يبتلعَ الليل نفسه، وقعت على معنى لا يقل لذةً عن الأول. ثم تجيء خمسة أبيات كان لها أثر حاسم في انتخالي هذه القطعة ووضعي لها بجانب أعمالٍ من نمط أورلاندو الهائج، وقبلاي خان، و Symphonie Fantastique .
سأهذّ الأبيات الخمسة دفعةً واحدة كي تتفاعل معها بمعزلٍ عن تأثيري، ثم سأعلّق عليها بعد أن تفرغ منها. يقولُ المعريّ: كم باتَ حولكِ من ريمٍ وجازيةٍ * يستجديانكِ حُسنَ الدَّلِ والحَوَرِ * فما وهبتِ الذي يعرفن من خِلَقٍ * لكن سمحتِ بما يُنكرنَ من دُررِ =
وما تركتِ بذاتِ الضالِ عاطلةً * من الظباءِ ولا عارٍ من البقرِ * قلّدتِ كلَّ مهاةٍ عِقدَ غانيةٍ * وفُزتِ بالشُكرِ في الآرامِ والعُفُرِ * ورُبَّ ساحبِ وشيٍ من جآذرِها * وكان يرفلُ في ثوبٍ من الوبرِ ؛ قل لي بالله عليك كيف رأيت؟ وأيّ نوعٍ من الصور لاح أمامك؟
إن كنت ممن أفسد درس البلاغة خياله، ستقول: تشبيه واستعارة، ثم ينقطع جهدُك، وتنفرط منّتك، فترى ظباءً كأنّ نحورها الحلي، وترى بقرًا كأنّ جلودها الوشي، لكنّها تظل ظباءً وبقرًا في عينك، وكأنّك حين صنفت الأساليب الوصفية وأعطيتها اسمًا صنعت وجاءً يحميك من وحشيّة الصور وغرابتها.
أما إن كنت ممن أيقظهم ساهرُ البرق، فسترى دغلًا مسحورًا، وشجرًا ملفوفًا، وفتاةً باهرة الجمال، أحاطت بها الظباء وتبعتها البقر، فطفقت توزّع عليها من حليها وجواهرها، وتعلّق العقود حول أعناقها، وتلبسها ألوانًا من الوشي والحلل والمجاسد، فياله من دغل! ويالها من صور!
هكذا أريدك أن تتفاعل مع هذه الفانتازيا الموسيقية: تفقدُ وزنك شيئًا فشيئًا إلى أن تحلّق خلف أبي العلاء وتتبعه وهو يسوق ناقته بين النجوم، وترى صاحبة الخلخال مصفّدةً يحرسها تنين خُيلائها، وتدخل دغلها السحريّ فترى قطعانًا من البقر والظباء ترفل في الدمقس والحرير والعقود والجواهر.
لو كُتبت هذه القصيدة البديعة في لغةٍ أخرى، لغُنيت مرارًا، ولصنعوا أوبرا على وحيها، ولرسموها مراتٍ ومرات، وإنها بحقّ كنزٌ يمتلئ صورًا ويفيضُ ألوانًا. لكننا للأسف نتعامل مع تراثنا بطريقة زاهدة متخشّبة، فلعلّ في بروق أبي العلاء ما يوقظنا من سباتنا وينبت السَمُرَ في وادينا!
جاري تحميل الاقتراحات...