الأنفة وعزة النفس وعدم السكوت على الإهانة ستتبعه من البحرين إلى السعودية عندما سيمتهن مهنة عامل بِنَاء في الخمسينيات. في ذلك الوقت لم تكن معدات البناء قد تطورت كما هي الحال اليوم، وكان العمل اليدويّ هو المهيمن.
وفي وقت "التسقيف" [ردم السقف بالإسمنت أو ما يسمى محليّاً بــ"الصَبَّية"] كان العمال يحملون دلاء الإسمنت ويسكبونها في البقع المرشوشة بالماء. غير أن جدي لم ينتبه وهو يحمل دلوَيْن من هذه الدلاء أن المكان الذي سكب فيه الإسمنت ليس مرشوشا بالماء كفاية.
وتصادف هذا الأمر مع حضور مدير الشركة في ذلك اليوم، والذي نهر جدّي عندما رأى المشهد : "عن أبوك ليش تكت السميت ف مكان ما مرشوش؟"، احمرّ وجه جدي غضبا وردَّ على الفور :"عن أبوك انته وأبو من جابك وأبو من وظفك".
ارتبك رئيس العُمّال (الفورمن) وقال بصوت خفيض محاولاً تنبيه جدي : "لا تغلط على من وظفه لأنه ابن جلوي"، رد عليه جدي بسرعة وبالنبرة الغاضبة نفسها :"زين أنا أريد أشوف بن جلوي كان موظفنه عشان يسبنا ويشتمنا".
هنا بلغ سيل مدير الشركة زُبَاه فقال للفورمن : "أعطه أجرته واطرده على الفور".
هنا بلغ سيل مدير الشركة زُبَاه فقال للفورمن : "أعطه أجرته واطرده على الفور".
تلكأ "الفورمن" الذي يحب جدي ويعرف جديته وتفانيه في العمل، وتأثيره على بقية العمّال : "لكن.. من أين لي بعمّال بنفس قوته وإخلاصه وتفانيه؟!" . هنا أشار المدير إلى أكثر من ثلاثين عاملا كان يرقبون المشهد بصمت :"وها العمال ما يكفوا ويوفوا؟. أقول لك : أعطه حسابه واطرده".
شعر الفورمن ألا مناص من تنفيذ الأمر، وبينما هو يضع يده في جيبه ببطء ليخرج لجدي حسابه، سُمعتْ جلبة رمي دلاء من أعلى البناء إلى الأرض. فهِم المدير الحركة الاحتجاجية من العُمّال الذي يُلوحون بالإضراب فنظر إلى الفورمن متساءلاً بدهشة: "هل هؤلاء العُمّال كلهم يعملون تحت إمرة العُماني؟"
رد "الفورمن" بسرعة "نعم". ورغم أن هذا الأمر غير صحيح، وإنما هي حيلة من الفورمن للإبقاء على واحد من خيرة عُمّاله، إلا أن ذلك كان كافيا للمدير ليتراجع عن إصراره على طرد جدي، ومغادرته المكان مهزوما..)).
التغريدات السابقة من من كتابي "كائنات الردة" وضعتها بمناسبة الذكرى الخامسة لوفاة جدي خليفة بن مبارك المعمري في الثاني من ديسمبر 2013
جاري تحميل الاقتراحات...