فهد.
فهد.

@I0ll

27 تغريدة 212 قراءة Oct 28, 2019
«تحسين صورة العرب والمسلمين» مقالة لجلال أمين ختمَ بها كتابه ”عصر التشهير بالعربِ والمسلمين”. كتبها عام ٢٠٠٣م في عزِّ مهاجمة الغرب للإسلام وأهله. رأى أن في هذهِ الأوضاع هناكَ مَن يحاول جاهدًا تحسين صورة الإسلام في أعين الغرب؟ وفي هذا كما عبّر ”شيء تعافه النفس”، لماذا؟ لنقرأ معًا.
يفتتح جلال أمين:
لم يُعجبني منظر لفيف مِن كبارِ كُتابنا ومُثقفينا، وقد اجتمعوا في صالةٍ فخمة في واحدٍ من أكبرِ فنادق القاهرة ليُناقشوا كيفَ يُمكن تحسين صورة الإسلام في أعينِ الغرب؟
فحتى في أحسنِ الظروف، عِندما تكون العلاقة بيننا وبين الغربِ علاقة وئام وصداقة، ما الذي يَجعلني أبذل جهدًا إضافياً لتحسين صورة الإسلام في الغرب، بعد كُل ما كُتب ونُشر عن الإسلامِ في الغربِ والشرق طوال القرون الماضية؟
ولِماذا لا يأتي إليّ مَن يُريد مزيدًا من العلمِ والفهمِ للإسلام بدلاً مِن أن أذهب أنا إليه؟ نحنُ لا نزيد شرفًا بأن تتحسن صورتنا في أعينهم، والإسلام لا يحتاج إلى أن يتزيّن ويتجمّل من أجلِ أن يحصل على إعجابِ الغرب.
إذا كانَ هذا صحيحًا في أحسنِ الظُّروف، فما بالكَ به في ظروفنا الحالية، حيث يُشبعنا الساسة ووسائل الإعلام في الغربِ إهانةً وتحقيرًا، ولا يكفون عن الكلامِ عن الإسلامِ والمُسلمين بما نكره وبما يُخالِف الحقيقة مُخالفة صارخة؟
هل يجوز في هذهِ الحالة أنْ أتطوع بالذهابِ إليهم في محاولةٍ لتحسين رأيهم في؟ طمعًا في الحصولِ على رِضاهم عني وعن ديني؟. «في الأمرِ شيء تعافه النفس بلا شك».
من الاستراتيجيات التي يُطبقها من يريد «تحسين صورة الإسلام» في أعين الغرب؛ أن يُثبت لهم أن مبادئ الإسلام ”شبيهة” بمبادئ الغرب، أو أن الإسلام في الحقيقةِ لا يختلف كثيرًا عن المسيحية، وأن يحاول إقناعهم؛ بأنه ليسَ هناك ما يوجب القلق من الإسلام، والسبب أنهُ لا يختلف عنكم في شيء!
هذهِ الاستراتيجية، فضلاً عن أنها تقوم على خطأ محض، لا تعني في النهايةِ إلا التنازل عن خصوصيتك، بل إذا استخدمنا عبارة أصرح، التنازل عن الإسلامِ أصلاً. ذلك أن هُوية الشيء تتحدد باختلافه عن غيره، فإن لم يكُن هناكَ ما يميزه عن غيرهِ زال وجوده أصلا!
هذهِ الحقيقة عبر عنها منذ مئة عام اللورد كرومر، عندما قال: «إن إسلامًا تجري عليه عملية الإصلاح لا يعود بعد ذلك إسلاما». فهو لم يكن يقصد في رأيي أكثر من أن يقول: إن كل مَن يحاول باسم الإصلاح، أن يفسر الإسلام تفسيرًا يجعله أقرب إلى مبادئ الأوربيين، إنما يتخلى في الحقيقة عن الإسلام.
إني لا أنفي بالطبع أن هناكَ أوجه شبه مهمة بين بعض المبادئ الإنسانية التي تتبناها الحضارة الغربية، وبعض المبادئ الإسلامية، ولكن هناكَ أيضًا وبالطبع اختلافات كثيرة ومُهمة. وهذا لا يجعل المبادئ الإسلامية أقل قدرًا من مبادئ الحضارة الغربية وإنما يجعلها فقط مُختلفة.
والمُسلم يعتز بمبادئهِ الإسلامية مهما كانَ اختلافها عن مبادئ الحضارات والثقافات الأخرى. فإذا حاولَ مسلم أن يتجاهل هذه الاختلافات، إما بعدم ذكرها أصلا، أو بأن يحاول أن يعطي بعض النصوص الإسلامية معاني تتفق مع مبادئ الغير، لمجرد كسب رضا هذا الغير، فهو ظالم للحقيقة، وللإسلام، ولنفسه.
كذلكَ فإنِّي لا أشعر بأي ارتياح عِندما أجد هؤلاء الذين يحاولون «تحسين صورة الإسلام» في أعين الغرب، يلجئون إلى محاولةِ بيان فضل المسلمين على الحضارةِ الغربية، وأنه لولا المسلمين ما أطلع الغربيون على كُتب أرسطو وسائر علوم اليونان، ومن ثم فالحضارة واحدة في الحقيقةِ ونحن شركاء فيها.
وبهذا نكون أصحاب فضل عظيم في إنشاءِ هذه المبادئ الرائعة التي يُنادي بها الغربيون اليوم. إن كُل هذا صحيح بلا شك ولكني لا أُحب بالمرة أن أستدرج إليه كطريقة لتبرئة الإسلام مما يوجه إليه اليوم من اتهامات وما يُشاع عنه من أكاذيب.
نعم لقد نقلَ المُسلمون حضارة اليونان إلى الغربِ، ولكن الإسلام لا ينحصر فضله في القيامِ بدورِ الوسيط بين جزء من الغرب وجزء آخر منه، والمسلمون لديهم أكثر من سبب يُبرر استحقاقهم للحياة غير قيامهم بهذهِ الخدمة للغرب في يومٍ ما في الماضي.
وفهم المُسلمين لما قرأوه عند اليونان لم يكن على أي حال مطابقًا تمام التطابق لفهم الغربيين له، وكان اختيارهم لما يستحق البقاء من علوم اليونان وفكرهم، مختلفًا عن اختيار الغربيين، فقد اختاروا منه ما يناسبهم ويتفق مع دينهم ومزاجهم، وليسَ هذا بالضرورة مما يتفق مع دين الغربيين ومزاجهم.
فإذا كانَ المسلمون قد توقفوا عن التقدمِ في لحظةٍ تاريخية تالية فلهذا أسباب كثيرة ليسَ من بينها أنهم متخلفون بالطبيعة وأغبياء بالسليقة. وإذا كانوا قد مروا بفترةٍ من الانحطاطِ الحضاري بعد فترةِ الازدهار، فكُل الأمم يحدث لها هذا.
ووصول الغربيين إليهم بعدَ ذلك بجيوشهم ومدافعهم قد زادهم بعدَ هذا انحطاطًا على انحطاط. وعلى أي حال فإن الغربيين قد أساءوا استخدام الكثير مما وصلهم من علوم وأفكار اليونان عن طريق المسلمين.
فما أكثر ما أساءوا تطبيق شعارات الحُرية والمساواة، وما أكثر ما أطلقوا هذهِ الشعارات على نقيضها، وما أكثر ما استخدموا العلم والتكنولوجيا فيما يضر ولا ينفع.
والذاهبون لتحسين صورة الإسلام والمُسلمين في عيونِ الغرب لا يتوقفون كثيرًا لتأمل المعنى الحقيقي لعناوين الندوات والمؤتمرات التي يُدعون للاشتراك فيها. فهم يَقبلون الاشتراك في أي ندوة وأي مؤتمر، مهما كانَ عنوان الندوة أو المؤتمر، طالما يُسمح لهم فيهما بالثناء على الإسلام.
ولكن تأمل العناوين المختارة لهذهِ الندوات والمؤتمرات، وتأمل جدول أعمالها، يبينان أنها أبعد ما تكون عن الحياد، وأنها تتضمن توجيه الاتهام للإسلامِ والمسلمين والإيحاء من بابٍ خفي بتخلّفهم ونقصهم وعدم تحضرهم.
انظر مثلاً إلى العناوين الآتية للندوات التي يطلب للكُتاب والمُفكرين المسلمين الاشتراك فيها: «دور المرأة في العالمِ الإسلامي»، أو «الإسلام في عصرِ الحداثة» حيث يثار السؤال: «هل هناكَ تناقض أصيل بين الإسلامِ والحداثة؟». والسؤال هو: لماذا يختارون موضوع المرأة بالضبط؟
أو لماذا يفترض ابتداءً أن هناكَ تناقض أصيل أو غير أصيل، بين الإسلامِ من ناحية وقيم الحداثة التي يفترضون ضمنًا أنها قيم جديرة بالاعتناق؟ فهل دعوناهم نحن للقدوم إلينا للكلام عن «دور المرأة في المجتمع الأمريكي الحديث مثلاً؟»
وعن «أثر استخدام المرأة كرمزٍ للجنس في التلفزيونِ الغربي أو في الإعلامِ الأمريكي، على كرامةِ المرأة واحترامها لنفسها؟».
وهل عقدنا عِندنا مؤتمرًا ودعوناهم للاشتراك فيه حول ما إذا كانَ هناك «تناقض أصيل بين تصرفات الحكومة الأمريكية الأخيرة والمبادئ الديمقراطية العريقة، أو بينها وبين القيمِ الأخلاقية الراسخة؟» فإذا كُنا لم نسمح لأنفسنا بدعوتهم إلى مثلِ هذه المؤتمرات، فلماذا يسمحون لأنفسهم بمثله؟.
خلاصة القول:
إن لهجة الغربيين اليوم في كلامهم عن الإسلامِ والمسلمين ليست من النوعِ الذي يُثير الرغبة في محاولةِ تحسين صورة الإسلام والمسلمين في أعينهم، «بل من النوع الذي يُثير الغضب والحنق. لقد أساءوا الأدب في الكلام عن شيء نبيل وعزيز لدينا مما لا يترك مجالا لتبادل الحديث معهم».
ومحاولة تبرئة النفس في مواجهة ظلم صارخ من هذا النوع، «هي من قبيل الإمعان في إذلال النفس». ويزيد الغضب والحنق عِندما تجيء هذهِ الاتهامات والإهانات من سياسيين في الغربِ لا يعرف عنهم الكثير من صفاتِ التحضّر إلا في أتفه الشكليات، كنوع ما يرتدونه من ثياب مثلاً أو طريقة تناولهم للطعام!
فلا يُعرف عنهم سمو الأخلاق في معاملتهم لغيرهم من الشعوبِ، أو الترفع عن الصغائرِ عندما يتعاملون مع خصومهم، أو الحلم وضبط النفس عند الشدائد، أو الاستعداد للعفو عِندما يكونون قادرين عليه. «وكلها صفات أظهر العرب والمُسلمون في تاريخهم الطويل قدًرا وافرًا منها».
انتهى.

جاري تحميل الاقتراحات...