9 تغريدة 7 قراءة Jul 08, 2024
قبل أربعون سنة كان المسافرين يتسابقون إلى الطائرة خوفًا من أن تذهب مقاعدهم وفكرتهم أن "من سبق لَبَق"، حتى أن الخطوط أعلنت في الصُحف والجرائد عن هذه المشكلة، وترجو من المسافرين أن لا يفعلوا ذلك.
اكتشفت البارحة أني بيولوجيًا مازلت ذلك الشخص قبل أربعين سنة، ولكن على منصاتٍ أخرى.
أمس كان هناك مؤتمر لتِد اكس في مدينة جدة في جامعة الملك عبدالعزيز يبدأ الساعة الرابعة عصرًا، وأنا يعلم الله أن كل فكرتي عن تِد اكس أنه مؤتمر خيري توعوي يهدف إلى رفع مستوى الوعي لدي الشباب وأنه "مجاني"، كل ماكنت أتخيله عن التنظيم أنه: فقط اذهب واجلس في أي مكان إن لقيت كرسي.
وفعلًا شدّيت رِحالي إلى جدة والشمس مازالت في كبد السماء، وأخذت معي جاكيت جلد بُنّي يصعُب على الساكنين في الأقطاب المتجدة أن يلبسوه من ثقله، وذهبت به أنا مدينة درجة حرارتها 32، عشان يشوفوني البنات في المؤتمر وأنا مثقف وواعي وجاي بدري وجالس قدام ولابس جاكيت جلد لونه بني .. فيحبّوني
وصلت إلى قاعة المؤتمرات الساعة الواحدة ظهرًا قبل حتى أن يستيقظ من نومه الشخص الذي سيُلقي الخطاب، ولكن كنت مطمئن البال لأنه لن يسبقني أحد على الكراسي.
فأوقفت سيارتي لأقرب موقفٍ أمام القاعة وفي مظلةٍ أيضًا، وابتسمت لنفسي وفي نفسي أني قد سبقتُ أهل جدة كلهم وكنت أذكى منهم .. الأغبياء
نزلت من سيارتي ثم استلّيت جاكيتي الكشخة ولبسته، فكاد أن ينقطع نَفَسي من الحرّ، ثم تذكرت فلمًا رأيته لممثل يضع جاكيته على يده، وكان منظره جميلًا وبطَلة الفلم تحبّه.
فألهمني الله أن أضعه على يدي مثل ذلك الممثل فأظهر بشكلٍ أجمل وأيضًا سيحبني عدد أكثر من الجداويات المثقفات.
بخُطى ثابتة اتّجهت إلى قاعة الملك فيصل للمؤتمرات للدخول إلى المؤتمر والجلوس في أول كرسي، فتخطّيت المنظم الأول تِلو الآخر حتى بدون سؤالهم عن شيء، كانت ثقتي وخُيَلائي تغطّي عن عيَنيّ البَشر العامّيين، ومن هؤلاء أساسًا؟ منظمين فقط.
ومن أنا؟ أول واحد حاضر وجاكيتي على يدي.
أنا أفضل.
حتى وصلت إلى بوابة الدخول.
فاستوقفني منظّم عامّي لا أراه شيئًا، وكنت أظنه يحسبني أني أنا من سيُلقي الخطاب على الحضور وأنه يرغب بأخذ صورة تذكارية معي.
فابتسمت له وقلت له تفضّل تصوّر .. أمزح.
سألني:
-تفضّل؟
-تفضل أنت؟
-فين رايح؟
-رايح جوّه.
-الباركود لو سمحت.
-ماعندي باركود.
ثم شرَح لي أحزن ماسمعت هذه السنة؛ أن الدخول بتذاكر، وأن التذاكر بمال وأنها تُحجز مُسبقًا.
ثم شرحت له أني كنت أرغب بالجلوس في الأمام وأني أتيت قبل كل هؤلاء الناس، لعل قلبه يحنّ فيأخذ مقعدًا من أي شخص آخر ويَهبني إياه، ثم يقول لذلك الشخص المسلوب الحق: الرحلة طارت.
ولكن ذلك لم يحصل.
فعُدت إلى سيارتي أجرّ خلفي خيبتي وهزيمتي وجاكيتي البني الجلد الكشخة الذي كان سيُصيب الجداويات بمقتل.
موعدنا المؤتمر القادم يا أهل جدة، لا تحزنون.

جاري تحميل الاقتراحات...