فهد.
فهد.

@I0ll

23 تغريدة 191 قراءة Sep 28, 2019
فِي مثلِ هذا الشهر ”أكتوبر” مِن عام ١٩٦٨م كتبَ علي عزت بيغوڤيتش -رحمه الله- مقالة طويلة جميلة عن المرأة، وطرحَ فيها هذا السؤال: «هل يُقرِّر الإسلام مساواة الرجل والمرأة؟» ثم أجابَ على هذا السؤال إجابة بديعة -كعادتِه- ومُختصرة، فرأيتُ نقلها هُنا لعلّ فيها إثراء وفائدة.
السؤال: هل يُقرِّر الإسلام مساواة الرجل بالمرأة؟
الجواب: نعم و لا.
«نعم» إذا تحدّث عن المرأة باعتبارها شخصية إنسانية ذات قيمة شخصية مساوية تتحمل واجبات أخلاقية وإنسانية. «لا» إذا كان الأمر يتعلق بالتساوي في الوظائف والدور في الأسرة والمجتمع، كما يفهم معنى المساواة في أوربا عادة.
ويُمكن تصوّر قضية التفوّق أو الدونيّة -وركز هُنا- فقط بين أشياء من جنسٍ واحد، والمرأة ليست أعلى ولا أدنى لأنها -بكل بساطة- مُختلفة عن الرجل، لذلك تسقط المُقارنة، ومِن ثم يسقط تحديد الأعلى أو الأدنى.
«لا معنى للسؤال: أيهما أهم: قلب أم رئة؟ لأنّ كلاً من العضوين لا يُمكن أن يقوم بوظيفة الآخر، بل إنّ الاختلاف بينهما يُعطي قيمة خاصة لأحدهما بالنسبةِ للآخر».
ولننتبه هُنا إلى الحقيقةِ التالية: إنّ الواجبات التي يفرضها القرآن متساوية تمامًا في حقِّ الرجل والمرأة، ولا فرقَ بين الرجل والمرأة في أداءِ الواجب وتحمّل المسؤولية عن أداءِ أركان الإسلام الخمسة: النطق بالشهادتين، الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج.
وكذلكَ الأمر بالنسبةِ للواجبات الأخلاقية التي يُطالب بها القرآن الكريم صراحةً أو بطريق غير مُباشر. إذن، فالمسؤولية متساوية بناءً على أنّ القيمة متساوية، لأن كل قانون يجعل القيمة أساس المسؤولية.
إنّ اختبار الفوارق في مستوى الذكاء عند الرجل والمرأة، أظهر أنّ الفوارق تتعلق بكيفية الذكاء وليسَ بمستوى الذكاء. تُحقّق المرأة نتائج أفضل في أمورٍ لها علاقة باهتمام وحفظ مباشر. بينما يُحقّق الرجل التفوّق في اختباراتٍ لها علاقة بالأرقام والمسائل الميكانيكية.
«إنّ حالات الذكاء المُفرط قد سُجلت لدى الرجال أكثر، ولكن نسبة التخلّف العقلي لدى الرجال أكبر منها لدى النساء!». ذكاء الرجل يتّصف بحرية أكبر ويتّجه نحو العالم الخارجي، وذكاء النِّساء أقل حرية ويتّجه نحو الحياة والشخصية والعواطف.
ويرجع سبب ذلك إلى اختلاف دور كل منهما في نشوء واستمرار الحياة على الأرض. إنّ المرأة رمز للخصوبة والولادة وتعاقب الأجيال، وفي كل هذهِ الأحداث فائقة الأهمية لمظاهر الحياة -عند حد فاصل بين الغريزة والإدراك- تقوم المرأة بدور مباشر، وأما الرجل فلا يعدو دوره أن يكون أكثر من مشاهد حائر!
فالعلاقة هُنا ليست علاقة بين الرجل والمرأة، بل هي علاقة الأم بوالد أطفالها، لأن الأمور هنا تأخذ الشكل الذي يجب أن تكون عليه كما تفرضه طبيعة الجنسين.
ويختم جوابه على السؤال بقوله:
إذن، فالعلاقة التي أشرنا إليها هنا تجعل السؤال عن المساواة بين الجنسيْن بلا معنى، أو تجعله سؤالاً مضحكًا على الأقل!
انتهى.
لمالك بن نبي كلام جميل يتعلّق بالمرأة، قاله في كِتابه “شروط النهضة”، أرى في إضافته لكلام بيغوڤيتش -رحمه الله- إتمام للفائدة. مِما يجدر قوله؛ أنه في مثلِ هذا اليوم ٣١ أكتوبر مِن عام ١٩٧٣م توفيَ مالك بن نبي حفّته رَحَمات الرحمن.
يفتتح الحديث بقولِه:
ليست مُشكلة المرأة شيئاً نبحثه مُنفردًا عن مُشكلةِ الرجل، فهُما يُشكلان في حقيقتِهما مُشكلة واحدة، هيَ مُشكلة الفرد في المُجتمع.
وليسَ بمُجدٍ أنْ نعقد موازنة بين الرجلِ والمرأة، ثم نَخرج منها بنتائج كمية تشير إلى قيمةِ المرأة في المُجتمعِ، وأنها أكبر أو أصغر من قيمةِ الرجل أو تُساويها، فليستْ هذهِ الأحكام إلا افتئاتًا على حقيقةِ الأمر ومحض افتراء.
ولسنا نَرى في الأقاويلِ التي تَقوّلها على حقوقِ المرأةِ أدعياء تحريرها، أو الذينَ يُطالبون بإبعادِها من المُجتمعِ؛ إلا تعبيرًا عن نزعاتٍ جنسية لا شعورية.
«فالمرأة والرجل يكوّنان الفرد في المجتمعِ: فهيَ شِقُّ الفرد، كما أنّ الرجل شِقه الآخر». ولا غرو فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «النِّساء شقائق الرِّجال». والله تعالى خلقهما من نفسٍ واحدة، قالَ سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.
«فالمرأة والرجل قُطبا الإنسانية، ولا معنى لأحدهِما بغيرِ الآخر»، فلئن كانَ الرجل قد أتى في مجالِ الفن والعلمِ بالمعجزات، فإن المرأة قد كوّنت نوابغ الرِّجال.
وعندما أرادَ ابن نبي أن يفصِّل في قضيةِ مُشكلة المرأة قال: «ونحن نرى لزامًا علينا أن يكون تَناولنا للموضوع بعيدًا عن تلكَ الأناشيد الشِّعرية التي تدعو إلى تحريرِ المرأة، فالمُشكلة لا تتحدد في الجنسِ اللطيف فحسب، بل هيَ فوق ذلك، ”تتعلّق بتقدم المُجتمع وتحديد مُستقبله وحَضارته”».
وإذا تساءَلنا هل يَجب نزع الحجاب؟ أو هل يسوغ للمرأةِ التدخين؟ أو التصويت في الانتخاباتِ؟ أو هل يجب عليها أن تتعلّم؟ -وحبذا التركيز هنا- فيَنبغي ألا يكون جوابنا عن هذهِ الأسئلة بدافعٍ من مصلحةِ المرأة وحدها، بل بدافعٍ من حاجةِ المُجتمع وتقدّمه الحضاري.
ولقد نَعلم أنه يَضيق صدر بعض ذوي الأذواق الراقية بما نقول، فيَحتجون علينا بأنّ مثل هذا الموقف يُذيب المرأة في المجتمع، ولكننا نقول لهم: «إن إعطاء حقوق المرأة على حسابِ المُجتمع معناه تدهور المُجتمع، ومن ثم تدهورها؛ أليست هيَ عضوا فيه؟ فالقضية ليست قضية فرد، وإنما قضية مجتمع!».
ثم يقول مالك بعد أن عرّج على حال المرأة الأوروبية الذي يدعو إلى الرِّثاء -على حدِّ قوله- :
وتحديدنا لعمل المرأةِ في المجتمعِ جدير بالاعتبار؛ فمِن المعلومِ أن المرأة الأوروبية كانت ضحية هذا الاعتبار، لأنّ المجتمع الذي حرّرها قذفَ بها إلى أُتون المصنع وإلى المكتبِ وقال لها:
”عليكِ أن تأكلي من عرقِ جبينك” في بيئةٍ مُمتلئة بالأخطارِ على أخلاقِها، وتركها في حريةٍ مشؤومة، ليسَ لها ولا للمجتمع فيها نفع، ففقدت الشُّعور بالعاطفةِ نحو الأسرة، «وأصبحت بما أُلقي عليها من متاعبِ العمل صورة مُشوهة للرجل، دون أن تبقى امرأة!».
ويُعجبني وصف مالك بن نبي للمرأةِ عندما قال: «وهيَ مخزن العواطف الإنسانية!». وقال عنها في سطرٍ آخر: «مُلهِمة لذوق الجمال وروح الأخلاق». ولِمن أراد الاستزادة فليرجع إلى شروط النهضة (الباب الثاني - مشكلة المرأة) صـ١١٤، وأيضًا في أعماله الكاملة جـ١ صـ٤٧٨.

جاري تحميل الاقتراحات...