فهد.
فهد.

@I0ll

16 تغريدة 48 قراءة Nov 11, 2019
قُبيل وفاته بنصفِ ساعة؛ قامَ وهوَ يُصارِع الألم، يحمل ٧٨ سنة على كاهِله فتَوضأ وصلَّى، ثم فَاضت روحه إلى بارِئها فِي مثلِ هذا اليوم ١٩ أكتوبر من عامِ ٢٠٠٣م/ يوم الأحد ٢٣ شعبان ١٤٢٤ھ في سراييفو. فإلى رحمةِ الله أيها الرجُل العظيم؛ علي عزت بيغوڤيتش.
هَذا الرجُل غير عادي، إنه أُعجوبة فِي الفِكر والصبرِ والأخلاق. تكمن عَظَمة بيغوڤيتش في صمودِهِ وبقائهِ مُعتزاً بإسلامِهِ ومُدافعًا عنه بصبرٍ وثبات. كانَ نشيطًا في حياتهِ كلها محاضرًا وكاتباً ومُحاورا. استطاعَ أن يثبِّت وجود ٦ ملايين مسلم في وسط أوربا لم تكن لهم حقوق ولا امتيازات.
وُلِدَ في الثامنِ من أغسطس ١٩٢٥م. قالَ في آخر سيرتهِ الذاتية صـ٥٧٦: «وُلِدت في حقبةٍ من الزَّمن بعيدة كُل البُعد عن زمنِ سعادتي» ثم أردفَ قائلاً: «فلو عُرِضت عليَّ الحياة مرة أخرى لرفضتها. لكن لو كانَ عليَّ أنْ أولد من جديد، لاخترتُ حياتي».
هذا المُجاهِد المُجتهد -كما سمَّاه المسيري- كانَ حالة نادِرة فِي عالمنا؛ فإنكَ يندُر -وتجنّبت قول ”يستحيل”- أن تجِد رئيسًا على هذا المستوى الرفيع مِن الفِكرِ والثقافة! قادَ شعبه الأعزل في أحلك فترات تاريخه ضِد التدخل الصِّربي الغاشِم، وضِد تواطؤ ومؤمرات العالَم الغَرْبي الظالِم.
استحقَ جائزة الملِك فيصل على كِتابه العظيم ”الإسلام بينَ الشرقِ والغرب” عام ١٤١٣ھ/١٩٩٣م. قضى رحِمه الله في السجون اليوغسلافية زهرة شَبابه وشطرًا من كهولتِه، والسبب؟ أنه كانَ دائمًا في أقوالهِ وأفعالهِ رافعًا لرايةِ الحَق، لا يَقبل الانحاء إلا لخالِقه.
هل تعلم أنهُ لما انتُخِبَ رئيسًا رفضَ أن يغادر منزله المتواضع؟ وكانَ في شقةٍ صغيرة مع أسرته. فضّل العيش في سراييفو المُحاصرة، وهي تُقصف بالقذائفِ لمُدة أربعة أعوام! لم يُحب فِكرة العيش في رخاءٍ وأمن بعيدًا عن شعبهِ الذي يعاني، أحب أن يتحمل شظف العيش معهم، ويُحِس بمخاطرهم اليومية.
قالَ عن الوطن في ”هروبي إلى الحرية” صـ١٨٨: «لِماذا لا يَستطيع المرء أن يَهجر وطنه؟ لا يُمكن لهذا أنْ يَحدث لأننا لا نَستطيع أنْ نأخذ معنا المقابر، فمَقابر آبائنا وأجدادنا هيَ جذورنا، والنَّبات الذي يُجتَثّ مِن جذورِه لا يُمكن أن يَعيش. ولذلك، علينا أنْ نَبقى».❤️
ويقول متحدثًا عن الوَطَني الحقيقي في كتابهِ السابق صـ١٦٥ : «ليسَ الوطني الحَقيقي هوَ مَن يرفع وطنه فوقَ الأوطان الأخرى، وإنَّمَا هوَ مَن يعمل حتى يكون وطنه أهلاً لهذا التمجيد، كما أنَّهُ يحرِص على كرامةِ وطنه أكثر مِن حرصه على تَمجيده».
كانَ الجيش الصربي يُردد أنشودة شعبية يتوعد فيها علي عزت بالقتل، وهي: «سَنذبحك يا علي عندما تقوم الحرب كما ذبح ميلوس مراد». يشيرون إلى السلطان مراد الذي هزم الصرب في كوسوفا، وميلوس الصربي الذي قتله بخنجرٍ مسموم غدرا. بيغوڤيتش لا يزال حيّا وأعداؤه نتنى في مزابل التاريخ.
في سيرته صـ٦٩٠ قالَ عن أولئك عُشّاق الحياد: «إن هَذا الزمن بالفعل هوَ زمن التناقض، ولَم يَحدث أبدًا أن تَصادم الخير والشر على هذا النحو الواضح، فحتى الشخص الأعمى يُمكنه تمييز ومعرفة ماهية كل منهما (أيهما الخير وأيهما الشر) لكن مع ذلك فهُم حياديون، العار والخِزي لهم».
أحب رحِمه الله زوجته ”خالِدة” قال عنها في سيرته: «في عام ١٩٤٣م عندما كنتُ في الثامنة عشرة قابلت زوجتي خالدة. كنتُ أحب هذهِ الفتاة جدًا، وليسَ من المخجل أن أقول هذا. لقد كانَ حبًا يمكن أن أضحي بنفسي من أجله. لما ذهبتُ إلى السِّجن انتظرتني هذه الفتاة لمدة ٣ سنوات قضيتها في السجن!».
يُذكِّر دائمًا بدورِ المرأة، وأننا يجب أن نُحافظ على كرامتِها وندافع عنها، لأنها هيَ التي سوفَ تُنشئ الجيل الذي سيجعل عالَمنا أفضل. مع ما خاضه من أحداث كان يَكره الحرب وكانَ يقول: «لا يوجد هُنا شيء اسمه ”حرب نظيفة” أو ”جيش بريء” فكُل الحروب هيَ حروب قذرة إلى حدٍ ما».
كانَ مُعجبًا بمحمد علي ويحلم بلقائه، وهذا ما تم عندما كان في أمريكا. يقول بيغوڤيتش: لما أخبرته بأن اسمي علي، رد بأنه يعرف ذلك. ثم قال: «شعرتُ بقُرب أخوي من هذا الرجل». قال لاحقا: «عندما عدتُ إلى البوسنة الذين سألوني عن لقائي بمحمد علي أكثر من الذين سألوني عن مواجهتي لكلينتون!».
لما حُكم عليه بالسِّجن لمدة ١٤ عاما، لَمْ يحاول الخضوع ليتعاطف معه المدعي العام، بل قالَ في خلاصته التي قدمها: «أُقر بأني مُسلم وسوفَ أبقى مسلمًا. وأَعتبر نفسي مُنافحًا عن قضايا الإسلام في العالم، وسأبقى أعتبر نفسي كذلكَ حتى مماتي».
في كتابهِ ”الإسلام بين الشرق والغرب” صـ٦١ يقول: «الإسلام ليسَ مُجرد دين أوْ طريقة حيَاة فقط، وإنمَا هوَ بصفةٍ أساسية مَبدأ تَنظيم الكون». ويعجبني قوله في ذات الكِتاب صـ١٧٩: «ليست الإنسانيّة في الكمال أو العِصمة مِن الخطأ. فأنْ تُخطئ وتندم هوَ أن تكون إنسانًا».
أختم الكلام عنه بتساؤلٍ له في ”هروبي إلى الحرية” صـ١٣٢ قال: «هل صحيح أن الأمعاء الخاوية هي وحدها ما يُحرِّك التاريخ؟». ماتَ رحمه الله وفي نفسه الكثير لهذهِ الأمة. للأسف لَمْ يجد حوله من يُسانده في طريقه، حاله كما قالَ هو مرة: «كنتُ على حقّ في الزمنِ الخطأ».

جاري تحميل الاقتراحات...