لقد بدأت القصة في مطلع الأربعينيات الميلادية. هنالك مرضٌ عظيمٌ وفتّاك أودى بأرواح الكثير من البشر. فُرص البقاء على قيد الحياة، في حال إصابتك به، ستكون ضئيلة جداً إذا لم تجد لقاحاً يُنقذك من هذا الفايروس القاتل Rhabdoviridae المسببّ لمرض داء الكلب Rabies .
فايروس داء الكلب من الأمراض القاتلة للإنسان، و فُرص إصابتك به عالية جداً في حال تعرضتَّ لخدش أو عضّة حيوان مصاب، بالأخص الكلاب والخفافيش والثعالب. أو حين تمسح عينيك ويدك ملوثة بلُعاب كائن مصاب. سوف يستهدف الفايروس دماغك وجهازك العصبي وفُرص نجاتك، بعد ظهور الأعراض، لن تتجاوز 10%.
لقد حاول الأطباء، وبمساعدة الجهات المختصة، أن يقضوا على الثعالب الحمراء، الحاضنة لفايروس داء الكلب، في بولندا وسويسرا. لم تُفلح محاولات عديدة مثل قتلها بالرصاص والغاز أو تسميمها. كل الطرق تؤدي لطريق مسدود وجميع الجهود غير مثمرة.
في عام 1971م ، قام العلماء بتجارب علمية ناجحة في المختبر وطّوروا لقاحاً من فايروس داء الكلب من سلاسة SAD . لقد تمكّنوا من دراسة طبيعة هذا الفايروس وفهموه جيداً حتى تمكّنوا من إضعافه ومعرفة كيفية السيطرة عليه. ساهم علم الفايروسات Virology في التوصلّ لهذا النجاح الطبي الباهر.
بعد تطوير اللقاح. وجد المتخصصون أن تطعيم كل ثعلب على حدى أمرٌ أقرب للاستحالة. الثعالب الحمراء لا تأنس الإنسان ولا تتعايش معه. ما فائدة تطوير لقاح طبي دون أن نتمكّن من تطعيم المصاب بالمرض؟ هنا بدأ البحث عن طريقة أخرى لبلوغ هذا الهدف.
بزغت فكرة رائعة آنذاك: ماذا لو قُمنا بحقن رؤوس الدجاج باللقاح؟ لا يمكن للثعالب الحمراء أن ترى مثل هذه الوجبة اللذيذة دون أن تتناولها! قام العلماء بحقن الآلاف من رؤوس الدجاج باللقاح المضاد، جهّزوا كل ما يمكن تجهيزه من طائرات ومعدّات لنشر هذه الرؤوس في المناطق الموبوءة.
قبل القيام بالتجربة، سادت إشاعة مفادها أن نشر رؤوس الدجاج المحقونة باللقاح قد تُساهم بنشر المرض على نطاق أكبر، ماذا لو تمكنتّ تلك الفايروسات الضعيفة من الانتشار؟ حتماً ستتفاقم المشكلة. لكن الطبيب فرانز ستيك Franz Steck وضع حدّاً لهذه الاشاعات من خلال تجربة تنفي حدوث ذلك الافتراض.
بدأت التجربة بالنمو تدريجياً حتى بلغنا عام 1978م . تمّ نشر ما يُقارب 4050 رأس دجاجة محقونة باللقاح لكي تتناولها الثعالب الحمراء وتُشفى من هذا المرض. حينها، وصل المرض إلى شرق بحيرة جنيف وتمددّ بشكل مخيف.كان من المهم أن يتدارك العلماء هذه المشكلة قبل أن تقضي على الجنس البشري هنالك.
وللتأكد من فعالية حقن رؤوس الدجاج باللقاح، قام العلماء بإضافة علامة كيميائية تُدعى Tetracycline وذلك لتتّبع أثرها في أسنان وعظام الثعالب المقتولة من قِبل الصيادين. يجب على القائمين على هذه التجربة أن يتأكدوا من تناول الثعالب لتلك الرؤوس. ماذا لو لم يفعلوا؟
تمّ قذف الرؤوس في المناطق النائية والبعيدة عن المُدن بالمروحيات بين عاميّ 1979-1984م . لقد تساقطت رؤوس الدجاج على الأرياف والقرى مُعلنةً اختفاء داء الكلب. خلال أربع سنوات، تمّ رمي أكثر من 52000 رأس دجاجة كانت السر وراء اختفاء المرض في المناطق التي شملتها هذه الاستراتيجية الطبية.
من المفارقات المزعجة في هذه القصة الناجحة هو وفاة الطبيب Franz Steck عام 1982م بسبب تحطمّ مروحية الفريق أثناء رمي رؤوس الدجاج في إحدى المناطق الموبوءة. لقد نجحت المهمة وانتهت بنهاية حزينة. لقد ساهمت أبحاثه بإنقاذ البشرية من مرض خطير.
لقد نشر هذا الطبيب العديد من الدراسات التي ساهمت في القضاء على هذا المرض ومساهمات أخرى للقضاء على أمراض أخرى. لقراءة الدراسة التي نُشرت بذات السنة التي تُوفي بها يُرجى مطالعة المصدر: onlinelibrary.wiley.com
جاري تحميل الاقتراحات...