38 تغريدة 183 قراءة Mar 31, 2020
كان كتاب المثال في العروض للخليل يتلاهى به في قصر عبدالرحمن الأوسط حتى كان بعض الجواري تقول لبعض: صير الله عقلك كعقل الذي ملأ كتابه من "مما، مما"؛ فبلغ الخبر ابن فرناس، فطلب الكتاب، فقال: هذا كتاب قبله ما يفسره. فوجه به الأمير إلى المشرق، فأتي بكتاب الفرش ووصله بـ 300 دينار وكساه
وانفرد ابن عبدربه ت326هـ برواية رأي للخليل يجيز استحداث الأوزان لم يتكلم عنه علماء المشرق الأوائل حتى عصره:
هذا الذي جربه المجرب-من كل ما قالت عليه العرب
فكل شيء لم تقل عليه-فإننا لم نلتفت إليه
ولا نقول غير ما قد قالوا-لأنه من قولنا محال
وقد أجاز ذلك الخليل-ولا أقول فيه ما يقول
ولم يصلنا من كتب العروض حتى نهاية القرن الرابع سوى لثمانية علماء إضافة لنسخة مخطوطة تنسب للخليل بن أحمد الفراهيدي باسم "علم أوزان الشعر" أشار إلى وجودها في معهد المخطوطات بأذربيجان الاستاذ سليمان أبوستة لكنه لم يطلع عليها.
يستمر ما وصلنا من كتب العروض حتى منتصف القرن السادس أكثره لعراقيين وغالبا من المعتزلة حتى ظهر كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني ت463هـ ثم البارع لابن القطاع الصقلي ت515هـ ثم القصيدة الخزرجية المعروفة بالرامزة لأبي الجيش الأندلسي 549هـ والتي كثرت شروحها عند علماء المشرق والمغرب
وكان الشاعر الأيوبي ابن سناء الملك ت606هـ أول من ألف في علم أوزان الموشحات التي بدأ بدأ انتشارها في المشرق بعد أن اشتهرت عن الأندلسيين منذ اخترعها مقدم القبري في عهد أمير قرطبة عبدالرحمن الأوسط
ومثل اهتمام الاندلس بالموشحات اهتم المشارقة بالاوزان الفارسية المستحدثة (اللاحق والدوبيتي والسلسلة) حتى وجد في الشعر العربي عليها أكثر من الأوزان التي أستحدثها الخليل وأقر شواهدها (المضارع والمقتضب والمجتث) لكن أقدم كتب عروض الدوبيت جاء من عند المرينيين لابن المرحّل المالقي 699هـ
أقدم قصائد بحر الأخفش المتدارك "ليل الصب" للقيرواني 488هـ (مستفعلتن مستفعلتن) بحسب القياس الذي اختاره المغاربة وترأسه القرطاجني 648هـ أما الدوبيت (مستفعلتن مفاعلاتن) فيعتبر التوليد المشرقي للمتدارك بحسب الذوق الغنائي دون أن ينسبوه للمتدارك ولم تذكره كتبهم بوضوح إلا القرن الثامن
وأقدم ما جاءنا من أوزان الشعر العامي ديوان ابن قزمان البلنسي في الزجل من القرن الخامس ويعتبر فنا متولدا من الموشحات بينما تولد الشعر النبطي في المشرق من القصائد العمودية أما الدوبيت فترك استعمال الفصيح وظهر العامي منه ببعض لهجات الصعيد والسودان والخليج ويعرف في العراق بالأبوذية
وكان علم العروض أحيانا يدرج في كتب الأدب كالعقد الفريد، أو المعاجم كلسان العرب، أو نقد الشعر ك أما علم القافية فكانت اصطلاحاته معروفة من قبل الخليل لكن رغم ذلك ورغم مخالفة أغلب العروضيين لمذهبه في القافية إلا أنه نسب العلم له لاقترانه بكتب العروض أحيانا كملحق مختصر ولتأخر ازدهاره
ويشار إلى أن عددا من علماء العروض كانوا على إجادة لعلم التعمية وألفوا فيه وينسب للخليل أول رسالة عربية في علم استخراج المعمى، ثم أضاف بعض النوابغ تآليف عديدة في فك الرموز وصلنا منها مقترنا بعلم العروض كتاب الجامع في العروض والقوافي لأبي الحسن العروضي ت 342هـ نديم الخليفة العباسي
واشتهر عند الشعراء حساب الجمل لحروف الأبجدية من أجل تسجيل تواريخ الأحداث في فن "التاريخ الشعري" فانتقل من كتب البلاغة إلى كتب العروض الحديثة، وكذلك شاعت شواهد ضرائر الشعر في كتب النحو حتى استقلت عنها ثم أدرجت باختصار في كتب العروض.
والخليل قد استخدم الأرقام في تقطيع الشعر فأشار للصفر كعلامة للحرف المتحرك ورقم الواحد للساكن، لكن لم يهتم العروضيون بهذا المعنى وبدلوا هذه العلامات حتى أستحدث بعض المعاصرين علم العروض الرقمي وجعل الرقم علامة للمقطع كاملا بدل الحرف فقط فاختزل الخانات وألغى التفاعيل في سبيل تيسيره
والحساب بالأبجدية من "علم الحروف" وكان يدرس في الكتاتيب منذ عهد عمر، لكن اختلط مع "علوم الحرف" الغيبية المنسوبة لأئمة الشيعة والصوفية باعتبارها امتداد لعلوم الأوائل كالجفر والأوفاق والزيارج، وقد ترتبط بجوانب من العروض والقافية والتعمية لكن لم توجد مؤلفات مشتركة في ذلك
وتعتبر بعض كتب الأدب والشعر توسعا علميا في أبواب تابعة لعلم العروض وفنون نظم الكلام، حتى أن بعض الشعراء اشتملت قصائدهم على معظم الأوزان كأبي العتاهية والخليفة ابن المعتز، وقد انتهى بعض العروضيين المعاصرين من استقراء الشعر العربي كله فلم يضيفوا على السابقين إلا بعض الشواهد الشاذة
وينسب للخليل أول مصنف عربي في الإيقاع والنغم، وكتاب العين أول معجم لغوي، وقد أورد في مقدمته أقدم تأليف في علم الأصوات الذي أثراه علماء التجويد والموسيقى، وصار العرب أول من أدخل العزف في الغناء مستعينين لذلك بعلوم الخليل، ثم أدخلوا المقامات في قراءة القرآن مع القرن الرابع الهجري
ومن وصايا العرب المعروفة: "روّوا أبناءكم الرجز، فإنه يهرِّت أشداقهم". وكانوا يسمون الغناء على وزنه بالحداء لكن لم تهتم كتب العروض بالتسميات المستحدثة للأوزان الأخرى وبقيت على اجتهادات الخليل في تبديلاته الاصطلاحية مثل الأهازيج والهزج والأراجيز والترانيم والأناشيد والخبب ونحوها
(مستفعلن) وزن تفعيلة الارتجاز الأصلية كانت تكرر مرتين او ثلاث في كل شطر مقفى، ثم جاءت شواهد عباسية مبكرة لوزن من تفعيلة واحدة مثل:
طيف ألم
بعد العتم
بذي سلم
(طـيفٌ ألمْ)
طَيْ فُنْ ألَم
مستفعلن
(بعد العتمْ)
بَعْ دَلْ عَتَمْ
مستفعلن
(بذي سلم)
بذِيْ سَلَم
متفعلن
قد يحتاج البعض توضيحا لفكرة الإيقاع الرجزية فيكون بمحاولة النظم عليها ثم غناء الكلمات على نفس اللحن للتأكد من انضباط الوزن سواء للتفعيلة الأصلية (مستفعلن) أو تحولاتها البسيطة (مفاعلن، منفعلن، مستفعلان) . فأغنية "اسمر عبر" مثال مناسب للتجربة بالفصحى أو العامية
وعلى وزن الرجز قد تأتي أرجوزة غنائية لأرق شعراء الغزل، كان يوفرها السابقون لنشئهم، فقد فضل ابوبكر بن العربي الإشبيلي طريقة أهل الأندلس ومكة في تعليم الصبيان اللغة والحساب وتذوق الشعر قبل تعليمهم القرآن.
ووزن الخبب (مستفعلتن) مرتين وتحويلاتها البسيطة (مفعولاتن، متفاعلتن، فعلاناتن) كان من الإيقاعات الأساسية التي يتعلم الصبيان أغانيها إذ هي موجودة ضمنا في الأبجدية (أبجد هوز حطي كلمن-مفعولاتن مستفعلتن) وبقيته:
عند المشارقة: سعفص قرشت ثخذ ضظَغ
وعند المغاربة: صعفض قرست ثخذ ظغّش
أرجوزة ذات الأمثال (مستفعلن) 3 مرات في شطري بيت مزدوج القافية، فن إنساني متطور في نظم العلوم وحفظها عبر العصور مثل ألفية ابن مالك، لكن إلحاقه بكتاب العروض أبعد عموم الخلق عنه مع أنه ووزن الخبب البديهي الذي أهمله الخليل أساسيان للعربي ويغنيان الفهيم عن تعلم باقي البحور
القصيدة الشمقمقية للحميري مثال على أهمية تلقي الأراجيز للسمع واللسان والمعرفة، إلى أن تتشرب الخصائص العريقة التي أغفلها منهج التعليم المستورد حتى تلاشى التذوق الحسي في كلامنا بما يشبه عمى الألوان
وعلى وزن الرجز (اذهب إلى فرعون إنه طغى) رغم ندرة الأمثلة المشابهة إلا أن تأثيره الإيقاعي على شعوب لم تعرف من الموسيقى مع الغناء إلا الدف جعلهم يتهمونه بالشعر لأنه معروف عالميا قديما وحديثا عن الشعر العربي أنه أكثر النغمات عدا وأقواكها تكيفا مع الانفعالات الإنسانية في كل المناسبات
وعلى وزن الخبب (إنا أعطيناك الكوثر) "مفعولاتن" مرتين، تتحول في التغييرات البسيطة إلى (مستفعلتن، متفاعلتن، فعلاناتن) مثل قصيدة ليل الصب للقيرواني وقصيدة المنفرجة لابن النحوي الأندلسي 513هـ
بقي إيقاع هذا الوزن الخببي في الدارجة المغاربية على نفس قوالبه التي ظهر بها عندهم في الفصحى دون تغيير، مثل أغنية الجويني التونسي (لاموني اللي يغيروا مني/مفعولاتن مفعولاتن)
والوزن الخببي المشرقي، فنسبه العروضيون للفرس خطأ في القياس لمشابهته أوزان الرباعيات الفارسية، أما أقدم قصيدة قديمة معروفة على وزنه للبهاء زهير المكي الأيوبي ت 656هـ، وقالبه (مستفعلتن مفاعلاتن) في شطري البيت طوال القصيدة دون تغيير
ويلاحظ اندثار الوزن الخببي المشرقي سواء العمودي منه أو الرباعيات، فأشير من باب الإحاطة بالشيء إلى أن وزن الرباعيات الفارسية المشابهة له يكون بإضافة تفعيلة ثالثة، وهي هنا في هذا المثال (مستفعلتن مفاعلاتن فعلن) وبعض الرباعيات قد يكون تاما وبعضها أعرجا: أي تختلف قافية شطره الثالث..
ومن الأمثلة النادرة لأغاني وزن الدوبيت الفارسي هذه الرباعيات لابن الفارض الحموي ت 632هـ وتصلح لتوضيح أمر قد يهم وهو جواز تحول التفعيلة الوسطى من شطره (مستفعلتن مفاعلاتن فعلن) إلى (مستفعلاتن أو منفعلاتن) أما التفعيلة الأخيرة إذا تحولت إلى (فالن) فيجب الالتزام بها حتى تنضبط القافية
أما إذا أضيف حرف ساكن على التفعيلة الأخيرة فإنه يجوز أن تتحول إلى (فالان أو فعلان) لأن العبرة في القافية بآخر ساكنين فقط ومثاله من نفس الأغنية
عموما فوزن الخبب المغربي أكثر سلالة وانتشر بقوة في الأغاني المشرقية بداية عن طريق الموشحات كموشحة الشيخ أمين الجندي الحمصي 1256هـ المكونة من بيت مصرّع: أي مزدوج القافية، ثم رباعية مثقلة: أي تختلف عنها قافية شطرها الرابع فتتبع قافية مصراع الموشحة
وينصح أصحاب شعر التفعيلة بالتركيز والتأمل في الأمثلة الكثيرة المشابهة لأغاني نزار من أجل الاستزادة من الرتم الخببي (مفعولات وفعلن) إذ ساعدت المعرفية الموسيقية عند نزار أن يقود الإبداع على هذا الوزن
وعلم أوزان الشعر يسمى في لغات اللاتين Métrique, Metrica, Meter وأصلها من العربية (المتير) كما ذكره الباقلاني عن اسم طريقة تعليم الصبيان لتقطيع الشعر وأن اشتقاقه من المتر، وهو الجذب أو القطع، يقال: مترت الحبل؛ أي قطعته أو جذبته. وهي أنسب لدمج كلمتي (العروض والقافية) في اسم واحد.
وألمح بعض الباحثين إلى اطلاع الخليل على علوم اليونان والهند في الرياضيات الصوتية لكن دون دليل ولا على الأسبقية، مثل كتابة الأرقام التي تعود أصلا للعراق، كما زعم باحثون اطلاع فيبوناتشي على دوائر الشعر الهنديه في بجاية قبل أن ينقل الأرقام العربية ومتتاليته (العدد الذهبي) لأوروبا!
وضعت نظرية #المصفوفة_العروضية كرسم حلزوني في الأصل لدمج الدوائر العروضية الخمس التي انشأها الخليل واستخرج منها العلماء الأبحر الـ16 المستعملة ثم عدة أبحر قياسية مهملة ورغم جمودهم خرجت بعض الأوزان المستحدثة والشاذة عن تلك القواعد والدوائر فاستوعبتها المصفوفة وقلصت المهملات والخلاف
كانت هناك محاولات قديمة لتهذيب العروض من خلال التفاعيل ثم ظهرت محاولات كثيفة في العصر الحديث لتقويم العلم وتقييم المآخذ عليه في التفاعيل والمقاطع والدوائر حتى طرحت فكرة الشكل الحلزوني ووجدت اهتماما من بعض الباحثين واستباقا فسارعت بنشر الطبعة الأولى مكتفيا بالمنهج التقليدي على عجل
المرحلة الثانية من نظرية المصفوفة العروضية تتمثل في العروض الرقمي الحديث والذي رغم كثرة الخوض فيه ومحاولات تسهيلة لم يستنبطوا أي معادلة منه أو يبسطوه بشكل شامل حتى أدخلت التعشير على المقاطع وضبطت قيما للتفاعيل لإسقاط معيار النسبة الذهبية على المستعمل من القياس
والمثال السابق من حساب المصفوفة رغم أنه يعتبر كشفا علميا فريدا في الرياضيات اللغوية وميزة خاصة بالعربية إلا أنني لم أستعمل فيه إلا الأدوات البسيطة التي يسهل على كل مهتم استنتاج مثيلاتها، لهذا أضع لذوي الألباب رابطا موصلا لبقية التفاصيل
-والله ولي التوفيق-
جزء من رسائل قديمة بعد استعراض جزئي لنظرية تجمع العروض الرقمي مع العروض التقليدي.. تؤكد أهمية أبعاد نظرية المصفوفة لكن لا زلت أتحفظ على نشرها كاملة حتى ييسر الله الأمور

جاري تحميل الاقتراحات...