تقاسم البريطانيين الأراضي مع فرنسا حسب إتفاقية سايكس بيكو الشهيرة و خرج الشريف علي من المولد بلا حمص كما يقول المثل، فشعر بالخيانة بعد الوعود التي تلقاها في مراسلاته مع السير هنري مكماهون. أما عن وعدهم للصهاينة، فلم تكن فلسطين قد سقطت بعد.
بعد هزيمة الدولة العثمانية، تم عقد مؤتمر باريس عام 1919 لفرض شروط وقف الحرب من قبل الحلفاء. مثل العرب في هذا المؤتمر الأمير فيصل إبن الشريف حسين. و قد كان مؤهلا لذلك كونه إبن الشريف و قائد الثورة العربية الكبرى و أيضا من رموز الحركة الوطنية في سوريا.
كان فيصل كما والده يطمح بإنشاء مملكة للعرب، و كان مبدئيا يريدها أن تشمل أرض لبنان و سوريا و الأردن و الحجاز بل و كان راضيا بالتخلي عن فلسطين مقابل تحقيق حلمه. قدم فيصل طلبه خلال مؤتمر باريس، لكن الحلفاء كانت لديهم خطط أخرى و تجاهلوه.
حاول فيصل تحدي الحلفاء فأعلن مملكته من سوريا و كانت تشمل أرض لبنان و فلسطين كذلك. لكنها دامت بضع أشهر فقط حيث سحقها الفرنسيون في معركة ميسلون الشهيرة و بدأت بذلك فترة الإستعمار الفرنسي في سوريا و لبنان.
جدير بالذكر أن العديد من أفراد الجيش الفرنسي في معركة ميسلون كانوا مغاربة و جزائريين و سنغاليين.
تكرر المشهد في مصر و العراق فحاول السياسيون فيها نيل استقلال دولهم، لكن البريطانيين سحقوا تحركاتهم كذلك و جعلوها تحت حكمهم الإستعماري.
أصبح المشهد كما يلي، ضمت فرنسا سوريا و لبنان لحكمها بالإضافة لدول شمال إفريقيا. و حصلت بريطانيا على فلسطين و العراق و الأردن و مصر و منطقة ساحل الخليج العربي. أما الشريف حسين الذي خذله الحلفاء فلم يبق له سوى أرض الحجاز.
حاول الإنجليز إقناع الشريف حسين بقبول الأمر الواقع الجديد و أرسلوا له لورانس العرب كمبعوث لكنه رفض بشدة و شعر بأنهم قد غدروا به. و قد كان شعوره صحيحا طبعا لكن يداك أوكتا و فوك نفخ.
أدى تعنت الشريف لرفع الحماية البريطانية عنه حيث أنه رفض التوقيع على الإتفاقية المعروضة، فكانت الفرصة للملك عبد العزيز أن يضم أرض الحجاز لمملكته. و بقي البريطانيون محايدين خلال المعارك و لم يتدخلوا فسقطت الطائف أولا ثم مكة ثم جدة و المدينة المنورة.
أدرك البريطانيون أنهم أمام قوة مختلفة عن باقي دول الخليج التي كانت بمثابة محميات بريطانية كالبحرين و اليمن و الإمارات، فعقدوا إتفاقا مع الملك يعترفون فيه بسلطته الكاملة على تلك الأراضي التي كانت تحت سيطرته و بإستقلالية ذلك الكيان دون أي قيود إمبريالية.
يضيف الكاتب أنه من حسن الحظ أنه لم يكن النفط قد اكتشف بعد في تلك المنطقة و إلا لربما اختلفت الآية.
فر الشريف حسين من الحجاز و استقر في قبرص، أما أبنائه فقد أخبرتهم بريطانيا بأن ينسوا أحلامهم و منحتهم جوائز ترضية عوضا عن المملكة الواسعة التي وعدوهم بها. فجعلوا عبدالله ملكا على الأردن و فيصل ملكا على العراق.
كانت فلسطين عام 1923 وطنا لعدة طوائف مسلمين و مسيحيين و يهود. لكن اليهود لم يكونوا يشكلون أكثر من 3% في أحسن الأحوال. و كان المسلمون يشكلون الأغلبية الساحقة من السكان.
كانت موجات الهجرة اليهودية بدأت قبل الحرب العالمية الأولى بعدة أعوام و قد تابع السكان العرب هذا الأمر بقلق بالغ. و قد تم مناقشة الموضوع في البرلمان العثماني عدة مرات لكن دون إقرار أي قوانين للحد من تلم الهجرة.
بلغ القلق حده عام 1917 مع صدور وعد بلفور، و ذكرت لجنة King Crane Commission الأمريكية في تقريرها بأن 85% من السكان الفلسطينيين الذين شملهم الإستطلاع كانوا ضد الهجرة الصهيونية.
مع ازدياد عدد المهاجرين و تمكن الوكالات اليهودية من شراء بعض الأراضي، انفجر الوضع و اندلعت أحداث عنف في عدة مدن تركت مئات القتلى من العرب و اليهود. و كان البريطانيين بعد كل موجة عنف يحاولون تهدئة الوضع و طمأنة العرب بكلمات فارغة.
كان اللوبي الصهيوني ينشط في لندن لمنع صدور أي قرار يحد من هجرتهم أو شرائهم للأراضي، و نجحوا في ذلك من خلال الرسالة الذي أصدرها رئيس الوزراء مكدونالد و التي قال فيها بأن بريطانيا لن تشكل عائقا.
كان الفلسطينيون منقسمون منذ ذلك الوقت فكان آل النشاشيبي و آل الحسيني يتنافسون على القيادة فيما بينهم. و على أية حال فلم يكن لدى النخبة الفلسطينية ما تقدمه سوى الخطب و التفاوض مع الحاكم البريطاني لحثه على تغيير سياساته دون جدوى.
استمرت الهجرة اليهودية دون توقف تحت أعين البريطانيين و قد ساهمت المجازر النازية في خلق آلاف اللاجئين اليهود، حتى بلغ الأمر أن أصبح اليهود يشكلون حوالي ربع سكان أرض فلسطين في نهاية عام 1935 أو ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل عقد من الزمن.
سئم أهل القرى الفلسطينية من فشل النخب في المدن الذين لم يكونوا يجيدون سوى الكلام كما قلنا، فبدأوا يلتفون حول دعوة إمام جامع الإستقلال في حيفا، الشيخ عز الدين القسام
كان القسام شيخا سوريا يدعو للكفاح المسلح في وجه القوات البريطانية و قد لاقت دعوته قبولا في أوساط الأهالي حيث بدأ رجال القرية بالتطوع للقتال و جمع المال من أجل شراء السلاح و الذخيرة.
لكن القسام اختفى فجأة بعد ذلك فتسائل الناس أين ذهب و ماذا حصل للأموال التي جمعت؟ و مرت الأيام و الأسابيع حتى استفاق الفلسطينيون على خبر اشتباك مسلح وقع قرب جنين استشهد فيه القسام مع أربعة من رفاقه و قتل فيه شرطي بريطاني.
كانت جنازة القسام مشهدا مهيبا حضره الآلاف و استمر قرابة أربعة ساعات، و شهد إشتباكات عنيفة مع القوات البريطانية. كما علق الصحفي الفلسطيني أكرم زعيتر بأن النخب السياسية قد غابت عن الجنازة و أن ذلك وصمة عار على وطنيتهم المزعومة.
بعد إستشهاد القسام حاولت النخب السياسية إستعادة المشهد و صارت تدعة للإضرابات لكن ذلك أضر بالإقتصاد الفلسطيني و لم يؤت أي نتيجة مفيدة. أما ملوك العرب فإكتفوا بإصدار بيان مشترك هزيل عام 1936 يدعون فيه الفلسطينيين للتوصل لحل سلمي بالتفاهم مع بريطانيا.
في ذلك الوقت كانت بريطانيا جلبت 20 ألف جنديا إضافيا لقمع الثورة كما أنشأت لجنة Peel Commission لأجل أن تبحث عن حل سياسي للأزمة. فاقترحت اللجنة منح اليهود 20 بالمئة من أرض فلسطين و أن تضم باقي الأرض إلى مملكة الأردن تحت حكم عبدالله الأول.
قبل اليهود و الملك عبدالله بالمقترح، لكن الفلسطينيون رفضوه لعدة أسباب
- اليهود حصلوا على الأراضي الزراعية و الساحلية
- رفض اقتراح الترانسفر أو سياسة النقل السكاني
- النظر بعين الريبة لأطماع الملك عبدالله الأول
و كان الرفض بمثابة إعلان حرب من الفلسطينيين على اليهود و بريطانيا.
- اليهود حصلوا على الأراضي الزراعية و الساحلية
- رفض اقتراح الترانسفر أو سياسة النقل السكاني
- النظر بعين الريبة لأطماع الملك عبدالله الأول
و كان الرفض بمثابة إعلان حرب من الفلسطينيين على اليهود و بريطانيا.
اندلعت الثورة الفلسطينية الكبرى و دامت ثلاث سنين استخدم فيها البريطانيين كل قوتهم لأجل قمعها لكنها لم تهدأ حتى وعدت بريطانيا الفلسطينيين بأن تحد من الهجرة اليهودية و شرائهم للأراضي، كما وعدتهم بالإستقلال. و لمن يريد القراءة عن هذه الثورة بتفصيل أكثر
ar.wikipedia.org
ar.wikipedia.org
نجحت بريطانيا بإخماد الثورة و استخدمت في ذلك أساليب لا تقل وحشية عما تفعله إسرائيل اليوم من قتل و إعتقال و تعذيب بل و حتى الإبعاد.
كان الفلسطينيون منهكون بعد إخماد الثورة، و اضطرت بريطانيا لسحب القوات التي جلبتها من أجل ذلك حيث كانت الحرب العالمية الثانية على الأبواب. فأصدرت بريطانيا White Paper عام 1939 و كانت بنودها كالتالي.
-تحدد الهجرة اليهودية ب15000 شخص سنويا لخمس سنوات قادمة.
-تتوقف الهجرة بعدها إلا بموافقة الفلسطينيين
-فرض قيود مشددة على شراء اليهود للأراضي
-تنال فلسطين استقلالها بعد عشر سنوات تحت حكومة يهودية عربية مشتركة
إذا كانت الورقة تدعو لقيام دولة مستقلة تضم العرب و اليهود معا.
-تتوقف الهجرة بعدها إلا بموافقة الفلسطينيين
-فرض قيود مشددة على شراء اليهود للأراضي
-تنال فلسطين استقلالها بعد عشر سنوات تحت حكومة يهودية عربية مشتركة
إذا كانت الورقة تدعو لقيام دولة مستقلة تضم العرب و اليهود معا.
رفض اليهود و العرب معا الورقة، لكن اليهود بقوا في صف يريطانيا لمواجهة النازيين. و ما لبثت تلك الحرب أن انتهت حتى انقلب اليهود على بريطانيا و بدأت عصاباتهم كالإرجن و الهاجانا بمهاجمة قواتها في فلسطين.
أدت الحرب العالمية الثانية إلى تضعضع القوة البريطانية في الشرق الأوسط، و بدأت حركات العصيان تظهر في دول كمصر و العراق. و قد لعبت إيطاليا و ألمانيا على هذا الوتر فدعمت الحركات الوطنية.
لم تكن فرنسا أفضل حظا، فاضطرت هي الأخرى إلى الإنسحاب من سوريا و لبنان بعد اىحرب العالمية الثانية و إن أبقت على بعض قواتها في شمال أفريقيا.
كما أسلفنا فقد انقلب اليهود على بريطانيا بعد الحرب و صارت عصاباتهم تهاجمها، بل إن رئيس إحدى تلك العصابات و يدعى أبراهام ستيرن كان قد عرض على ألمانيا النازية التعاون معا ضد بريطانيا لكن القوات البريطانية نجحت في قتله.
كانت الهجمات منظمة و قوية فنجحت العصابات في قتل اللورد موين في القاهرة سنة 1944 و قد كان أعلى مسؤول بريطاني يقطن في الشرق الأوسط حينها.
رغم تنوع أسماء العصابات إلا أنها كانت تنسق فيما بينها و كانت الهجمات إما سرقات بنوك أو إعتداءات على قوات و مصالح بريطانيا كالتفجير و القتل و الخطف. و كانت الوكالة اليهودية دائما تنكر أي صلة لها بتلك العصابات.
جاءت الهجمة الكبرى حين نجحت العصابات بتفجير فندق الملك داوود مقر سلطة الإنتداب البريطاني فقتل و جرح المئات، و طبعا استنكرت الوكالة اليهودية ذلك الفعل. و اشتدت المواجهة بين الطرفين حتى أنه حدثت أعمال عنف في بريطانيا ضد ممتلكات اليهود.
قررت بريطانيا تحويل مسألة فلسطين إلى الأمم المتحدة التي كانت أنشئت حديثا، فتم إرسال لجنة تقصي حقائق. رفض العرب التعامل مع اللجنة بينما كانت الوكالة اليهودية في أتم الإستعداد و طرحت قضيتها ببراعة.
اقترحت اللجنة تقسيم فلسطين و طرح القرار في مجلس الأمم و مر ب33 نعم و 13 لا و 10 امتناع و قد عمل الصهاينة بجدية لإنجاحه حتى قال الرئيس ترومان في مذكراته بأنه لم يتعرض لضغط و دعاية في حياته كما تعرض من أجل هذه القضية.
كان اليهود يدركون بأن العرب لن يمنحوهم تلك الأراضي فقط لأن القرار قد مر و أن عليهم أخذها بقوة السلاح و كانوا مستعدين لذلك، أما العرب فكانوا يدركون بأنهم إن أرادوا الحفاظ على أرضهم فإنه كان يتوجب عليهم هزيمة اليهود. فهل كانوا مستعدين لذلك؟
كانت أغلب الدول العربية قد نالت إستقلالها للتو، و كان الحكام حذرين جدا من الوقوع في مشكلة مع بريطانيا التي كانت أعظم دولة في ذلك الوقت. أما الفلسطينيين فكانوا تحت قيادة المفتي أمين الحسيني الذي كان منفيا في مصر، و قد كانت هناك عدة شخصيات فلسطينية تعتقد بأنها أحق منه.
لكن لم يكن الفلسطينيون وحدهم منقسمون، بل الدول العربية كذلك. فكانت الأردن الدولة الوحيدة التي أيدت قرار التقسيم رغبة من ملكها في ضم الأراضي التي ستمنح للعرب.
كان الفلسطينيون كما السوريون و السعوديون و المصريون ينظرون للهاشميين بعين الريبة لعلمهم أنهم كانوا يطمحون في البداية لإنشاء مملكة تضم كل أراضيهم، بالتالي كان الملك عبدالله في عزلة عن باقي العرب بإستثناء العراق التي كانت لا تزال تحت الحكم الهاشمي.
بدلا من أن ينسقوا معا، فضل العرب عدم إرسال جيوشهم إلى فلسطين و اكتفوا بإرسال المقاتلين المتطوعين و هكذا ولد ما يعرف بجيش الإنقاذ العربي.
كان جيش الإنقاذ يعمل تحت رعاية الحامعة العربية التي أنشئت للتو. فوضعوا جنرالا عراقيا يدعى إسماعيل صفوت في القيادة، فقام بتقسيم المعركة إلى ثلاث جبهات.
شمالية بقيادة سورية
جنوبية بقيادة مصرية
وسطى بقيادة فلسطينية
شمالية بقيادة سورية
جنوبية بقيادة مصرية
وسطى بقيادة فلسطينية
كان المقاتلون يملكون العزيمة و النية، لكن يفتقرون للتدريب و السلاح و الذخيرة على عكس العصابات اليهودية التي كانت مدربةو مسلحة بشكل جيد. رغم ذلك بدأ المقاتلون شن أولى هجماتهم عام 1947.
كانت الجبهة الوسطى تحت قيادة رجل يدعى عبدالقادر الحسيني. بعد أن بدأت القوات اليهودية هجومها على مدينة القدس عام 1948، ذهب الحسيني في زيارة إلى دمشق لطلب السلاح لكن السلطات السورية رفضت طلبه. و كان أن سقطت قرية القسطل خلال زيارته.
قال إسماعيل صفوت للحسيني إذا لم تكن قادرا على إستعادة القرية أخبرني كي أوكل المهمة للقاوقجي بدلا منك. و كان فوزي القاوقجي هو قائد الجبهة الشمالية التي تحت القيادة السورية كما ذكرنا.
إذا بات المشهد واضحا، دول عربية ضعيفة و منقسمة فيما بينها و خائفة من خوض الحرب حفاظا على مكتسبات الإستقلال، ترسل قوات غير نظامية رفعا للعتب. بل لم تكتفي بذلك فخذلت هؤلاء الشباب المتطوعين و لم تقدم لهم الدعم المطلوب و تركتهم يواجهون مصيرهم.
عاد الحسيني غاضبا إلى فلسطين و بدأ معركته لإستعادة القسطل غير آبها بخذلان الجامعة العربية له. كانت المعركة صعبة على قواته لكن خبرها انتشر في القرى المجاورة فجاءت تعزيزات المقاتلين لنجدته و نجح العرب بإستعادة القسطل، لكن الحسيني استشهد خلال المعركة.
دفن الحسيني في اليوم التالي و حضر جنازته في ساحة الأقصى آلاف المواطنين، و كان استشهاده خسارة كبيرة لا تعوض للمقاتلين العرب. و الأنكى من ذلك بأن نجحت العصابات اليهودية بإستعادة القسطل بعد 48 ساعة فقط من إستشهاده.
إذا نجح العرب في إستعادة القسطل لفترة وجيزة و استشهد الحسيني خلال المعركة و قد كان ذلك في يوم 8 إبريل، لكن شيئا آخر حدث في اليوم التالي 9 إبريل و كان له الأثر الأكبر في تحطيم روح المقاتلين.. كان ذلك الحدث هو مجزرة دير ياسين.
دير ياسين هي قرية فلاحية صغيرة تقع بالقرب من القدس و كان عدد سكانها حوالي 750 نسمة. و كان أهلها قد وقعوا معاهدة مع القادة اليهود في القدس لذلك لم يتوقعوا أبدا أن تتم مهاجمتهم.
رغم ذلك قررت العصابات اليهودية مهاجمة القرية و ذلك لأنها كانت تتبنى استراتيجية دفاعية و أرادت التحول للهجوم لبث الرعب في نفوس العرب و بث الأمل في نفوس اليهود. جاء اليهود في ساعات الفجر بمدرعاتهم و طائراتهم و دباباتهم في إستعراض لقوتهم العسكرية.
رغم تواجد قوات من جيش الإنقاذ في قرية عين كارم القريبة فلم يأتوا لنجدة القرية، و كذلك الأمر بالنسبة للشرطة البريطانية التي لم تتدخل لوقف الهجوم.
توقفت المذبحة عندما أمر أحد القادة بالتوقف، ثم تم أخذ الناجين و السير بهم في حارة اليهود بالقدس حيث تم إذلالهم بشكل مهين للغاية قبل أن يتم إطلاق سراحهم. و قد لاقت المذبحة إدانة عالمية لبشاعتها.
كعادتها قامت الوكالة اليهودية بإدانة المذبحة و أنكرت صلتها بالعصابات، كما بعثت برسالة إعتذار إلى ملك الأردن بحكمه المسؤول عن الفلسطينيين سياسيا، لكنه رفض الإعتذار و حذر من عواقب مثل هذه الأفعال إن تكررت.
أدت المذبحة إلى فرار مئات الآلاف من أهل القرى و المدن خوفا من نفس المصير، و صعد اليهود من هجماتهم فسقطت حيفا و يافا بعدها بأسبوعين، ثم بعدها بأسابيع قليلة كانت قد سقطت منطقة الساحل و الشمال بأكملها.
كانت حالة العديد من المدنيين الفارين بائسة للغاية، فقد كانوا مجرد فلاحين بسطاء. فجأة وجدوا نفسهم مشردين، ملابسهم متسخة و لا يملكون مالا أو بيتا، و لا يعلمون إلى أين يذهبون، و قد أهلكهم المرض و الجوع و لا يجدون من يدافع عنهم.
و بعد مرور شهر على المذبحة و في يوم 14 مايو بالتحديد، أعلن اليهود دولتهم إسرائيل على أنقاض القرى المهجرة التي منحتها لهم الأمم المتحدة ثم سيطروا عليها بقوة السلاح. أما بريطانيا، فأكملت إنسحابها من فلسطين في نفس اليوم.
كما ذكرنا سابقا كانت الدول العربية تخشى إرسال جيوشها إلى فلسطين لكي لا تضع نفسها في مواجهة مع بريطانيا. أما و قد حصل الإنسحاب إذا حانت ساعة الصفر. و فعلا في اليوم التالي ال15 من مايو إندلعت الحرب الأولى بين العرب و إسرائيل. و شاركت فيها كل من مصر، الأردن، لبنان، سوريا، و العراق.
كانت الجيوش العربية صغيرة و ضعيفة، و كانت بريطانيا تتحكم بتسليحها كمصر و الأردن و العراق. كما أن قادتها لم ينسقوا معا للهجوم، فذهب كل جيش يقاتل لوحده. لكن الشعوب لم تكن تدرك حجم المهزلة و كانت تؤمن بأن هذه الجيوش ستذهب لتحرر فلسطين.
كما كانت الخلافات العربية واضحة منذ البداية، فكانت نية الملك عبدالله ضم أراضي الضفة إلى مملكته معروفة للجميع منذ أن أيد قرار التقسيم. و كان السوريون يعلمون أنه يود لو كانت دمشق له أيضا، و كان الملك فاروق ينظر له كمنافس إقليمي، و كان الفلسطينيون يكرهونه لطمعه في أرضهم.
بنفس الوقت، كان المفتي أمين الحسيني يحاول فرض نفسه كقائد سياسي فلسطيني كباقي الملوك و الرؤساء لكن علاقته لم تكن على ما يرام مع أي من الدول العربية (و خصوصا الأردن و العراق) فلم يتحمسوا لقيام دولة يحكمها هو.
إذا ذهبت الجيوش العربية و لديها ثلاثة أهداف
- إحتواء محاولات التوسع الأردني
- منع قيام دولة يهودية في وسطهم
- عدم تمكين المفتي من إقامة دولة
أما اليهود فكان لديهم هدف واحد فقط، الدفاع عن دولتهم الوليدة.
- إحتواء محاولات التوسع الأردني
- منع قيام دولة يهودية في وسطهم
- عدم تمكين المفتي من إقامة دولة
أما اليهود فكان لديهم هدف واحد فقط، الدفاع عن دولتهم الوليدة.
لا تصدقوا دعاية الذئاب العربية التي هجمت على الحمل الإسرائيلي المسكين، فقد كان الجيش الإسرائيلي أكثر عددا و عتادا من الجيوش العربية التي جاءت لدحره. رغم ذلك فقد كانت المعارك حامية تلقى فيها الطرفان خسائر ثقيلة إلى أن توصلت الأمم المتحدة إلى هدنة في 11 يونيو أي بعد شهر من القتال.
كانت الهدنة لمدة 28 يوم و تم فرض حظر سلاح شامل على المنطقة. حاولت الدول العربية تعزيز مخزوناتها العسكرية لكن الغرب التزم بالحظر بشكل دقيق. أما إسرائيل فإستطاعت جلب شحنات سلاح من تشيكسلوفاكيا. فكان أن انتهت الهدنة و اليهود في حالة إستعداد جيدة عند إنتهاء الهدنة في 9 يوليو.
بدأ الجيش الإسرائيلي بقلب الطاولة على جميع الجبهات بفضل أسلحته ما أدى إلى نزوح آلاف الفلسطينيين فتدخلت الأمم المتحدة مرة أخرى لفرض هدنة و دخلت حيز التنفيذ في 19 يوليو و استمرت لثلاثة أشهر، و قبل بها العرب دون تردد حيث كانت ذخيرتهم قد نفدت تقريبا.
لم تكن الشعوب العربية تتوقع أن يدوم القتال كل هذه الفترة و لا أن تكون نتيجته كارثية بهذا الشكل، فقد نجحت العصابات في صد جيوشهم مجتمعة، فبدأ الرأي العام العربي يتململ من أداء حكامه.
بدلا من أن يتحمل الحكام مسؤولية الفشل، بدأوا بإلقاء اللوم على بعضهم. و صب المصريون و السوريون غضبهم على الملك عبدالله و اتهموه بأنه كان عميلا. بالحقيقة فإن هذه الخلافات سهلت مهمة اليهود كثيرا حيث أنهم كانوا يواجهون جيوشا منقسمة فانفردوا بها واحدة تلو الأخرى.
حاول مبعوث الأمم المتحدة برنادوت و هو من العائلة المالكة السويدية إنهاء الحرب فاقترح منح الأردن الضفة و النقب، أما اليهود فيمنحون الساحل و الشمال (الجليل) و آما القدس فتكون برعاية دولية. لكن محاولته فشلت حيث قامت إحدى العصابات اليهودية بإغتياله في القدس.
إذا سقط الحل السلمي و عادت الحرب مرة أخرى بعد إنتهاء الهدنة الثانية، و نجح الجيش الإسرائيلي في إحكام سيطرته على الجليل و إجبار القوات السورية و اللبنانية على الإنسحاب، فلم يتبق أمامه سوى الجيش المصري.
كان الجيش المصري محاصرا في قرية تدعى الفالوجة شمال غزة و كان من بين تلك القوات من سيشكلون حركة الضباط الأحرار لاحقا، فاجتمع العرب في 23 أكتوبر في العاصمة عمان لمناقشة ما آلت إليه الحرب و كيف يمكن إنقاذ الوضع، لكن كما قد تتوقع عزيزي القارئ فلم يؤدي ذلك الإجتماع لنتيجة.
إستطاع الجيش الإسرائيلي إجبار القوات المصرية على الإنسحاب و لم يكتفي ذلك بل ذهب أبعد من ذلك و إحتل سيناء. فاضطر الملك فاروق للإستنجاد بالإنجليز حسب المعاهدة التي وقعها معهم عام 1936.
تدخلت بريطانيا لفرض هدنة بين مصر و أسرائيل معلنة بذلك نهاية الحرب. و قد باتت إسرائيل بذلك تسيطر على تقريبا 80% من أرض فلسطين فلم يتبق سوى الضفة بيد الأردن و غزة بيد مصر. و قامت الأمم المتحدة بإجراء مباحثات مع جميع الدول العربية التي شاركت بالحرب لكي توقع على هدنة مع إسرائيل.
إذا كانت الحرب فشلا ذريعا و هزيمة نكراء، و استحق عام 1948 فعلا بأن يسمى عام النكبة. فقد ضاعت فلسطين، و ضاع حلم الدولة، و تشرد السكان و باتت الدولة اليهودية حقيقة في المنطقة.
شكلت النكبة صدمة كبيرة لجميع العرب الذين كانوا غاضبين من أداء قادتهم فقد رأوا مدى انقسامهم و فشلهم على أرض المعركة. فبدأ المثقفون يفتشون عن كيف يمكن إصلاح هذا الخلل الكبير، فتوصلوا إلى أن الوحدة العربية هي الحل و لكن عليهم إزالة الحكام الموجودين أولا.
كانت الشعوب قد فقدت الثقة تماما بحكامها بعد الحرب، فكانت تعتبرهم مجرد أدوات إمبريالية يلبسون و يتكلمون كأسيادهم المستعمرين الذين درسوا في جامعاتهم، و يتقاتلون فيما بينهم على مكاسب صغيرة ضمن الحدود التي رسمت لهم و نسوا الهدف الذي ثار العرب ضد العثمانيين لأجله و هو وطن عربي مستقل.
إذا قررت الشعوب بأن لا بد من الثورة و كان أن تدهور الوضع العربي بعد نهاية الحرب سريعا، في مصر تظاهر الإخوان المسلمين ضد النظام لفشله في المعركة فأمر رئيس الوزراء محمود النقراشي بحل الجماعة و القبض على قادتها و تجميد ممتلكاتها. و في ديسمبر 1948 تم إغتياله.
أما في سوريا في مارس 1949 حصل انقلاب عسكري أطاح بشكري القوتلي و جاء بالكولونيل حسني الزعيم، و كان الزعيم قد اقترح عقد صلح مع إسرائيل و توطين اللاجئين مقابل أن تقوم أمريكا بتطوير بلده. لكن أفكاره لم تعجب باقي الجيش، و بعد 150 يوم من استلامه الحكم تم الانقلاب عليه و إعدامه.
أما في لبنان فبدأ أنطون سعادة ثورة لقلب نظام الحكم عام 1949 لكنها دامت عدة أيام فقط قبل أن يتم إعتقاله و إعدامه. و حاول أحد أنصاره الرد فحاول إغتيال رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح عام 1950 لكنه فشل، إلا أن المحاولة الثانية نجحت في عام 1951 و كان ذلك في مدينة ماركا في الأردن.
أما في الأردن، فاغتيل الملك عبدالله في باحة ابأقصى خلال زيارة للقدس عام 1951 و كان ذلك بعد إغتيال الصلح بمجرد أربعة أيام. و قد قيل بأن المفتي الحسيني و الملك فاروق كان لهم يد بالموضوع.
إذا فقد انزلقت دول الطوق إلى العنف السياسي نتيجة هزيمة جيوشها، و تم استبدال الحرس القديم بوجوه عسكرية شابة تلقي خطابات نارية تلهب حماس الجماهير و تعدهم بالنصر المؤزر و أحلام الوحدة.
كانت فرنسا و بريطانيا بحاجة لإعادة إعمار بعد الحرب العالمية الثانية و لم يعد لهم نفوذ كما كان في المنطقة، إذا انتهى عصر الإمبريالية و بدأ عصر الحرب الباردة فأصبح السوفيت و أمريكا هما القوتين العظمى في العالم. فكما تم استبدال الحرس القديم في المنطقة، كذلك تم استبدال القوى العظمى.
كنا قد ذكرنا أنه كان من بين أفراد الجيش المصري الذي تمت هزيمته في حرب 1948 رجالا سيشكلون خلية الضباط الأحرار لاحقا. و لعل أشهرهم دون منازع هو جمال عبدالناصر.
في بداية الأمر كان تركيز الضباط الأحرار ضد الإنجليز و سيطرتهم على الحياة السياسية في مصر، لكن بحلول عام 1952 تحول تركيزهم إلى الملك فاروق نفسه و كيفية إسقاطه.
كان الملك يدرك نوايا الضباط الأحرار و تدخل لإلغاء إنتخابات نادي الضباط التي فاز فيها مرشحهم. أدرك الضباط الأحرار بأن قرار الملك كان بمثابة تحد لهم و أنهم إن لم يفعلوا شيئا فسيخسرون مصداقيتهم و ربما يجدون نفسهم في السجن.
قرر الضباط الإنقلاب على الملك و في صيف 1952 بينما كان أفراد الحكومة يمضون صيفهم في الإسكندرية داخل شاليهاتهم، تحركت الضباط و أحكموا سيطرتهم على مرافق العاصمة في ساعات الليل في 23 يوليو.
في صباح اليوم التالي، تلى أنور السادات بيان الإنقلاب على الإذاعة فخرجت جموع المصريين إلى الشارع تهتف تأييدا للثورة، و تنازل الملك فاروق لإبنه ابذي كان عمره 6 أشهر و غادر مصر حيث قضى باقي حياته في أوروبا و لكن جثمانه دفن في القاهرة.
ربما يتسائل البعض لماذا ترك الضباط الملك يغادر على يخته معززا بدلا من التنكيل به كما جرت العادة في الإنقلابات. الجواب أن عبدالناصر كان قد أخبر بريطانيا و أمريكا عن خطته، فوافقوا بشرط أن يتم نفي الملك مع إحتفال تكريمي.
إذا انتصرت الثورة و سقط الملك فهل كان الضباط يملكون خطة للحكم؟ هل كانوا مؤهلين للحكم أصلا؟ لا ثم لا. على أية حال كان أول قراراتهم إلغاء الألقاب الأرستقراطية التي كانت تتمتع بها الطبقة الإقطاعية مثل بيه و باشا، و تأميم ممتلكاتهم و أرضهم.
كما أنشأوا مجلس قيادة الثورة الذي قام بحل جميع الأحزاب مثل الإخوان و الوفد، و استبدلوها بنظام الحزب الواحد تحت مسمى هيئة التحرير. كما تم إلغاء النظام الملكي و تحول مصر إلى جمهورية.
تم إختيار الضابط محمد نجيب كأول رئيس لمصر، فكان أول رئيس مصري يحكم البلاد منذ العهد الفرعوني، و قد كان على خلاف مع عبد الناصر كما كان نجيب يكبره بحوالي 17 عام. و قد كان الخلاف بسبب أن نجيب يريد عودة العسكر لثكناته و عودة الحياة النيابية المدنية.
على أية حال بدأ النظام الجديد وضع خطط كبيرة لتحسين أوضاع المصريين مثل قانون الإصلاح الزراعي و مشروع السد العالي. لكن السد كان مشروعا يحتاج لمئات ملايين الدولارات، إذا ستضطر مصر إلى استدانة المبلغ من الغرب.
في عام 1954 توصل الضباط الأحرار بقيادة عبدالناصر إلى اتفاق مع بريطانيا يقضي يإنسحاب بريطاني عسكري من مصر خلال سنتين مع الإبقاء على 1200 خبير مدني في قناة السويس لمدة 7 سنين. إذا لم يؤمن الإتفاق إنسحابا كما كان يتمنى البعض.
كان نجيب يعتبر بأن عبدالناصر بدأ يتعدى على صلاحياته و بأنه مجرد رئيس صوري فبدأ ينتقد الإتفاق علنا. كذلك فعلت حركة الإخوان التي كانت غاضبة من عبدالناصر لحظرها. و في عام 1954 حاول الإخوان اغتيال عبدالناصر أثناء إلقائه خطابا إحتفاليا حول الإنسحاب البريطاني.
فشلت المحاولة و لم يصب عبدالناصر أصلا، لكنها شكلت الفرصة الذهبية له لكي يبرر إزاحة جميع خصومه. فتم عزل نجيب، و إعتقل آلاف الإخوان كما تم إعدام ستة منهم لضلوعهم في محاولة الإغتيال. و هكذا أصبح عبدالناصر حاكم مصر الأوحد دون منازع و لا شك أنه كان يملك زخما شعبيا كبيرا كذلك.
تسجيل صوتي لمحاولة الإغتيال و يمكن سماع صوت الرصاص عند الدقيقة 4:45 و ردة فعل عبدالناصر المنفعلة بعدها. و يحلو لأصحاب نظرية المؤامرة أن يقولوا بأن الأمر كان تمثيلية من أجل إزاحة الخصوم و ربما كانت كذلك من يعلم.
youtu.be
youtu.be
بعد أن عقد اتفاق الجلاء و قضى على خصومه، التفت عبدالناصر للملف الإسرائيلي و قد كان يعلم جيدا بأن جيشه لا يستطيع أن يهزم إسرائيل بوضعه الحالي، فطلب شراء السلاح من أمريكا. لكنها اشترطت عليه التوقيع على حلف عسكري معها و بريطانيا ضد السوفيت أولا.
رفض عبدالناصر فكرة الحلف لعلمه أنه سيسمح للغرب أن يعود إلى مصر ثانية، و في نفس الوقت نجح الغرب في تكوين حلفا مماثلا عرف بحلف بغداد ضم كل من العراق و تركيا و إيران و باكستان. لكن عبدالناصر ضغط لمنع أي من الدول العربية الأخرى من الإنضمام للحلف المذكور.
في نفس الوقت بدأت إسرائيل بالتحرش بنظام عبدالناصر، فتم كشف مخطط إسرائيلي سري لتفجير مصالح بريطانية و أمريكية داخل مصر عرف بإسم Lavon Affair. كما بدأت بتنفيذ توغلات داخل غزة نتج عنها إستشهاد العشرات من الجنود المصريين.
كان عبدالناصر في ورطة لعلمه بأنه عليه الرد على هذه الإستفزازات، لكنه يحتاج للسلاح كما أسلفنا. و بعد فشل محاولته مع أمريكا و بريطانيا، حاول تأمينه من فرنسا لكنها رفضت كذلك لدعمه الحركات الوطنية في شمال إفريقيا ضدها كما كانت إحدى حركات التحرر المغربية تتخذ من القاهرة مقرا لها.
إذا فشلت المحاولة مع فرنسا أيضا، فذهب عبدالناصر إلى دول عدم الإنحياز و نجح أخيرا بتأمين شحنة أسلحة تضم طيارات و دبابات متطورة. و بالطبع فلم يعجب هذا الأمر أمريكا و بريطانيا و فرنسا الذين باتوا ينظرون لعبدالناصر كخطر محتمل، و صاروا ينسقون ضده.
كنا قد ذكرنا مشروع السد العالي الذي يحتاج لمئات ملايين الدولارات، فعرضت أمريكا أن تقرض مصر المبلغ مقابل التعهد بعدم شراء المزيد من الأسلحة من السوفيت لكن عبدالناصر رفض فسحبت أمريكا دعمها للمشروع. غضب عبدالناصر كثيرا و قرر تأميم قناة السويس لأجل تمويل المشروع.
كانت قناة السويس شركة مسجلة في البورصة الفرنسية، و كانت الحكومة البريطانية أكبر مساهم في الشركة. إذا لن يكون تأميمها أمرا سهلا و بالتأكيد أنه سيسبب أزمة دولية. كان عبدالناصر يعلم ذلك جيدا لكنه غامر و فعلها، و أعلن تأميم القناة في إحدى خطاباته عام 1956.
نسقت بريطانيا و فرنسا و إسرائيل معا للرد عسكريا، فكان ما يعرف بالعدوان الثلاثي. و قد وضعت كل من بريطانيا و إسرائيل خلافاتهم القديمة التي حصلت أيام الإنتداب على جنب و اتحدوا نؤقتا للقضاء على عدوهم المشترك.
فكان اتفاقهم أن تعتدي إسرائيل على مصر أولا، ما سيعرض حركة الملاحة البحرية إلى خطر فتطالب بريطانيا و فرنسا وقف الحرب للحفاظ على سلامة الحركة. و سيتم تجاهل الطلب فيضطرون للتدخل و تأمين القناة عسكريا.
و بدأت إسرائيل هجومها و قامت بريطانيا وفرنسا بطلب وقف الحرب حفاظا على حركة الملاحة البحرية، لكن الحرب لم تكن وصلت قناة السويس بعد فبدا طلبهم مريبا و انكشفت الخطة. و في نفس الوقت كانت أمريكا غاضبة جدا بأنها لم تكن تعلم عن هذه الخطة المتهورة التي وضعها حلفائها.
حاولت أمريكا وقف الحرب لكن فرنسا و بريطانيا كانوا يستخدمون حق الفيتو ضد قراراتها في مجلس الأمن، و سرعان ما تطورت الأمور فبدأ السوفيت بالتلويح أنهم سيتدخلون عسكريا لصالح مصر. و عندها هددت أمريكا حلفائها بطردهم من الناتو و كذلك بيع الأصول المالية ما سيهوي بعملاتهم.
نجحت التهديدات و رضخ الحلفاء فتم التوصل إلى هدنة و انسحبت القوات المعتدية في عام 1957. لقد كانت الحرب هزيمة عسكرية لعبدالناصر و نصرا سياسيا بنفس الوقت، فقد نجح في تأميم القناة ما زاد شعبيته محليا و عربيا. و على العكس، فقد شكلت نصرا عسكريا للحلف الثلاثي و هزيمة سياسية.
ففي إسرائيل، عززت الحرب من صورة الكيان الغاصب المعتدي المرتبط بقوى الإمبريالية في ذهن الشعوب العربية. كما اضطرت إسرائيل لسحب قواتها من الأراضي التي كانت احتلتها خلال العدوان.
أما فرنسا فأدركت بأنها خسرت العالم العربي و أن أيامها في شمال إفريقيا باتت معدودة. فتخلت عن العرب و باتت حليفة إسرائيل. فعملت على تسليحها و ساهمت بشكل كبير في إتمام برنامجها النووي.
أما بريطانيا فكانت أكبر خاسر من الحرب، فقد كانت هناك معارضة محلية كبيرة للحرب أدت إلى العديد من الإستقالات من الحكومة و من ضمنها رئيس الوزراء أنثوني إيدن. و كتب الراحل هيكل أنه لم يعد بإمكان أي حاكم عربي أن يكون صديق بريطانيا بعد اليوم، لقد خسروا العرب بسبب القناة.
إذا زادت نجومية عبدالناصر في الوطن العربي، و صارت كلماته تبث عبر الراديو إلى جميع الدول عبر إذاعة صوت العرب، فصارت الشعوب تراه قائداً سيوحد الأمة و يهزم الأمبريالية و يعيد الأمجاد، بإختصار لقد كانوا يظنون أنه فارس أحلامهم الذي سينقذهم و ينهض بهم.
لم تكن خطابات عبدالناصر تعجب الشعوب وحدها بل كانت تعجب بعض الأحزاب و المسؤولين كذلك، و منها حزب البعث في سوريا. فكان أن ذهب وفد عسكري سوري إلى مصر ليبحث فكرة اتحاد الدولتين دون إذن الحكومة.
لم يمانع عبدالناصر الفكرة و لكن بشروط
- أن يكون اتحادا كاملا و ليس فيدراليا
- الحكومة و قيادة الجيش في القاهرة، أي أن مصر هي صاحبة القرار
- حل جميع الأحزاب السياسية السورية
و لا شك أن شروطه كانت قاسية و مجحفة.
- أن يكون اتحادا كاملا و ليس فيدراليا
- الحكومة و قيادة الجيش في القاهرة، أي أن مصر هي صاحبة القرار
- حل جميع الأحزاب السياسية السورية
و لا شك أن شروطه كانت قاسية و مجحفة.
عرض الوفد العسكري شروط عبدالناصر على الحكومة فكان عدد من الوزراء غير متحمسا لها و أرادوا التفاوض مع مصر لتحسينها إلا أن عبدالناصر رفض، فتدخل الجيش السوري و قال للحكومة إما أن توافقوا و إما السجن. فكان أن عقد الاتفاق عام 1958 و ولدت الجمهورية العربية المتحدة.
أما في الأردن، فاستلم الملك حسين الحكم عام 1952 بعد اغتيال والده و كان عمره 23 سنة. و كان هدفا سهلا لإذاعة صوت العرب التي كانت تهاجمه بشكل مستمر و تدعو الأردنيين إلى إسقاطه. و كان عبدالناصر يعادي الملكيات و يعتبر بأن الأنظمة الجمهورية هي أكثر تقدما.
حاول الملك حسين النأي بالشبهات عن نفسه، فلم ينضم لحلف بغداد كما قام بإعفاء قادة جيشه الإنجليز و أشهرهم Glubb Pasha. و في عام 1957 نجح في إلغاء الإتفاقية الأردنية البريطانية منهيا بذلك السلطة التي كان تمارسها بريطانيا على الأردن بفضله.
بلغت الجرأة بالملك أن سمح للناصريين بالدخول في الحكومة الأردنية و كان ذلك بعد فوز الأحزاب اليسارية في أول إنتخابات برلمانية تجريها الأردن في عام 1956. فكان أن عين رئيس الحزب الإشتراكي سليمان النابلسي كرئيس للوزراء.
أدرك الملك خطأه عندما بدأ يشعر بأن ولاء الجيش أصبح يميل لرئيس الوزراء أكثر منه، و كان أن أمر النابلسي بالإستقالة بعد ستة أشهر فقط من تكليفه. كما بدأ حملة لتطهير الجيش من أصحاب الفكر الناصري فكانوا إما يعتقلون أو يبعدون.
أدت تحركات الملك إلى تصعيد الدعاية الناصرية ضده، فلجأ إلى أخيه فيصل في العراق حيث قاموا بإنشاء الإتحاد الهاشمي العربي في عام 1958. و كان إتحادهم أشبه بمجلس تعاون أو فيدرالية لتنسيق المواقف الخارجية و العسكرية، على عكس إتحاد مصر و سوريا الذي كان دمجا و انصهارا تاما.
و كان يجمع الأردن و العراق عدة عوامل سهلت من قيام الإتحاد
- الحكم الهاشمي
- الرعاية البريطانية
- الحدود المشتركة
على أية حال فقد تحالف الملك حسين مع العراق التي كانت مركز حلف بغداد البريطاني، بالتالي كان أعلن انضمامه رسميا للمعسكر الغربي في وجه المعسكر الناصري.
- الحكم الهاشمي
- الرعاية البريطانية
- الحدود المشتركة
على أية حال فقد تحالف الملك حسين مع العراق التي كانت مركز حلف بغداد البريطاني، بالتالي كان أعلن انضمامه رسميا للمعسكر الغربي في وجه المعسكر الناصري.
نتكلم الآن عن لبنان.. كانت لبنان يحكمها ميثاق وطني على أساس طائفي تم وضعه 1943، لكن مع حلول عام 1958 بدأ المسلمون يشعرون بأنهم الأكثرية، و لم تكن تعجبهم سياسة الرئيس المسيحي كميل شمعون التي كانت تتبع الغرب و كانوا يفضلون أفكار عبدالناصر و تمنوا انضمام لبنان للجمهورية المتحدة.
استنجد شمعون بأمريكا سريعا، و تم عقد اتفاقية تضمن تدخل عسكري أمريكي في حال استدعى الأمر. و تشكلت جبهة معارضة قوية لشمعون في الإنتخابات البرلمانية بسبب سياساته. رغم ذلك فاز المرشحون الموالون لشمعون بالأغلبية وسط اتهامات واسعة بالتزوير و الفساد.
لجأ المعارضون لشمعون للعنف، فبدأت المظاهرات و التفجيرات و الإغتيالات في بيروت. فبدأت أمريكا تعد العدة للتدخل بعد أن بات لبنان على وشك السقوط في يد المعسكر الناصري.
في هذه الأثناء كانت مجموعة من الضباط الأحرار تخطط للإنقلاب في العراق على الملكية التي كانت بنظرهم مجرد أداة بريطانية. جاءت الفرصة عندما كانت وحدات الجيش العراق مشغولة في الأردن لحمايته من الخطر الناصري. و في يوليو 1958 تم تلاوة بيان الإنقلاب عبر الإذاعة من الجنرال عبدالسلام عارف.
على عكس الملك فاروق في مصر، لم تحظى الأسرة المالكة في العراق بالتكريم و فرصة المغادرة. بل تم إعدامهم و سحلهم في الشوارع، و نال رئيس الوزراء نفس المصير. و تم تحطيم التماثيل و حرق المراكز، فكان إنقلابا دمويا بإمتياز. و امتدت أعمال الإنتقام إلى كل من كان له علاقة بالنظام القديم.
فلو كان هناك صحفيا مؤيدا للنظام أو عمدة مدينة أو رئيس مخفر فإنه كان يتم إستهدافه من قبل الجماهير، و قد تم اقتياد المعتقلين من أعضاء النظام القديم و وضعهم في سجن أبو غريب الشهير.
فرحت المعارضة اللبنانية بخبر الإنقلاب، و اعتبروا أن ذلك سيقوي من موقفهم في وجه شمعون. أدرك شمعون ذلك و استدعى القوات الأمريكية بعد ساعتين من سماعه الخبر، فكان أن وصل المارينز إلى سواحل بيروت في اليوم التالي.
بقي المارينز لثلاثة أشهر في لبنان و غادروا دون إطلاق رصاصة واحدة، و ساهم حضورهم في عودة الاستقرار و تم انتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب كرئيس جديد و تشكيل حكومة حيادية تحت شعار لا غالب و لا مغلوب، إذا فشلت محاولة ضم لبنان لمعسكر الوحدة.
في الأردن تكررت التجربة فاستدعى الملك القوات البريطانية و الأمريكية لحماية نظامه الذي بات معزولا، و كان الغرب قلقا بعد نجاح الانقلاب في العراق فلبى الدعوة سريعا. إذا لينسى عبدالناصر فكرة ضم الأردن إلى جمهوريته أيضا.
إذا لم يبق ألا العراق التي كانت الشعوب تظن أنها ستنضم للجمهورية العربية بعد نجاح الانقلاب، لكنها لم تفعل مما شكل خيبة أمل كبيرة. كما اختلف قادة الانقلاب العراقيون فيما بينهم حتى أنه تم اعتقال و إعدام عبدالكريم قاسم الذي كان أحد الضباط المشاركين و أول رئيس وزراء بعد الانقلاب.
إذا يمكن تلخيص المشهد كما يلي.. جيوش تنقلب على حكامها وسط تصفيق الشعوب ثم تبقى متمسكة بالسلطة بدلا من العودة إلى ثكناتها، و في المقابل حكام يستنجدون بالغرب خوفا من أن تنقلب الجيوش عليهم. إذا لم تنجح فكرة الوحدة كما حلم البعض و بات على الجماهير المؤمنة بها أن تستعد لخيبة جديدة.
تصحيح: بعد اغتيال جده عبدالله و ليس والده، و كان والده طلال قد استلم الحكم لمدة سنة قبل أن يتنحى لأسباب صحية فانتقل بعدها لحسين
كانت علامات التشقق بدأت تظهر في الجمهورية العربية المتحدة بعد عامين فقط لعدة أسباب
- لم يروق للسوريين أن تدار شؤونهم السياسية و العسكرية من مصر
- غضب النخبة السورية لتأميم أراضيها
- البيروقراطية المصرية الزائدة
- إقصاء السوريين من المناصب الحكومية و حل جميع أحزابهم السياسية
- لم يروق للسوريين أن تدار شؤونهم السياسية و العسكرية من مصر
- غضب النخبة السورية لتأميم أراضيها
- البيروقراطية المصرية الزائدة
- إقصاء السوريين من المناصب الحكومية و حل جميع أحزابهم السياسية
إذا شعر السوريون بأنهم باتوا تابعين و ليسوا متساوين، أو مواطنين درجة ثانية. و زاد من تذمرهم تعيين المشير المصري عبدالحكيم عامر كرئيس للحكومة السورية. و قد كان المشير عامر سكيرا و غير مؤهلا للقيادة، لكن صداقته الحميمة بعبدالناصر سمحت له بتبوأ عدة مناصب عليا في حياته.
كانت إدارة عبدالناصر و رفيقه المشير للشأن السوري سيئة للغاية، و أدى ذلك إلى إستياء عدد من السوريين في الحكومة و تقديم استقالاتهم. و بدلا من الإدراك بأن هناك خلل ينبغي إصلاحه، زاد عبدالناصر من تسلطه و ألغى الحكومة السورية تماما عام 1961 و صارت الأمور تدار من القاهرة مباشرة.
لم يتحمل الجيش السوري الإهانة أكثر من ذلك فانقلب على عامر و أمر بطرد جميع السوريين من مصر و كان عددهم حوالي 30 ألف ما بين عسكري و موظف حكومي و عامل. إذا انتهى مشروع الوحدة بعد ثلاث سنوات فقط من إنشائه على يد الجيش الذي كان صاحب الفكرة أصلا.
كانت ردة فعل عبدالناصر الأولى أن يأمر جيشه بقمع الإنقلاب لكنه أظهر بعض الحكمة و عاد عن قراره حقنا للدماء. و كان هذا أول فشل كبير له لكنه بدلا من أن يعترف أنه كان بسبب أسلوب إدارته الإستعلائي للسوريين، فضل أن يلقي باللوم على السعودية و الأردن و الغرب لإفشال خططه.
قرر عبدالناصر أن ينضم رسميا للمحور السوفيتي فأعلن تبني النظام الإشتراكي في مصر و أعلن دستور جديد و قدم الميثاق الوطني فزادت وتيرة التأميم و تم التركيز على تطوير الزراعة و الصناعة. و في عام 1962 نالت الجزائر استقلالها، فوجد عبدالناصر فيها حليفا جديدا يعوض به عزلته المتزايدة عربيا.
كان عبدالناصر على علاقة سيئة بمعظم جيرانه الملكيين و كان من بينها اليمن التي كان حاكمها الإمام أحمد يرفض الإشتراكية. و بعد موت الإمام 1962 انقلب الجيش على ابنه البدر و تم إعلان الجمهورية العربية اليمنية. و بالطبع فقد فرح عبدالناصر لهذا الخبر و أعلن دعمه الكامل للنظام الجديد.
بدأ أنصار الإمام المخلوع ثورة على الإنقلابيين بدعم سعودي سخي كما قدمت لهم بريطانيا دعما سريا. أرسل عبدالناصر جيشه لقمع الثورة، و في عام 1965 كان بلغ عدد الجنود المصريين في اليمن 70،000 أي نصف الجيش. و كانت اليمن الفشل الثاني لعبدالناصر بعد تفكك الوحدة مع سوريا.
إذا كان الجيش المصري في الستينات مشغولا في وضع فيتنامي باليمن ما استنزفه كثيرا سواء ماديا أو معنويا، لكن في عام 1967 حصل اشتباك جوي بين إسرائيل و سوريا نتج عنه إسقاط ست طائرات سورية. و قام السوفيت بعدها بنقل معلومات لعبدالناصر تفيد بأن الجيش الإسرائيلي بات يستعد لغزو سوريا.
لم تكن المعلومات السوفيتية صحيحة، و ربما كانوا يرغبون في جر مصر للحرب كي تدافع عن سوريا التي كانت ضمن معسكرهم حسب تقسيمات الحرب الباردة. مهما كانت الدوافع السوفيتية، فقد نجحت الخدعة و كان أن أمر عبدالناصر جيشه بالذهاب للجبهة عند قناة السويس.
كنا قد ذكرنا بأن الجيش كان مشغولا في اليمن، فاضطر عبدالناصر لإستدعاء إحتياطه و جهز لهم استعراضا عسكريا فساروا في شوارع القاهرة أمام حشود المشجعين و الإعلام الدولي الذي غطى الإحتفال بالصوت و الصورة. و ربما ظن عبدالناصر أن هذا المشهد سيخيف إسرائيل.
في الحقيقة فقد كانت إسرائيل تبذل جهود حثيثة كي تبني ترسانتها و جمع المعلومات الإستخباراتية بصمت عبر سنوات، بينما كان عبدالناصر يعرض خطته العسكرية و عدد جنوده و دباباته للعالم كله على شاشات التلفاز. و قد كانت الجماهير العربية الساذجة تظن فعلا بأن تلك القوات ذاهبة لتحرير القدس.
اصطدمت القوات المصرية بقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في سيناء و التي تم وضعها نتيجة حرب 1956 بعد العدوان الثلاثي. فطلب عبدالناصر من الأمم المتحدة بسحب قواتها و قبلت بذلك.
إذا بات الجيش المصري يقف على الجبهة دون أي عازل بينه و بين إسرائيل، لكن قرار الحرب جاء عندما أغلقت مصر مضيق تيران في وجه السفن الإسرائيلية و ناقلات النفط المتجهة إلى إيلات. هنا قدم عبدالناصر مبررا لإسرائيل ببدء عدوانها بحجة تهديد حركة ملاحتها.
كانت الشعوب العربية تنتظر تلك الحرب، فقد كانت تشعر بالمرارة بعد هزيمة 1948 و 1956 و تريد أن ترى إسرائيل مذلولة. و بسبب قوة الدعاية الناصرية فقد كانت الشعوب تؤمن بأن جميع العوامل أصبحت مهيئة للنصر.
بدأ الإسرائيليون هجومهم المفاجئ صباح يوم 5 يونيو فشنوا هجوما جويا واسعا دمر 85% من الطائرات المصرية، و ألحق أضرارا جسيمة بالدفاعات الجوية و الرادارات و لا سيما المطارات العسكرية أيضا. استغرق الأمر حوالي ثلاث ساعات فقط كانت كافية لهزيمة مصر تماما.
تكرر الأمر في سوريا و الأردن فدمر سلاح الجو فيها كذلك في ظهر نفس اليوم. إذا باتت إسرائيل تواجه جيوشا برية فقط ما سهل عليها المهمة كثيرا.
استطاعت إسرائيل احتلال قطاع غزة التي كانت في حينها تحت حكم مصر و توغلوا في سيناء، فأمر المشير عامر قواته بالإنسحاب لإعادة التمركز لكن الطيران الإسرائيلي لحق بالقوافل المنسحبة و دمرها بشكل مثير للشفقة.
تكرر الأمر في الضفة الغربية التي كانت لاتزال تحت حكم الأردن، فدمر الطيران الإسرائيلي قوافل الجيش الأردني و سيطر على كامل الضفة بما فيها القدس. و كذلك في سوريا حيث استطاعوا احتلال الجولان. إذا فقد تضاعفت مساحة إسرائيل ثلاث مرات نتيجة الحرب التي استغرقت ستة أيام فقط.
في هذه الأثناء كان الإعلام العربي و المصري تحديدا يبث أخبارا فانتازية عن إسقاط الطائرات الإسرائيلية و وصول القوات إلى تل أبيب و كان هذا كله يتم برعاية و توجيه عبدالناصر طبعا. و لم يفوت الإعلام الفرصة لإلقاء اللوم على أمريكا و بريطانيا بأنهم يشاركون إلى جانب إسرائيل في العدوان.
صدقت الشعوب تلك الأخبار الكاذبة فاحتفلت و صفقت كثيرا إلى أن ألقى عبدالناصر خطابا يوم 9 يونيو يعترف بالنكسة كما أسماها و بأنه يتحمل المسؤولية معلنا إستقالته. و أصر على تحميل سبب الهزيمة للمؤامرة الأنجلو-أمريكية على المنطقة. و لا شك بأن الخبر أدى لصدمة كبيرة في العالم العربي.
رغم ذلك خرج الشعب المصري متظاهرا ليرفض الإستقالة، فقبل عبدالناصر و بقي في الحكم إلى وفاته. لكن الهالة التي كانت حوله فيما قبل كانت قد تحطمت تماما و أي أحلام بنتها الجماهير العربية حوله كانت قد تبددت. إذا تم إضافة فشل جديد لسجل عبدالناصر الذي كان حافلا بالنكسات.
لا شك أن سقوط عبدالناصر المدوي جعل بعض أعدائه الإقليميين يتنفسون الصعداء، لكن كما كان قد حصل بعد هزيمة 1948 فقد جاء وقت حساب الأنظمة، و كان على العالم العربي أن يستعد لموجة جديدة من الانقلابات و الثورات.. و كله بإسم فلسطين و مقارعة الإمبريالية طبعا.
قبل ختام الحديث عن حرب 1967 بقي أن نذكر بأنها شكلت نقطة تحول حقيقية في العلاقة بين إسرائيل و أمريكا. فقد قدم الرئيس جونسون دعما قويا لإسرائيل كونه يريد هزيمة المعسكر الناصري الذي كان محسوبا على السوفيت.
و أدى ذلك الدعم العلني إلى قطع أغلب الدول العربية علاقتها الدبلوماسية مع أمريكا و لم تلتزم تونس و لبنان و الكويت و السعودية بتلك المقاطعة. كما انتهت جميع قنوات التصال العربية مع إسرائيل سواء كانت علنية أو سرية.
و عقدت قمة عربية في الخرطوم في سبتمبر 1967 نتج عنه اللائات الثلاثة: لا اعتراف، لا تفاوض، لا تطبيع. و في نوفمبر من نفس العام صدر قرار الأمم المتحدة رقم 242 الشهير الذي يدعو لإنسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في الحرب الأخيرة و قد وافقت الأردن و مصر على القرار، و رفضه باقي العرب.
و كان القرار 242 بمثابة إنهاء لحلم إسمه فلسطين، فكان يدعو أن تعود غزة لمصر و الضفة للأردن و الجولان لسوريا و تستمر الحياة. أما اللاجئين فهم عرب و ليسوا فلسطينيين بنظر الغرب، و بالتالي يمكن استيعابهم في الدول العربية مع مرور الزمن.
كان الخاسر الأكبر من الحرب هم الفلسطينيين، فقد خسروا مزيدا من أرضهم و زاد عدد اللاجئين و لازالوا بلا دولة معترف بها. فقرروا أخذ زمام الأمور من جديد و بدء مرحلة جديدة من النضال المسلح ليس فقط ضد إسرائيل بل ضد أي نظام عربي يحاول أن يقف في طريقهم.
أوجد ياسر عرفات و رفيقه صلاح خلف أول كنظمة فلسطينية و كان ذلك في الكويت عام 59 فكانت ولادة حركة فتح. و في عام 64 أنشأت الجامعة العربية منظمة التحرير الفلسطينية و وضعت أحمد الشقيري رئيسا لها. كما تم عقد أول جلسة للمجلس الوطني الفلسطيني في نفس العام.
شعرت فتح بأن المنظمة هي وسيلة أخرى يحاول من خلالها العرب التحكم بالفلسطينيين فقرروا شن هجمات عسكرية على إسرائيل لسرقة الأضواء، لكن أول محاولة لهجوم ثلاثي في عام 64 فشلت بعد أن علمت بها السلطات المصرية و الأردنية و اللبنانية فتم منع المهاجمين من التنفيذ و اعتقالهم.
استمرت فتح بتنفيذ هجمات ضد إسرائيل من الدول العربية، كما بدأت يإصدار البيانات النارية المليئة بالحماس و الشعارات الرنانة. و قد كانت الدول العربية تحاول قمع فتح في البداية، و لكن بعد هزيمة 67 صارت تتغاضى عن نشاطها فزادت حرية التحرك.
أنشأت فتح مقرا لها في غور الأردن، و في عام 68 خاضت معركة الكرامة بجانب الجيش الأردني ضد القوات الإسرائيلية التي أتت لسحقها. و استطاعت صد الهجوم رغم الخسائر، و تم تضخيم الحدث إعلاميا فتحمست لها الجماهير و بدأت التبرعات و المتطوعين بالتدفق.
و كان قد صرح رئيس الأركان الإسرائيلي بارليف بأن إسرائيل فقدت آليات خلال المعركة تعادل ثلاث أضعاف ما فقدته خلال حرب 67، و لعل المعركة كانت درسا مصغرا للعرب عما يمكنهم فعله إذا اتحدوا و قاتلوا معا.
على أية حال قدم الشقيري استقالته بعد هزيمة 67 و تم انتخاب ياسر عرفات رئيسا للمنظمة عام 69 و قد ظل محتفظا بالمنصب حتى وفاته كما يفعل جميع حكام المنطقة. إذا أصبحت المنظمة تحت قيادة فتح لكن بعض أعضاء المنظمة لم يعجبهم ذلك.
كان الدكتور جورج حبش أحد هؤلاء الأعضاء، و قد كان مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين و قد كانت حركة شيوعية. كان حبش يعتبر بأن فتح فاسدة و عميلة للأنظمة العربية. و بينما كانت فتح تركز على شن هجمات ضد الداخل الإسرائيلي، فضلت الجبهة أن تخطف الطائرات مي تلفت نظر العالم للقضية.
في الحقيقة لم تكن هجمات فتح تضر بإسرائيل كثيرا فكان المهاجمون عادة يقتلون أو يعتقلون، أما حوادث اختطاف الطائرات التي نفذتها الحبهة في عام 68 و 69 فلم تنجح إلا في تكريس صورة الفلسطينيين كإرهابيين في الرأي العام العالمي كما كانت تضر بالدول المستضيفة للجبهة.
في عام 68 قصفت إسرائيل مطار بيروت ردا على اختطاف الجبهة لإحدى طائرات خطوط العال، فتم تدمير 13 طائرة تابعة لخطوط الشرق الأوسط اللبنانية. بالتالي حاولت السلطات اللبنانية التضييق على الفصائل الفلسطينية التي تعمل على أرضها، فاندلعت مواجهات عنيفة بين الطرفين.
تدخل عبدالناصر لتهدئة الأوضاع فتم التوصل في عام 69 لإتفاق القاهرة الذي منح الفصائل حرية العمل في الأراضي اللبنانية كما منحها السلطة على جميع المخيمات الفلسطينية، و لا شك بأن هذه البنود شكلت إنتهاكا كبيرا للسيادة اللبنانية.
أما في الأردن، فصارت الفصائل الفلسطينية تستعدي الجيش و تدعو لقلب النظام. كما صارت تنفذ هجمات داخل عمان كخطف مسؤولين و مدنيين غربيين. و قد دفعت تلك الممارسات الملك حسين أن يرسل جيشه لقمع المخيمات لكن سرعان ما توصل الطرفان إلى هدنة.
في عام 70 قامت الجبهة بخطف طائرة يونانية و طالبت بإطلاق سراح أحد أعضائها الذي كان محتجزا في اليونان و يدعى محمود عيسى. تمت الصفقة و عاد عيسى للأردن حيث استقبل كالبطل علما بأن سبب اعتقاله كان لاختطافه طائرة للعال في عام 68.
جاءت المهمة الجديدة لعيسى سريعا فكلف بتجهيز مدرج مهجور يقع في العاصمة الأردنية، لكي يستقبل عدة طائرات كانت تنوي الجبهة خطفها. و سمي الموقع الذي تم إختياره بمطار الثورة.
بدأت عمليات الإختطاف في سبتمبر عام 70 فنجحت الجبهة في خطف طائرة خطوط TWA كانت متجهة من فرانكفورت لنيويورك، و طائرة swissair كانت متجهة من زيوريخ إلى نيويورك و أجبروها على الهبوط في المطار الذي كان قد جهزه عيسى.
أما الطائرة الثالثة، فلم ينجح الخاطفون بصعود طائرة العال فخطفوا طائرة خطوط pan am بدلا منها. لكن الطيار رفض الهبوط في المدرج المهجور لصغر حجمه، فحولت الطائرة لبيروت حيث قامت الجبهة بتفخيخها. بعدها تحولت مرة أخرى إلى القاهرة حيث تم إنزال الطاقم و الركاب و من ثم تفجيرها.
و فشلت محاولة إختطاف لطائرة رابعة لخطوط العال بعد السيطرة على المهاجمين و كان من بينهم ليلى خالد. فتم خطف طائرة تتبع خطوط boac البريطانية من البحرين و إجبارها على الهبوط في المدرج المهجور لتصبح بذلك ثلاث طائرات تحتجزها الجبهة على الأراضي الأردنية.
نود التنويه بأن منفذي عمليات الإختطاف لم يكونوا جميعا فلسطينيين، فكانت الجبهة تضم أجانب متعاطفين مع القضية كذلك. و كان عضو من نيكاراغوا يدعى باتريك أرغويل قد قتل في محاولة الإختطاف الرابعة الفاشلة التي اعتقلت ليلى خالد نتيجتها.
لا شك بأن الحادثة أصبحت محط أنظار العالم و الصحافة أجمع، و من ثم بدأت الجبهة بتلاوة مطالبها من أجل إطلاق سراح الرهائن فكانت عبارة عن قائمة من الأسماء لمعتقلين تود الجبهة إطلاق سراحهم. و إذا لم تتم الإستجابة فسيتم تفجير الطائرات.
لم تنجح المفاوضات لكن الجبهة حاولت تلطيف صورتها فأطلقت سراح الأطفال و النساء، ثم نقلت بقية الرهائن لفندق كانت سيطرت عليه في عمان. و بعد أن تم إفراغ الطائرات من الركاب تم وضع شحنات ناسفة بأسفلها و تفجيرها أمام شاشات العالم.
أمر الملك حسين جيشه بسحق الفصائل الفلسطينية دون أن يميز بين جبهة أو فتح أو غيرها، إذا بعد عامين فقط من معركة الكرامة الجميلة لم يعد العمل الفلسطيني العسكري مقبولا على أرض الأردن. و لا شك بأن مسؤولية تدهور الأوضاع كانت تقع على الفصائل الفلسطينية بشكل رئيسي.
عرفت الحرب بين للجيش و الفصائل بأحداث أيلول الأسود، و سرعان ما تدهور الوضع أكثر فلوحت العراق و سوريا بالتدخل لصالح الفلسطينيين. و كان ذلك يندرج ضمن أجواء العداء الموجودة أصلا بين الجمهوريات السوفيتية و الملكيات الغربية في المنطقة.
حاول عبدالناصر عقد صلح عربي في القاهرة ليقطع الطريق على أي تدخل غربي، و بالفعل نجح في التوصل لوقف اطلاق نار كما تم إطلاق سراح الرهائن لدى الجبهة كما أطلقت بريطانيا سراح بعض معتقلي الجبهة. و كانت العاصمة عمان قد تضررت كثيرا بفعل المعارك ناهيك عن سقوط آلاف القتلى من الطرفين.
و بعد أن غادر الملك حسين و ياسر عرفات القاهرة، عاد عبدالناصر لمنزله حيث أصيب بسكتة قلبية فتوفي في نفس اليوم. و قطعت الإذاعة المصرية برنامجها لتبث بعض الآيات القرآنية ثم جاء خبر وفاة الرئيس على لسان نائبه أنور السادات.
حزن الكثير من المصريين و العرب فقد كان بعضهم لايزال تراوده أحلام الوحدة و القومية رغم جميع النكسات التي حلت بالأمة العربية، لكن وفاة عبدالناصر كانت بمثابة المسمار الأخير في نعش تلك الأحلام. إذا بدأ دور مصر بالتلاشي في بداية السبعينات و كان أن بدأ عصر جديد ستتصدره دول النفط.
عند اكتشاف النفط في الجزيرة العربية في العشرينات و الثلاثينات، كانت شركات النفط تحتفظ بالأرباح و تدفع راتبا للحكومات المحلية. و كان ذلك لأن الشركات هي التي تتحمل تكاليف التنقيب و الحفر و الإستخراج و التكرير و الشحن و غيره.
مع حلول الخمسينات، كانت الشركات قد انتهت من تأسيس البنية التحتية فلم تعد الكلفة عالية كما قبل، مما جعل أرباحها تتضاعف عدة مرات و صارت تجني مبالغ تفوق بكثير ما كانت تجنيه الدول المنتجة. بالتالي بدأت حكومات تلك الدول تشعر بالغبن و طالبت بنسبة أعلى من عائدات النفط.
قبلت شركات النفط و تم عقد اتفاق جديد يتم تقاسم الأرباح فيه بالنصف 50/50 و قد حرصت الشركات ألا تعطي الحكومات نسبة أكثرية. لكن في عام 59 قررت شركة BP البريطانية خفض سعر النفط الذي كانت تبيعه بنسبة عشرة بالمئة، و تم ذلك دون تنسيق مع العرب الذين غضبوا كثيرا.
في عام 60 كررت إحدى الشركات الأمريكية نفس الخطوة و خفضت سعر النفط الذي كانت تبيعه بنسبة سبعة بالمئة. و قد كانت تلك القرارات انعكاسا للوضع السوقي حيث كان هناك فائض نتيجة الإنتاج السوفيتي. أثناء ذلك كان وزير النفط السعودي عبدالله الطريقي يقود حملة لقلب الطاولة على شركات النفط.
نجحت جهود الطريقي و في سبتمبر عام 60 تم إنشاء منظمة opec و كانت تضم إيران و العراق و الكويت و السعودية و فنزويلا. و كان قد تم اكتشاف النفط في الجزائر و ليبيا قبلها ببضع سنوات. و قد تعلمت تلك الدول الإفريقية من تجربة الخليج بألا تعطي للشركات نفوذا كبيرا.
في ليبيا، انقلب القذافي على الملك إدريس عام 69 ثم استدعى ممثلي شركات النفط و فرض عليهم زيادة السعر، كما فرض نسبة 55/45 لصالحه. سرعان ما تبعه العراق و إيران و السعودية فعقدوا اتفاقا يقضي بنفس النسبة. إذا بدأت الدول المنتجة تسحب البساط من تحت الشركات الغربية شيئا فشيئا.
في عام 71 قررت بريطانيا إنهاء التزامها مع المحميات الخليجية و بالتالي أعلنت كل من البحرين و قطر و الإمارات استقلالها. و قد تم الإنسحاب دون تسوية موضوع الجزر التي تحتلها إيران، فقام القذافي بتأميم مصالح بريطانيا النفطية، كما قطع العراق علاقاته مع بريطانيا.
كان الطريقي قد انتقل من منصبه في السعودية إلى ليبيا حيث عمل مستشارا للقذافي، و بدأ يدعو لإستخدام النفط كوسيلة ضغط سياسية على الغرب الذي كانت كثير من سياساته ضد العرب لاسيما في الموضوع الفلسطيني. و كان العرب قد أوقفوا الإنتاج في حرب 67 لكن النتيجة كانت عكسية و فشلت تماما.
بعد وفاة عبدالناصر جاء نائبه أنور السادات للحكم و قد كان وضع مصر سيئا للغاية نتيجة حرب 67 فقد تم إحتلال سيناء كما أغلقت قناة السويس و تضررت الحركة السياحية. و قد أنشأت إسرائيل تحصينات على خط القناة سميت خط بارليف نسبة لوزير الدفاع.
في عام 72 قرر السادات طرد كل المستشارين العسكريين السوفيت من مصر و كان عددهم 21،000 فظنت أمريكا أنه صار من الممكن ضم مصر لمعسكرها. شعر السوفيت بأنهم قد يخسروا مصر فقبلوا أن يمدوها بعدة شحنات عسكرية متطورة بعد أن كانوا يماطلون سابقا. إذا نجحت محاولة السادات في لي ذراعهم.
بعد نجاحه في الحصول على السلاح، جمع السادات قادته العسكريين ليخبرهم عن نيته الذهاب للحرب مع إسرائيل. و قد كان إجتماعا عاصفا حيث كان الكثير من الجنرالات يرون بأن مصر غير مستعدة لذلك لكن السادات بقي مصرا و قام بإعفاء كل المعارضين.
تم تعيين المشير عبدالغني الجمسي كقائد للحرب، و كان عازما ألا يكرر أخطاء حرب 67 فاتفق مع السوريين على أن يهجموا سويا و أن ينشئوا غرفة عمليات مشتركة. و تم اختيار يوم 6 أكتوبر من عام 73 لبدء الهجوم.
و كان الإختيار بسبب عيد الغفران اليهودي حيث ستكون عطلة رسمية للإذاعة و التلفزيون مما سيصعب على الإسرائيليين إستدعاء إحتياطهم. و ذهب السادات للسعودية ليخبرهم خطته و طلب مساعدتهم بإستخدام سلاح النفط ضمن الحرب فوافق الملك فيصل. و في يوم 6 أكتوبر، في الساعة الثانية ظهرا بدأت الحرب.
بدأ المصريون هجومهم و استطاعوا اختراق تحصينات بارليف سريعا، و في نفس الوقت هجم السوريون على منطقة الجولان و رغم أن الإسرائيليين كانوا يتوقعون هجوما وشيكا إلا أن التوقيت باغتهم فاضطرت قواتهم للتراجع قليلا.
أرسل الإسرائيليون طائراتهم إلى الجبهة لكن التفوق الجوي الذي امتلكوه في حرب 67 لم يعد موجودا، فاستطاع المصريون إسقاط 27 طائرة بفضل صواريخ SAM 6 السوفيتية. و قد كانت الصواريخ السوفيتية المضادة للدروع فعالة كذلك ضد دباباتهم.
استخدم المصريون مضخات مياه تعمل بضغط عالي لتدمير السواتر الترابية و من ثم العبور إلى سيناء و في نهاية اليوم الأول من القتال كان قد عبر 80 ألف جندي مصري. و كذلك في الجولان فقد استطاعت القوات السورية أن تتوغل باتجاه بحيرة طبريا.
استجمعت إسرائيل قواتها و بدأت هجوما معاكسا بعد 48 ساعة فأرسلت السعودية و العراق و الأردن وحدات عسكرية إلى سوريا للدعم. و كان السوفيت يمدون مصر و سوريا بالسلاح بينما كانت أمريكا تمد إسرائيل بالسلاح، و قد ساعد هذا السلاح إسرائيل كثيرا في صد الهجوم و تقوية موقفها.
في يوم 16 أكتوبر لعب العرب ورقتهم الأخيرة فاجتمع وزراء النفط العرب في الكويت و قرروا رفع سعر النفط بنسبة 17 بالمئة، كما هددوا بتقليص الإمدادات في حال لم يتم تطبيق القرار 242 كما هددوا بقطع الإمدادات تماما عن الدول الداعمة لإسرائيل.
لم تكترث أمريكا للعرب فوافق الرئيس نيكسون على شحنة عسكرية جديدة لإسرائيل بقيمة 2.2 مليار دولار ما أغضبهم كثيرا، فقرروا قطع الإمدادات عن أمريكا و خفض إنتاجهم بنسبة 25 بالمئة. و كان سعر برميل النفط قد تضاعف أربع مرات خلال ستة أشهر منذ بداية العام نتيجة الإضطرابات في السوق.
إذا استطاع الجيش المصري إستعادة السيطرة على الضفة الشرقية لقناة السويس، كما كانت الحكومات الغربية تواجه ضغطا شعبيا لإنهاء الأزمة بسبب إرتفاع أسعار الطاقة. و بدأ السادات يبحث عن اللحظة المناسبة لإنهاء الحرب و الإحتفاظ بمكاسبه.
بدأت إسرائيل هجوما جديدا فوصلت إلى مسافة 60 ميل من القاهرة و 20 ميل من دمشق، فهدد السوفيت بالتدخل و بعد محادثات مع أمريكا اتفقوا على إيجاد حل سلمي للأزمة. و في يوم 22 أكتوبر أعلنت هدنة و في نفس اليوم صدر قرار 338 الداعي لتطبيق قرار 242 و عقد مؤتمر سلام لحل النزاع.
تم عقد المؤتمر في جنيف في 21 ديسمبر من عام 73 برعاية أمريكية سوفيتية. و حضرت وفود أردنية و مصرية و إسرائيلية. و غاب الرئيس السوري حافظ الأسد لأنه اشترط انسحابا إسرائيليا قبل الحضور، كما غابت منظمة التحرير بسبب الفيتو الإسرائيلي و لم يحرص الأردن على حضورها على أية حال.
لم ينجح المؤتمر كما لم تنسق الوفود العربية موقفها، و كانت النتيجة بأن صرحت إسرائيل أنها لن تنسحب أبدا من أراضي ال67 و بأن القدس بشقيها الغربي و الشرقي هي عاصمة إسرائيل الأبدية. و بعد فشل المؤتمر بدأ وزير خارجية أمريكا كيسينجر جولات مكوكية لإيجاد مخرج يمنع تجدد الحرب.
في عام 74 تم التوصل لمعاهدات تستعيد بموجبها مصر و سوريا جزء من الأراضي المحتلة مع إنشاء منطقة عازلة تنتشر فيها قوات لحفظ السلام. و في نفس العام قرر العرب إنهاء مقاطعتهم النفطية معلنين بذلك نهاية الحرب. و رغم بأن الحرب لم تحقق أهدافها إلا أنها لم تكن هزيمة مدوية كالحروب السابقة.
فقد استعادت مصر و سوريا جزءا من أراضيها لكن دون تأمين انسحاب كامل من أراضي 67، كما نجح العرب في زيادة سعر النفط لصالح خزينتهم و كسر هيمنة الشركات الغربية، و يمكن القول بأن العالم صار ينظر للعرب بجدية أكثر بعد الحرب.
كان الخاسر الأكبر كالعادة هم الفلسطينيين فلم يستعيدوا أي جزء من أرضهم، لم تحل أزمة اللاجئين، و لم يصدر أي قرار دولي يعترف بهم. إذا باتوا أمام خيارين:
- القبول بالأمر الواقع بأن الضفة أردنية و غزة مصرية و لا شيء إسمه فلسطين
- أن يتفاوضوا مع إسرائيل كما تفعل مصر و الأردن لعل و عسى
- القبول بالأمر الواقع بأن الضفة أردنية و غزة مصرية و لا شيء إسمه فلسطين
- أن يتفاوضوا مع إسرائيل كما تفعل مصر و الأردن لعل و عسى
تصحيح: أمر بطرد المصريين من سوريا
في عام 74 تم السماح لياسر عرفات بإلقاء كلمة أمام الأمم المتحدة استغرقت قرابة ساعة و نصف، كما اعترفت الجامعة العربية بالمنظمة كالممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. إذا كان الفلسطينيون بدأوا يتبنون الدبلوماسية كحل لمشكلتهم بعد فشل الخيار العسكري عربيا و فلسطينيا كذلك.
في نفس الوقت بدأ ممثل المنظمة في لندن سعيد حمامي بكتابة مقالات تدعو لإقامة دولة فلسطينية على أرض ال67 كما صار يجري لقاءات سرية مع الإسرائيليين لمناقشة الفكرة. و قد تم إغتيال حمامي على يد جماعة أبو نضال في عام 78 فانتهت معه محاولة السلام.
بعد حرب أيلول الأسود، كانت المنظمة قد استقرت في مخيمات لبنان حيث كانت تعمل بحرية تامة بفضل اتفاق القاهرة الذي تم عام 69. و بدأت المخيمات الفلسطينية تشكل خطرا على استقرار لبنان سواء ديمغرافيا أو أمنيا.
و يحلو لكثير من الناس تحميل الفلسطينيين مسؤولية حرب لبنان لكنهم في الحقيقة لم يكونوا سوى الشرارة التي أدت لإنفجار برميل البارود. فالوضع كان مهيئا لحرب أهلية قبل وصولهم.
كانت المارونية السياسية تسيطر على جميع مفاصل الحياة في لبنان، و في أوائل السبعينات تشكلت الحركة الوطنية في وجهها و كانت تضم مسلمين و يساريين و قوميين و دروز و بعض المسيحيين العلمانيين.
دعت الحركة الوطنية لتأسيس نظام جديد خال من الطائفية. و لكن أعدائها رأوا فيها محاولة مقنعة من المسلمين للإستيلاء على الحكم. و رغم أن تعداد السكان الرسمي كان يقول بأن المسيحيين أكثرية، إلا أن الواقع كان عكس ذلك.
في عام 75 تظاهر بعض العمال المسلمون في مدينة صيدا ضد شركة يملكها مسيحيون كانت ستحتكر حقوق الصيد مما سيهدد رزقهم، فتم قمعها من قبل الجيش و قتل خلال المواجهات معروف سعد و كان سياسيا سنيا ناصريا بارزا من المدينة.
أدى مقتل سعد لمواجهات عنيفة بين الجيش و الحركة الوطنية، و قاتل الفلسطينيون إلى جانب الحركة الوطنية في تلك المواجهات. امتدت المواجهات لبيروت حيث تم مهاجمة موكب رئيس الكتائب بيار الجميل و قتل أحد حرسه.
ردت الكتائب سريعا في نفس اليوم و حصلت حادثة عين الرمانة الشهيرة حيث أطلقوا الرصاص على حافلة تقل فلسطينيين و قتلوا جميع الركاب. في اليوم التالي لم يذهب أحد لدوامه من الطلاب و الموظفين. كان الجميع في بيته يسمع أخبار الراديو و صوت الرصاص في الشارع. إذا لقد بدأت الحرب الأهلية.
بدأت الكتائب و الحركة الوطنية تنفيذ مذابح متبادلة لا يسمح وقتنا لذكرها بالتفصيل، و امتدت الحرب إقليميا و دوليا فصار الغرب و وكلائه المحليين يدعمون المسيحيين، و السوفيت و وكلائهم المحليين يدعمون الحركة الوطنية و لا شك بأن هذا أغنى تجار السلاح كثيرا.
في عام 76 صوت البرلمان بحجب الثقة عن رئيس الجمهورية سليمان فرنجية لكنه رفض الاستقالة، فتجددت المواجهات و تدخلت سوريا لصالح فرنجية. و اتفقت الأطراف على إجراء إنتخابات جديدة. و تفاجأ الجميع عندما أعلن حافظ الأسد دعمه للمرشح المحسوب على الكتائب ضد مرشح الحركة الوطنية.
و قد شكل ذلك مفاجأة لأن الكتائب لم يكونوا يوما مع العروبة، بينما كانت سوريا ترفع شعار البعث و القومية. فأدرك العرب سريعا بأن سوريا كانت تحاول إستغلال حالة الضعف المارونية للسيطرة على لبنان و ضمها إلى نفوذها.
دعا الملك السعودي خالد إلى إجتماع طارئ عام 76، و اتفق الحضور على وقف إطلاق النار و إرسال قوة عربية قوامها 30 ألف جندي لحفظ السلام. و كانت النكتة أن السوريين شكلوا قرابة 90 بالمئة من تلك القوة، إذا أصبح وجود الجيش السوري في لبنان شرعيا.
إذا توقفت الحرب عام 76 بعد عام فقط من إندلاعها سقط خلالها قرابة 30 ألف قتيل، و رغم استمرار بعض أعمال العنف بشكل متقطع فإن الأزمة كانت قد انتهت بنظر العرب و العالم، فانتقلت عيونهم للقاهرة حيث كان الرئيس السادات يستعد لعقد أول اتفق سلام عربي مع إسرائيل.
كان السادات نجح في استعادة قناة السويس بعد حرب 73 كما ذكرنا لكن وضع مصر المادي كان سيئا للغاية و بدأت مظاهرات الجوع تظهر في شوارعها. تهور السادات في عام 77 و شن حربا ضد جارته ليبيا لضم حقولها النفطية، لكن الحرب فشلت و انتهت بعد أسبوع فقط.
تفتق عقل السادات عن فكرة جديدة لإنقاذ بلاده من الفقر، ربما لو عقد اتفاق سلام مع أسرائيل فإنه سيستطيع تأمين معونات أمريكية ضخمة. فبدأ يرسل رسائل للإسرائيليين عبر الوسطاء.
لم تكن الحكومة المصرية متحمسة للفكرة فأجرى السادات تعديلا وزاريا و عين بطرس بطرس غالي كوزير للخارجية و قد كان قبطيا و زوجته يهودية. و كان أن ذهبوا سويا لتل أبيب في 19 نوفمبر رغم معارضة كثير من الوزراء و الدول العربية و ألقى السادات خطابه الشهير داخل الكنيست.
و في عام 78 تم التوصل لاتفاق كامب دايفد و الذي كان يقضي بأن تنسحب إسرائيل من كامل سيناء لكنه لم يتطرق بتاتا لحقوق الفلسطينيين ما جعل بعض الوزراء في الحكومة المصرية يقدمون استقالاتهم احتجاجا على ذلك.
اجتمع حكام العرب في بغداد لمناقشة الأمر و عرضوا تقديم مساعدات مالية مقابل عدول السادات عن قراره، كما هددوا مصر بالطرد من الجامعة و نقل مقرها إلى تونس. لكن السادات عاد لواشنطن في عام 79 و وقع الاتفاق.
إذا بعد خمسة حروب مع إسرائيل، جنحت أقوى دولة عربية للسلام لتأمين مصالحها الشخصية دون غيرها. لن تكون هناك حرب أخرى بين العرب و إسرائيل مادامت مصر خارج المعادلة و ليؤمن كل طرف مصلحته بنفسه كما فعلت مصر.
نفذ العرب تهديدهم بعد توقيع الاتفاق و تم طرد مصر من الجامعة التي انتقل مقرها لتونس، كما ارتفع العلم الإسرائيلي ليرفرف في سماء القاهرة و لا شك بأن هذا جرح كبرياء الكثير من المواطنين الذين كانوا يعتبرون بلدهم قلب الأمة العربية.
في نفس العام 79 الذي تم فيه توقيع اتفاق كامب ديفيد، كانت الثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه و جاءت بالخميني. و أدى ذلك لإرتفاع سعر برميل النفط من 13 إلى 34 دولار فإمتلئت خزائن دول الخليج و وضعت الحكومات برامج تطوير ضخمة لتستغل تلك الأموال.
كانت الدول الخليجية في ذلك الوقت تملك المال لكنها تفتقر لليد العاملة، فتدفق العمال من شتى أنحاء الوطن العربي لا سيما مصر و بلاد الشام و غيرها ما خلق نظاما جديدا في المنطقة، حيث يتم تبادل رأس المال و اليد العاملة بين الدول الغنية و الدول الفقيرة.
إذا فقد كان اتفاق كامب ديفيد بمثابة رصاصة الرحمة على الشعارات القومية التي تغنى بها عبدالناصر في خطاباته و بدأ يبزغ محلها نجم الجماعات الإسلامية. و كان هذا الفكر الجديد ضد أمريكا و السوفيت في آن واحد، و كان يرى بأن حكامه فاسدين يضعون مصالحهم فوق مصلحة الأمة.
و قد كانت الجماعات الإسلامية موجودة منذ زمن طويل فقد تأسست حركة الإخوان عام 1928 و لكنها كانت مقموعة بشدة من قبل النظام المصري كما أن الخطاب القومي كان لا يزال طاغيا في تلك الحقبة. لكن الثورة الإيرانية و إنهيار الفكر الناصري كانت بمثابة جرعة حياة لها.
بدأت الهجمات التي تنفذها الجماعات الإسلامية تنتشر في المنطقة، ففي عام 79 حصلت حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران، كما حصلت حادثة جهيمان و احتلاله للحرم المكي.
و في عام 81 أقامت مصر إحتفالا لإحياء ذكرى حرب أكتوبر مثل كل عام، و جلس السادات على المنصة مع باقي القادة ليشاهدوا الإستعراض العسكري. و لكن خلال العرض قام بعض الجنود الإسلاميين بمهاجمة المنصة و قتل السادات.
و في عام 81 أيضا، حصلت مجزرة حماة الشهيرة حيث تم محو المدينة عن بكرة أبيها لتنتهي بذلك الحرب الدموية بين الإخوان و حافظ الأسد التي كانت بدأت قبل سنتين.
كان الشيعة يشكلون أكبر طائفة في لبنان لكنهم كانوا مهمشين، فبدأوا يستمدون القوة من الثورة الإيرانية و صار يدعمهم حافظ الأسد الذي تخلى عن حلفائه المسيحيين. و قد كان الشيعة العرب مهمشين إجمالا ما جعلهم ينجذبون للفكر الخميني الذي رأوا فيه رابطا عقائديا ما أثار مخاوف الحكام العرب.
إذا باتت الثورة الإيرانية تشكل خطرا داهما على باقي دول المنطقة و لا سيما الخليج العربي حيث توجد أقلية شيعية، و ساءت علاقة إيران مع أمريكا كثيرا بعد أن كانت حليفة الشاه. و خشية قيام شيعة العراق بالثورة، قرر صدام غزو إيران في عام 80 و استمرت تلك الحرب لثمانية أعوام.
من المفارقة بأن سوريا التي كانت بعثية كما العراق، كانت الدولة الوحيدة التي اصطفت مع إيران في تلك الحرب و كانت دوافعها لذلك سياسية و عقائدية أيضا. و بعد إندلاع الحرب العراقية الإيرانية بعامين، بدأ الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 82.
كانت ذريعة الغزو هي تنفيذ جماعة أبو نضال لمحاولة اغتيال ضد السفير الإسرائيلي في لندن، و كانت إسرائيل تريد سحق المنظمة كما الجيش السوري المتواجد في لبنان و عقد اتفاق سلام مع الكتائب. و كان وزير الدفاع أريل شارون يدعو لضم الضفة و إقامة وطن بديل في الأردن.
شنت إسرائيل هجوما كاسحا على جنوب لبنان خلف ورائه عشرات الآلاف من الشهداء و الجرحى، حتى وصلت لمشارف العاصمة بيروت و حاصرتها حصارا شديدا كان مصحوبا بقصف لا يتوقف فتصاعد عدد الضحايا بشكل مرعب ما استدعى تدخلا دوليا لوقف المجزرة.
توصلت الأطراف الدولية لاتفاق يقصي بانسحاب المقاتلين الفلسطينيين بحرا و إحلال قوة غربية لحفظ السلام. و فعلا انسحب المقاتلون و توزعوا على عدة دول عربية و أنشئت المنظمة مقرا جديدا لها في تونس. أما قوة حفظ السلام فجاءت لمدة شهر ثم عادت أدراجها.
انتخب البرلمان رئيسا جديدا للبنان و فاز بشير الجميل الذي كان المرشح الوحيد بالمنصب. لكنه تم اغتياله بعد بضع أسابيع فقط بعد أن تم تفجير مقر الكتائب، و اعترف شخص لبناني مسيحي ينتمي للحزب القومي الاجتماعي السوري يدعى حبيب الشرتوني بمسؤوليته عن الهجوم.
رغم ذلك قررت ميليشيات الكتائب الإنتقام من المخيمات لموت بشير، و بعد انسحاب المقاتلين الفلسطينيين و قوة حفظ السلام فلم يعد هناك من يحمي سكانها. و سمحت القوات الإسرائيلية لها بتنفيذ مجزرة صبرا و شاتيلا الشهيرة.
استمرت المجزرة قرابة 36 ساعة شهدت حالات ذبح و اغتصاب و جلب جرافات لتسوية المكان، و يقدر عدد الضحايا بين 1000 و 2000 مدني فلسطيني بينهم أطفال و نساء و كبار في السن. و أدت لحالة استنكار دولية و لجنة تحقيق إسرائيلية أطاحت بشارون.
عادت قوات حفظ السلام إلى لبنان و في عام 83 توصلت أمريكا لاتفاق 17 أيار المجحف بين لبنان و إسرائيل و جاء الرفض السوري سريعا فتم تفجير مقري القوات الأمريكية و الفرنسية على يد جماعة شيعية مجهولة تدعى الجهاد الإسلامي.
نجح الرفض الشيعي لاتفاق 17 أيار بإسقاطه بعد عام من توقيعه، كما نجحت هجماتهم في طرد القوات الغربية من بيروت. كما اضطرت إسرائيل لسحب قواتها من الجنوب و الإبقاء على الشريط الحدودي فقط.
و في عام 87 اندلعت الانتفاضة الفلسطينية و تشكلت حركة حماس من رحمها، و في نفس الوقت كان السوفيت يخوضون حربا في أفغانستان استقطبت عددا من المجاهدين العرب الذين كانوا يحظون برعاية رسمية عربية أمريكية. إذا كانت ظاهرة الجهاديين سواء شيعة أو سنة تنتشر في المنطقة بشكل متسارع.
في عام 89 انسحب السوفيت من أفغانستان و بدأت الحرب الباردة تضع أوزارها. فانهار حائط برلين و بدأت الأحزاب الشيوعية بالتساقط واحدة تلو الأخرى في أوروبا الشرقية، و أعلن الرئيس بوش قيام نظام عالمي جديد.
إذا انتصر المحور الأمريكي في الحرب الباردة، و وجدت الدول العربية التي كانت متحالفة مع السوفيت نفسها في وضع صعب و لا سيما العراق ابذي كان قد خرج للتو من حرب مدمرة مع إيران و بحاجة للمال لأجل إعادة الإعمار.
كانت الحرب قد دمرت جزءا كبيرا من البنية التحتية للنفط الذي كان يشكل مصدر الدخل الرئيسي للعراق، و كانت الدول الخليجية مولت الحرب من خلال تقديم قروض سخية لصدام ما خلق عبئا إضافيا على العراق من ناحية تسديد تلك الديون.
و فاقم المشكلة أن سعر النفط كان منخفضا جدا بعد الحرب، و كان ذلك نتيجة زيادة الإنتاج الخليجي و لا سيما الكويتي. فقرر صدام تركيز اللوم على الكويت و صار يهددها. فطالبها بإلغاء ديونها على العراق البالغة 14 مليار دولار، كما طالبها بتقديم 10 مليار لإعادة الإعمار.
كما اتهم صدام الكويت زورا بالإستيلاء على حقول نفط عراقية خلال حربه مع إيران و طالب بإعادتها، و لم تأخذ الدول العربية كلامه على محمل الجد. لكن في يوليو عام 90، تفاجأ العرب بحشد الجيش العراقي قواته على الحدود الكويتية.
تم عقد إجتماع طارئ في مدينة جدة بين العراق و الكويت بترتيب سعودي مصري. و سار الإجتماع بشكل سلس و لطيف و اتفق الطرفان على عقد اجتماع ثان في بغداد. لكنها كانت مراوغة عراقية في الحقيقة فكان صدام قد قرر غزو الكويت و ضمها، كما كان يظن بأن أمريكا لن تمانع.
و بعد عقد الإجتماع بيوم واحد، بدأ الغزو العراقي في تاريخ 2 أغسطس عام 90 و دخل عشرات الآلاف من الجنود العراقيين أرض الكويت، و قد تفاجأ جميع الحكام العرب بتلك الأخبار. و جاءت الإدانة الأمريكية سريعا و صدر قرار مجلس الأمن 660 الداعي لإنسحاب القوات العراقية فورا.
لجأت الأسرة الكويتية الحاكمة آل الصباح إلى السعودية كما طلبت مساعدة أمريكا لدحر الغزو. في ذلك الوقت كان العراق قد أعلن ضمه للكويت و نصب حكومة تابعة له، كما قام جنوده بتنفيذ عمليات نهب واسعة.
حاول الكويتيون التظاهر و تنفيذ بعض الهجمات من نوع حرب العصابات لكن القوات العراقية كانت تقمعهم بوحشية فلم يفلحوا كثيرا. و بدأ السعوديون يشعرون بالقلق بأن أطماع صدام قد لا تتوقف عند حدود الكويت و قد تطال حقولهم أيضا.
بدأ مجلس الأمن يصدر القرارات تباعا، ففرض عقوبات على العراق، و اعتبر قرار العراق بضم الكويت لاغيا، كما أصدر قرارا يسمح للدول الأعضاؤ بإستخدام القوة ضد العراق إن لم ينسحب قبل 15 يناير عام 91. و لم يعارض السوفيت أي من القرارات رغم أنها كانت تمس حليفهم.
عقد العرب اجتماعا طارئا في القاهرة لمحاولة تفادي التدخل الغربي، فكان اجتماعا حادا شهد تلاسنا بين الوفد العراقي و الكويتي. و عارضت بعض الدول أي حل عبر التدخل الغربي بزعم أن ذلك بمثابة إعادة للإستعمار إلى بلاد العرب.
في ختام الإجتماع تم التصويت على مشروع قرار يدين الغزو و لا يعترف بقرار الضم كما يدعو للإنسحاب الفوري، فمر بفارق صوت واحد. و أدى ذلك التباين إلى شرخ عميق في العلاقات العربية.
و صوتت كل من العراق و الأردن و ليبيا و السودان و الجزائر و اليمن و المنظمة و تونس و موريتانيا ضد القرار أو امتنعت للتحفظ. أما الذين صوتوا لصالحه فكانوا دول الخليج زائد مصر و سوريا و المغرب و الصومال و لبنان و دجيبوتي.
بث الإجتماع على شاشات التلفزيون فرأى العالم كله مدى التخبط و أدركوا أن العرب لن يستطيعوا حل الموضوع فبدأت أمريكا تحشد قوات الإئتلاف على أرض السعودية و بلغ قوامها قرابة مليون جندي شكل الأمريكان ثلثيها. و لم يعجب ذلك الأمر بعض الإسلاميين و من بينهم بن لادن العائد من أفغانستان.
بدأ صدام باللعب على مشاعر الجماهير العربية لإستمالتهم إلى جانبه، فقدم نفسه كبطل يتحدى أمريكا و إسرائيل على عكس باقي الحكام العملاء. ثم إنه تسائل لماذا تتجاهل أمريكا تطبيق القرارات المتعلقة بإسرائيل و تحرص على تطبيق القرارات المتعلقة بغزوه؟
و قد نجحت الخدعة فتظاهرت جموع في المغرب و مصر و سوريا ضد دعم حكامهم الإئتلاف الدولي، كما تظاهر الأردنيون و الفلسطينيون دعما لصدام و قد شكل ذلك صدمة كبيرة للكويت التي طالما رحبت بهم و احتضنتهم.
إذا جاء يوم 15 يناير و لم يكن صدام قد انسخب فبدأت عملية عاصفة الصحراء و رحب بها صدام متوعدا أمريكا بأم المعارك. أطلق صدام بعض الصواريخ على إسرائيل في محاولة جديدة لكسب ود الجماهير و لكن أمريكا أقنعت إسرائيل بأن لا ترد.
مع نهاية فبراير كانت معنويات الجيش العراقي قد تحطمت بفضل القصف المستمر و أدركوا بأن ساعة الإنسحاب قد اقتربت، فصاروا يفجرون آبار النفط كما قاموا بضخ كميات كبيرة من النفط الكويتي في مياه الخليج العربي.
بدأت الحرب البرية في 24 فبراير و انتهت بعد أربعة أيام فقط، و تحررت الكويت و كانت أضرار الحرب ثقيلة عليها سواء مادية أو بشرية و كان عليها بدء إعادة إعمار كبيرة. كما تضررت الدول العربية إجمالا فقد خلقت الحرب حالة عداء شديدة بين الحكومات كما خلقت قواعد أمريكية في المنطقة.
ظن الأكراد و الشيعة بأن نظام صدام قد انتهى فحاولوا الثورة عليه بعد الحرب لكنه قمعهم بوحشية و لم تتدخل أمريكا لإيقافه، و إن فرضت عليه مناطق حظر طيران و برنامجا لنزع الأسلحة كما فرضت عليه عقوبات إقتصادية و ألزمته بدفع تعويضات.
كانت إحدى نتائج هزيمة صدام أنه لم يعد قادرا على مد الأحزاب المسيحية في لبنان بالمال و السلاح في وجه السوريين. و لاننسى بأن سوريا كانت إحدى الدول المشاركة في الإئتلاف الدولي لتحرير الكويت ما يعني بأن أمريكا و الخليج كانت راضية عنها.
كان لبنان قد وقع اتفاق الطائف عام 89 لكن قائد الجيش ميشيل عون كان معارضا له و تسبب ذلك بإندلاع مواجهات عنيفة، فطلب الرئيس إلياس الهراوي من حافظ الأسد أن يتدخل لإنهاء التمرد فدخل الجيش السوري بجانب الجيش اللبناني و هرب عون إلى السفارة الفرنسية.
إذا انتهت الحرب اللبنانية أخيرا في أكتوبر عام 90 و لكن الثمن كان القبول بإحتلال سوري. على أية حال فقد بدأت جهود إعادة الإعمار و أزيلت الحواجز و تم حل جميع الميليشيات، ما عدا حزب الله الذي سمح له بالإحتفاظ بسلاحه كونه كان موجها ضد إسرائيل في جنوب البلد.
بعد نهاية حرب الخليج، بدأت أمريكا تبذل جهودا للبدء بعملية سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. و في أكتوبر عام 92 نجحت في عقد مؤتمر مدريد للسلام لكنه فشل تماما. و بعد خسارة الليكود و مجيء رابين كرئيس وزراء، زادت وتيرة المحادثات و عقدت سلسلة اجتماعات في أوسلو.
تم التوصل إلى اتفاق في عام 93 و تم التوقيع رسميا في حديقة البيت الأبيض في سبتمبر، و كان اتفاق غزة أريحا الشهير الذي جاء بالسلطة الفلسطينية. و لم يتطرق الاتفاق للقضايا الرئيسية كالقدس و اللاجئين و المستوطنات.
كانت المنظمة في وضع مالي صعب بسبب انقطاع الدعم الخليجي بعد موقفها من غزو العراق، و كذلك الدعم العراقي الذي توقف بسبب العقوبات. و كان توقيع إتفاق سلام سيجلب مساعدات مالية دولية تنقذها. إذا فكانت في وضع يشبه وضع السادات قبلها.
في يوليو 94 عاد ياسر عرفات إلى فلسطين، و بعد ذلك بعدة أشهر أعلن الأردن تطبيع العلاقات مع إسرائيل و قد كانت الأردن معزولة هي الأخرى بسبب موقفها من غزو العراق و لا شك أنها كانت تطمع هي أيضا بمساعدات أمريكية و وعود الإستثمار.
و لحقتها عدة دول أخرى مثل المغرب و تونس و قطر و عمان التي فتحت جميعا مكاتب إرتباط خلال التسعينات، و قامت موريتانيا بتطبيع العلاقات هي الأخرى.
رغم ذلك فلم يعم السلام، فاستمرت أعمال العنف بين الفلسطينيين و إسرائيل و في عام 95 قام متشدد إسرائيلي بإغتيال رابين فجاء شمعون بيريز للحكم. و في عام 96 شن عملية عناقيد الغضب ضد لبنان و حصلت مجزرة قانا الشهيرة.
مرت السنين و تبدلت الحكومات الإسرائيلية، فبعد بيريز جاء نتنياهو، ثم جاء باراك الذي قرر الإنسحاب من الشريط الحدودي في لبنان، و استمرت المفاوضات دون جدوى. و في عام 2000 زار رئيس حزب الليكود أريل شارون حرم المسجد الأقصى فاندلعت انتفاضة جديدة. و في عام 2001 أصبح شارون رئيسا للوزراء.
في ختام حديثنا عن التسعينات، نذكر بأن تنظيم القاعدة نفذ تفجيرا ضد السفارة الأمريكية في كينيا و تنزانيا عام 98 فوضع بن لادن على قائمة المطلوبين. كما أنه خلال عام 99 توفي ملك الأردن و كذلك ملك المغرب، و في عام 2000 توفي حافظ الأسد. و في عام 2000 أيضا جاء بوش الإبن إلى الحكم.
بدأ العقد الجديد بهجمات 11 سبتمبر حيث قتل 3000 أمريكي في أسوأ هجمة على أرض أمريكا منذ بيرل هاربر. و أعلنت القاعدة مسؤوليتها عن الهجوم. و بعدها بأسبوع أعلن بوش بدء حربه على الإرهاب في خطاب متلفز و قامت أمريكا بضرب أفغانستان و إزاحة نظام طالبان.
كان على الدول العربية الإنخراط في الحرب على الإرهاب و إلا ربما اعتبرهم بوش لمحور الشر الذي كان يضم العراق و إيران و كوريا الجنوبية. أدى التصادم الحاد بين الحكومات و الإسلاميين إلى موجة تفجيرات شملت السعودية و الأردن و المغرب.
استغل شارون الأجواء و زعم أنه يحارب الإرهاب أيضا لتبرير قمعه لانتفاضة الأقصى، فأعاد احتلال أجزاء واسعة من الضفة كما شرع ببناء جدار الفصل. و قد أدى ذلك إلى إلى إضعاف عرفات بشكل كبير الذي باتت الإدارة الأمريكية تعتبره إرهابيا.
بدأت الإدارة الأمريكية بالتحضير لغزو العراق، فزعمت بأنه يملك أسلحة دمار شامل و على صلة ببن لادن و القاعدة. و قد أيدها في ذلك رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. و في مارس 2003 بدأت أولى الهجمات وسط إدانة عربية و دولية واسعة.
و بعد أقل من ثلاثة أسابيع، كانت قد سقطت بغداد و انتهت الحرب. أنشأ الأمريكيون إدارة إنتقالية برئاسة بول بريمر، و كانت أهم قراراتها حل الجيش و حظر حزب البعث. و سرعان ما تدهور الوضع بين الإحتلال و الشعب من جهة، و بين السنة والشيعة من جهة أخرى فلم يكن يمر يوم دون تفجير.
في عام 2005 تم إجراء أول إنتخابات تحت الإحتلال و فاز الشيعة بأكبر كتلة نيابية يليهم الأكراد ثم السنة. إذا بعد عقود من السيطرة، فقد السنة حكم العراق و بدأت دول الجوار تحذر من تشكل هلال شيعي يمتد من إيران إلى العراق و سوريا و لبنان.
أما في فلسطين فتوفي الرئيس عرفات عام 2005 و تم إنتخاب محمود عباس خلفا له. و في عام 2005 أيضا قررت إسرائيل الإنسحاب من غزة فسحبت جيشها و مستوطنيها. و في عام 2006 تم إجراء إنتخابات برلمانية و فازت حماس ب74 مقعد أما فتح ففازت ب45 مقعد.
إذا لقد فاز حزب يعتبر إرهابيا في الأوساط الغربية التي كانت أصلا تخوض حربا على الإرهاب، بالتالي لم تكن لتعترف بالحكومة الجديدة و إن كانت وصلت عن طريق صندوق الإقتراع.
أما في لبنان عام 2005 تم إغتيال الحريري ما اضطر السوريين لسحب جيشهم تحت ضغط المظاهرات الشعبية. و بعد إستقالة الحكومة أجريت إنتخابات جديدة ففاز تحالف 14 آذار بالأكثرية في وجه تحالف 8 آذار الموالي لسوريا. إذا بات لحماس و حزب الله تمثيلا حكوميا في لبنان و فلسطين.
في يونيو 2006 نفذت حماس عملية إختطاف شاليط، فردت إسرائيل بإعتقال عدد كبير من نواب و وزراء حماس. تطورت الأمور بعد قيام حماس بإطلاق صواريخ على إسرائيل فاندلعت حرب استمرت حتى نوفمبر و خلفت 400 شهيد فلسطيني.
أما في لبنان في يوليو 2006 فقام حزب الله بتنفيذ عملية هو الآخر نتج عنها اختطاف جنديين إسرائيليين. فكانت النتيجة حرب تموز المدمرة. إذا كانت فترة بوش مليئة بالحروب و أسلوب الكاوبوي في التعامل بالمنطقة، و لذلك استبشر كثير من الناس عند فوز باراك أوباما في عام 2008 بالرئاسة.
بدأ أوباما عهده بإلقاء خطاب في القاهرة دعا فيه لفتح صفحة جديدة مبنية على الإحترام و التفاهم، و تم منحه جائزة نوبل للسلام عام 2009. و سحب أوباما عددا كبيرا من جنوده في العراق و أفغانستان لكنه بالمقابل صعد من وتيرة الضربات التي تنفذها الطائرات الدرون. كما نجح في 2011 بقتل بن لادن.
لكن العالم العربي لم يبالي كثيرا لخبر قتل بن لادن رغم شهرة الرجل الواسعة. و ذلك لأن العرب ببساطة كانوا مشغولين بما هو أهم من ذلك، ففي بداية عام 2011 كانت قد نجحت الثورات الشعبية بالإطاحة بحسني مبارك و زين العابدين بن علي. إذا كان قد بدأ ما يعرف بالربيع العربي.
بدأ ما يسمى بالربيع العربي في بداية عام 2011 في تونس و سرعان ما امتد لمصر، و تابع العرب عبر الشاشات و مواقع التواصل كيف نجحت شعوب تلك الدول في احتلال الساحات العامة و إسقاط أنظمتهم.. فظنوا بأن الأمر سهلا، فكل ما تحتاجه هو جمع عدد كاف من الناس و التظاهر ليسقط النظام.
لكن الدول العربية ليست متجانسة و ما ينطبق هنا قد لا ينطبق هناك، و بالتالي فلن تكون التجربة في كل بلد شبيهة و ربما لن تكلل بالنجاح. على كل حال فقد اندلعت ثورات في كل من سوريا و اليمن و ليبيا و البحرين. و في نفس الوقت، بدأت القوى المضادة للثورات تعمل للحد من الطوفان.
في البحرين اعتبرت دول الخليج الثورة تهديدا مباشرا لها و مدعومة من إيران كونها ذات أغلبية شيعية. فجاءت قوات درع الخليج من أجل إخماد الثورة، و تم إزالة دوار اللؤلؤة حيث كان يتجمع المتظاهرون. و كان فشل الثورة البحرينية أول علامة بأن الأمر ليس بتلك البساطة.
أما في ليبيا، فانشقت الأجهزة الأمنية و العسكرية الموجودة في النصف الشرقي من البلاد و صارت تحارب النظام، إذا فكانت الثورة قد أخذت طابع حرب أهلية. لكن قوات النظام كانت الأقوى و استطاعت الوصول إلى مشارف بنغازي، فبدأ الناس يتخوفون من مذبحة وشيكة.
استنجد الثوار بالجامعة العربية التي استنجدت بدورها بالأمم المتحدة، مما شرع التدخل الغربي لصالح الثوار. و كان لافتا عدم معارضة التيار الديني لذلك التدخل على عكس ما حصل في عام 90 في حرب الخليج. و أدى التدخل الغربي لقلب موازين القوى و كان أن سقط النظام.
و بعد سقوط النظام الليبي، و نظرا لغياب أي مؤسسات في مجتمع قبلي، فسرعان ما اختلف الثوار و انقسموا إلى طرفين لكل منه حكومة و جيش خاص به و طبعا لكل طرف جهة خارجية يستقوي بها و تدعمه.
في اليمن، تنازل علي صالح عن الكرسي بعد عشر أشهر من المظاهرات شهدت سقوط عدد من المدنيين. فتولى الحكم نائبه عبدربه منصور، لكن الحوثيين تحالفوا مع وحدات من الجيش موالية لصالح و انقلبوا عليه فسيطروا على العاصمة صنعاء و لا شك بأن صالح كان راضيا عن ذلك.
فر منصور لعدن، و شكل الحوثيون مجلس حكم جديد لم يعترف به المجتمع الدولي. و بعد وصول الحوثيين إلى عدن، فر هادي مجددا و استقر في السعودية التي بدأت تستعد للتدخل و كان أن انطلقت عملية عاصفة الحزم التي لم تنته بعد.
و رغم سوء ما آلت إليه الثورات في ليبيا و اليمن، فقد كانت المأساة الحقيقية ما في سوريا. بدأت الثورة السورية من درعا بسبب بعض أطفال كتبوا على الحائط، و كانت ردة فعل الأجهزة الأمنية عنيفة لدرجة جعلت الأهالي ينزلون للشارع و سرعان ما تدهور الوضع فسقط حوالي 55 متظاهر خلال أسبوع.
كما في ليبيا، بدأ أفراد من الأجهزة الأمنية السورية بالإنشقاق و شكلوا ما يعرف بالجيش الحر. و كما في ليبيا تم تدويل النزاع سريعا فدخلت جميع القوى الإقليمية و العالمية على الخط. و كان التدخل الروسي حاسما في هذا المجال فلم يعد ممكنا حصول تدخل غربي لصالح الثوار مثل ليبيا.
كان تنظيم القاعدة متواجدا في العراق منذ أيام الغزو الأمريكي، و كان قد امتد لسوريا بعد الثورة تحت إسم جبهة النصرة. و في عام 2014 أعلن تنظيم داعش قيام خلافة أميرها أبو بكر البغدادي و عاصمتها الرقة، و كان ذلك بعد استطاعته السيطرة على محافظة الأنبار و الموصل.
بدأ التنظيم بتنفيذ هجمات وحشية في العراق و سوريا و أنحاء العالم فصارت شهرته عابرة للقارات، و كانت فصلا جديدا من الحرب على الإرهاب. إذا صارت سوريا مقسمة، جزء تحت داعش و جزء تحت النظام و جزء تحت المعارضة و جزء تحت الأكراد. و كان كل جزء لديه أعداء خاصة به.
في مصر، استطاع حزب الإخوان المسلمين الفوز في الإنتخابات التي تلت سقوط مبارك و صار محمد مرسي الرئيس الجديد. لكن بعد أقل من عامين من وصوله ظهرت حركة تمرد المعارضة و بدأت مظاهرات حاشدة لإسقاط مرسي، و لقيت مساندة من قيادات الجيش.
قرر الجيش بأن يمهل مرسي 48 ساعة، إما أن يتنازل و إما أن يتدخل الجيش لإجباره. لم يقبل مرسي بذلك فكان الخيار الثاني و في يوم 3 يوليو عام 2013 ظهر السيسي الذي كان وزيرا للدفاع على الشاشة ليعلن بأن مرسي لم يعد رئيسا و بأن رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور سيتولى مكانه مؤقتا.
اختلف الأطراف حول ما حصل، فاعتبره أنصار الرئيس إنقلابا عسكريا و اعتبره معارضوه إستجابة من الجيش الوطني لمطالب الشعب. و قد عمت احتفالات واسعة في شوارع مصر بعد إعلان السيسي. لكن في نفس الوقت كان أنصار الرئيس بدأوا يعتصمون في الساحات للمطالبة بعودته.
خلافا للمظاهرات الماضية، لم يقف الجيش متفرجا و تحرك سريعا فكانت أحداث رابعة العدوية يوم 23 أغسطس حيث قتل قرابة ألف متظاهر. و تم إعلان حالة الطوارئ، كما تم حظر حزب الإخوان و إعتقال الآلاف من أعضائه. و في مارس 2014 تم تنصيب السيسي بعد فوزه ب96 من الأصوات، إذا عاد الجيش للحكم.
إذا لم يعد هناك أمل لإندلاع ثورات جديدة، فبعد أن رأت الشعوب ما حل بكل من حاول تقليد تونس، فضلوا الإستقرار على الثورة. و بقيت تونس هي قصة النجاح الوحيدة للربيع العربي، و لم يحاول الإسلاميين في تونس الهيمنة رغم فوزهم بالأغلبية فشكلوا إئتلافا يضم كل الأحزاب حفاظا على وحدة البلاد.
و بهذا نكون قد انتهينا من هذا السرد لتاريخ المنطقة، فنحن نعيش فترة ما بعد الربيع حاليا....
جاري تحميل الاقتراحات...