آســـرار قُيـــدتّ
آســـرار قُيـــدتّ

@Halimo_1

298 تغريدة 53 قراءة Nov 16, 2019
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تاريخ الإنسانية كنز عظيم فيه من
التجــارب والخبرات ما لايقدر بثمن
وخطأ كبير أن يقع الحكيم فيما وقع
فيه السابقون وذنب عظيم أن نتوه
في الدروب وفي أيدينا دليل النجاة
سلسلة جديدة من تاريخ الاسلام
عن الحروب الصليبية الايام القادمة
لمن يحب ان يتابعها??
مقدمة
بسم الله نبدأ
لا يخفى على من يقرأ القرآن الكريم أن أسلوب القصة يُعَدُّ من الأساليب الرئيسية لتوصيل فكرة أو تفهيم معنى. ولا يخفى على قارئ القرآن الكريم أيضًا أن القَصَص فيه لا يذكر إلا متبوعًا بعِبْرة أو درس أو فائدة
وأنه قد بُنِي بصورة تجعل القصة قريبة جدًّا إلى التطبيق الواقعي في حياتنا، حتى لكأنك ترى الأحداث رأي العين، وحتى لكأنك تعلم هؤلاء الأشخاص، وتعايشهم في حياتك الشخصية ولكن بأسماء مختلفة؛ فهذا يفعل مثلما كان فرعون يفعل وهذا يشبه قارون، وآخر يسير على خُطَا طالوت
ورابع يحاكي ذي القرنين في سيرته، وهؤلاء يشبهون قوم بني إسرائيل في مرحلة معينة من مراحل حيات هم، وآخرون يعيشون حياة قوم ثمود، وهكذا.
إن كل النماذج التي نراها في حياتنا لها أمثلة متشابهة في القرآن الكريم حتى أصبح القرآن دليلاً واضحًا لطريقة الحياة التي ينبغي أن نكون عليها وكل ذلك من خلال القصة ولذلك يأمر ربناالمؤمنين بقصِّ القصة ورواية الرواية يقول تعالى:{فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} الأعراف
وتاريخ الإنسانية كنزٌ عظيم، فيه من التجارب والخبرات ما لا يُقدَّر بثمن، وخطأٌ كبير أن يقع الحكيم فيما وقع فيه السابقون، وذنبٌ عظيم أن نتوه في الدروب، وفي أيدينا دليل النجاة. ولقد ضلت أمتنا كثيرًا لأنها أهملت تاريخها وتاريخ البشر
بل وللأسف الشديد فإنها عندما قرأتْ تاريخها قرأته على يد مبدِّلين ومغيِّرين زوَّروا الكثير من الصفحات وشوَّهوا العديد من الرموز، وبدَّلوا القصص، وقلبوا أحداثها؛ فصار الصالحُ طالحًا وأصبح المفسد حكيمًا، وبهذا ضاعت العِبَر، واختفت الدروس، وفَقَد المسلمون أحد أهم كنوزهم
لماذا دراسة قصة الحروب الصليبية؟
يقع بين أيدينا موضوع من أهم الموضوعات التاريخية وهو قصة الحروب الصليبية وهي قصة في غاية الأهمية ودراستها حتمية لفهم كثير من الأمور سواء في التاريخ أوفي الواقع فدراسة هذه القصة مهمَّة لفهم التاريخ الإسلامي وهي كذلك مهمة لفهم واقعنا الذي نعيشه الآن
سرد قصة الحروب الصليبية لها عدة أسباب منها
فترة طويلة من التاريخ الإسلامي بل والإنساني إنها أكثر من مائتي سنة، أي ما يمثِّل 1/7 التاريخ الإسلامي، فإن كنا نرى للتاريخ الإسلامي أهمية، فلا شك أن دراسة هذه الفترة أمر في غاية الأهمية
وليست دراسة هذه الفترة مهمة للمسلمين فقط بل اهتم بها الأوربيون وغيرهم من مفكري العالم وعلمائه فقد ظلت الحروب الصليبية مسيطرة على الفكر الأوربي وعقلية الأدباء والشعراء وعموم الناس أكثر من ثلاثة قرون متصلة وذلك من سنة 488هـ حين بدأت هذه الحروب وحتى سنة 1400م بعد انتهائها بقرن كامل
بل وظل الاهتمام بها مستمرًّا في كل جامعات ومعاهد أوربا وأمريكا إلى الآن حتى إنه في دراسة قام بها المؤرخ نورمان كانتور وجد أن الحادث الوحيد الذي يعرفه الخريج العادي فيما يتعلق بتاريخ العصور الوسطى هو الحملة الصليبية الأولى ووجد أيضًا أن انطباعات هؤلاء عن هذه الحملة إيجابية جدًّا
ثانيًا:فهم الأيدلوجيات المختلفة للأطراف المتصارعة ولأن هذه الفترة طويلة فإننا نستطيع أن نرصد فيها الأيدلوجيات المختلفة للأطراف المتصارعة فإن أفكار المجتمع الغربي وأهداف محركي الجموع والجيوش وواضعي السياسيات والنظم قد تكون شاذة عن المألوف لوكانت عابرة أو مؤقتة
ولكن ثبات هذه الأيدلوجيات عشرات السنين يؤكد أن هذه الأيدلوجيات عقائد ثابتة راسخة وليس مجرَّد فكرة طارئة خرجت من ذهن متهوِّر أو جاهل وبهذا سنفهم خلفيات الغرب الأوربي في حربه للمسلمين وهي الخلفيات التي حكمت الصراع قديمًا بين المسلمين والنصارى من الدولة الرومانية
كما سنفهم خلفيات المجاهدين المسلمين وطرقهم في الحرب، وفي المعاهدة وفي التعامل مع غير المسلمين، ومناهجهم في التغيير إنها دراسة رائعة في نفسيات البشر وأدبيات الصراع بين القوى المختلفة، خاصةً إذا كان الإسلام طرفًا في القضية
ثالثًا: مدى التشابه العجيب بين التاريخ والواقع المعاصر يبرز احتياجنا لدراسة الحروب الصليبية بدرجة أكبر عند رؤية التشابه العجيب بين هذه الحقبة القديمة التي مرَّ عليها أكثر من تسعة قرون، وبين زماننا المعاصر الذي نعيش فيه الآن.
فكما قامت قوات التحالف الغربي بغزو العالم الإسلامي، وكما رأينا التكاتف بينهم لحرب واحدة، وكما رأينا التعاون بين الساسة والحربيين ورجال الدين وأهل الاقتصاد والعلوم لإمضاء هذه الحرب وإنفاذها، فإننا نرى الآن نفس هذا التكاتف والتعاون والتنسيق لحرب العالم الإسلامي في أكثر من بقعة
وكما رأينا غزو الصليبيين للشام وفلسطين وأجزاء من تركيا ومصر بل نرى الآن الهجمات المستمرة، والجهود المتتالية التي نجحت في أماكن كثيرة من العالم الإسلامي مثل فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير والبوسنة وكوسوفو، ونراها تخطط في السودان والصومال ولبنان وسوريا ومصر وتركيا
وكما رأينا كيانا غريبا يزرع في فلسطين عرف بعد ذلك بمملكة بيت المقدس الصليبية ورأينا هذا الكيان يستمر عشرات السنين ورأيناه يُمَد بكل أنواع المساعدة من الغرب الصليبي رأينا أيضا الآن الكيان اليهودي الصهيوني يُزرع في نفس الأرض في فلسطين ويُمد بكل أنواع المساعدة من الغرب الصليبي أيضًا
كما رأينا الفكر الاستيطاني الذي كان من محركي الحروب الصليبية، وكيف أنهم جاءوا برجالهم ونسائهم وأطفالهم لا لينتصروا في معركة ويعودوا بغنائم، ولكن ليعيشوا ويستقروا ويمتلكوا وينسوا تمامًا روابطهم القديمة وجذورهم الأصلية
كما رأينا ذلك رأينا الآن اليهود الصهاينة يقومون بنفس الشيء ويهاجرون إلى الأرض المباركة بكل عائلاتهم ليستقروا بلاعودة ورأينا التخاذل من كثير من زعماء المسلمين وظهور نماذج مخزية في تاريخ الحروب الصليبية تفسر الانهيارات المروعة التي حدثت في مقاومة المسلمين للمدِّ الصليبي
نرى الآن نفس التخاذلات وبنفس الروح وبصورة تكاد تتطابق، فلا يهب جيشٌ ولا زعيم لنصر المكروبين في بلاد العالم الإسلامي المحتل وكما رأينا حرصًا من أعداء الأمة على منع الوحدة بين ولايات الشام، وعلى منع الوحدة بين مصر والشام، وعلى منع الوحدة بين أي زعيمين مسلمين
لأن في هذا بقاء لهم أطول وأعظم، رأينا نفس الحرص من الغرب الصليبي في زماننا، وقد نجحوا في ذلك أيَّما نجاحٍ؛ فلا تكاد ترى قطرين مسلمين متجاورين إلا وبينهما صراع ونزاع.
وأوجه التشابه أكثر من أن تحصى
خامسًا: دراسة الحروب الصليبية مفيدة للتعرف على مستقبل الأمة الإسلامية دراسة الصراع مع الصليبيين ليس أمرًا مفيدًا لواقعنا فقط، بل هو مفيد لمستقبلنا أيضًا فمن الواضح أنه لن يأتي زمانٌ تندثر فيه هذه الصراعات وتلك الصدامات ولكنها قد تهدأ أحيانًا وتنشط أحيانًا أخرى
ولكنها على كل حال ستستمر إلى يوم القيامة وفي ذلك جاءت أحاديث مختلفة لرسول الله وهي أحاديث صحيحة تؤكد استمرار هذه الصورة الحادَّة من العلاقة ومن هذه الأحاديث مثلاً: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه قَالَ:
سادسًا: بيان الحقائق وكشف التزوير من تاريخ الأمة الإسلامية من الدوافع المهمة لدراسة هذه الحقبة الخطيرة من تاريخ الأمة، التزوير الذي حدث في القصة، وبصورة مكثفة؛ وذلك لثراء القصة أدبيًّا، وولع الكتّاب والمؤلِّفين والأدباء بها، سواء من المسلمين
أو الغربيين.
ولا يخفى على أحد أن الأديب لا يهتم كثيرًا بصحة الوقائع التاريخية، ولكن يروي ما يراه يخدم القصة بل قد يخترع شخصيات وهمية أو يخترع قصصًا وهمية لأشخاص حقيقيين لتأييد معنى أو ترسيخ فكرة وهذا يشوِّش على الناس الكثير من الحقائق ويصبح المستمع أو القارئ رهينة لفكر المؤلف أو الأديب
هذا فوق التزوير المغرض والتحريف المتعمد الذي استهدف في الأساس تشويه الرموز الإسلامية وتعظيم النوايا الصليبية وإظهار الموضوع بشكل مغاير تمامًا للحقيقةولعل من أكبر التزويرات في تاريخ الحروب الصليبية هو إطلاق هذا الاسم عليها لم تكن معروفة بهذا الاسم طيلة الفترة التي حدثت فيها
بل والتي تبعتها، ولم يعرف هذا الاسم إلا في القرن الثامن عشر الميلادي وما بعده، وكان الجميع يطلق على الحروب الصليبية أسماء أخرى مثل: الحملة، أو رحلة الحجاج، أو الرحلة للأراضي المقدسة، أو الحرب المقدسة.
أمالماذا اشتهر هذا الاسم فلكونه يحمل معنى الحرب النبيلة ويوحِي بالشجاعة والتضحية ويعبِّر عن الفداء الذي يحبه النصارى، وهي جميعًا صفات لم توجد البتَّة في هذه الحروب بل كانت حروبًا تجسِّد كل معاني القسوة والعنف والظلم والإجرام
ولكن الانطباع العام عند الأوربيين والأمريكان أنها كانت حرب نبيلة تهدف إلى غايات سامية، واستعملت وسائل شريفة؛ وهذا يفسِّر الكلمة التي قالها جورج بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وهو يصف الحرب الأمريكية على العراق بأنها "حرب صليبية فهو لا يعني بهذه الكلمة أيَّة ميولٍ عدوانية
إنما هو يسترجع الموروث الثقافي عنده وعند الشعوب النصرانية الأمريكية وغيرها، ومن ثَمَّ يوجه رسالة مباشرة وغير مباشرة إلى كل هذه الشعوب أن هذه الحرب نبيلة وشريفة وتضحِّي فيها أمريكا من أجل سعادة الإنسانية.
ومع هذا الخلط الشديد في مصطلح الحروب الصليبية إلا أن الخروج منه أصبح صعبًا جدًّا، وخاصةً أن الأجيال الأخيرة من المؤرِّخين المسلمين درست في معظمها على أيدي العلماء الأوربيين وبالتالي تبنَّوادون مقاومة نظرياتهم وتحليلاتهم وتقسيماتهم للتاريخ ومصطلحاتهم في وصفه
ولم يعُدْ يجدي هنا أن نتحدث عن الحملة الاستعمارية الأولى أو عن حملة أوربا الغربية أو عن حروب النصارى أو غير ذلك من المصطلحات لأنها كلها ستصرف الذهن حتمًا إلى شيء آخر غير ما نعنيه من معارك وأحداث ولذا جاء أسم (قصة الحروب الصليبية) مع رفضنا التام لهذه التسمية
سابعًا: تحليل الأهداف والبواعث التي كانت وراء الهجمات الصليبية الشرسة من أهداف دراسة الموضوع أيضًا تحليل الأهداف والبواعث التي كانت وراء هذه الهجمة الصليبية الشراسة، وذلك أن المؤرِّخين والمحلِّلين انقسموا في ذلك إلى فرق شتى؛ فمنهم من يؤكِّد الدافع الديني
وآخرون يؤكدون الدوافع الاقتصادية، وفريق ثالث يؤكد الدوافع السياسية، وفريق رابع يؤكد الأبعاد الأخلاقية لهذه الحرب، وفريق خامس يجمع عاملين أو ثلاثة، أو يجمع كل العوامل مع تقديم وتأخير، وحذف وإضافة.
فهذا موضوعٌ أعملَ فيه الكثيرُ والكثير فكرهم وذهنهم وجهدهم، واختلفت فيه التفسيرات بحسب الخلفيات العقلية والعلمية والدينية لكل محلِّل أو دارس
ثامنًا: إبراز الصفحات المشرقة لجهاد الكثير من أعلام المسلمين ومجاهديهم من أسباب هذه الدراسة أيضًا إبراز الصفحات المشرقة لجهاد الكثير من أعلام المسلمين ومجاهديهم فإن معظم من تناولوا هذا الحدث قصروا الجهد كله على صلاح الدين الأيوبي رحمه الله
وهو وإن كان مجاهدًا من أعظم المجاهدين في تاريخ المسلمين إلا أنه ليس الوحيد الذي حمل راية الجهاد في قصة الصليبيين فهناك الكثير ممن سبقوه وكذلك ممن لحق به ومع ذلك لم يسمع بهم معظم المسلمين وإلا فمن يعرف مودودًا ومن يعرف سقمان بن آرتق؟ ومن يعرف آق سنقر؟! وغيرهم وغيرهم
بل مَن يعرف تفاصيل حياة المشهورين من أمثال عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، ونجم الدين أيوب، وغيرهم من أبطال الإسلام؟!فهذه الدراسة ستثبت لنا أن الجهد الذي بذل لتحرير بلاد الإسلام إنما هو جهد أمة وليس جهد أفراد وأن هناك من الأتقياء الأخفياء في تاريخنا ما لا يتخيله إنسان
تاسعًا: بيان دور العلماء في تحرير بلاد المسلمين من الصليبيين أغفل الكثير من المحللين أيضًا دور العلماء في تحرير بلاد المسلمين من الصليبيين، فلا يوجد لهم حديث إلا عن القوَّاد والمقاتلين، وليس هناك تفصيل إلا في المعارك العسكرية، والصدامات الحربية
وهذا مخالف لطبيعة الأشياء، ولسنن التغيير في هذه الأمة، التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقضية العودة إلى الله وتطبيق الشرع، والحرص على الحلال، ونبذ المنكر والحرام، وهذه أدوار يقوم بها العلماء المخلصون، وهم في قصة الحروب الصليبية كُثُر
ولكن لم يركز عليهم إلا قليل القليل من المؤلِّفين والمحلِّلين، مع أنه بغير فَهْم دورهم والتركيز عليه، لن نستطيع أن نفهم طريقة البناء، ولا أسلوب الخروج من الأزمة.
عاشرًا واخيرا : أن الآثار الناجمة عن الحروب الصليبية لم تكن محدودة الوقت بل ممتدة لوقتنا الحاضر وندرس الحروب الصليبية أيضًا لأن الآثار الناجمة عنها آثار هائلة ضخمة، لم تكن محدودة بفترة المائتي سنة التي وقعت فيها هذه الحروب ولكنها امتدت بعد ذلك طويلاً، وليس لعدة سنوات بل لعدة قرون
بل إننا ما زلنا إلى لحظتنا هذه نعاني من آثار هذه الحروب المريرة. ولعل من أبرز الآثار المباشرة لهذه الحروب هو توقُّف المد الحضاري الإسلامي العظيم، الذي كان في أوج عظمته، وأبلغ مظاهره، حتى جاء الصليبيون فشغلوا طاقات الأمة وجهودها في حروبهم
وبالتالي استنزفت كل الطاقات، وتبدَّدت كل الجهود، ووقفت المسيرة الخالدة التي حمل المسلمون رايتها عدة قرون متتالية. ثم إنه من الناحية الأخرى -وبعد هذه الحروب الصليبية الشرسة- أخذ الصليبيون التراث العلمي الإسلامي العظيم من بلاد المسلمين، وخاصةً الأندلس وصقلية، وأحيانًا من بلاد الشام
ثم بدءوا بشغفٍ واهتمام يترجمونه ويعكفون على دراسته وتطبيقه، وكان هذا لا شكَّ نواةً للحضارة الأوربية التي قامت في القرن الخامس عشر وما بعده. فكما نرى، فإن هذا تغيرٌ محوري في مسيرة البشرية، قاد أمة إلى تخلفٍ وانحدار، وقاد أمة أخرى إلى علوٍّ وازدهار
نَعَمْ ليس هذا هو العامل الوحيد لهذه الأزمة التي مرت بها الأمة الإسلامية، ولكن لا شكَّ أنه من أهمِّ العوامل مقارنة بين دوافع الفتوحات الإسلامية ودوافع الحروب الصليبية
كل ما سبق لعله يجرُّنا إلى الحديث والتعليق على الفتوحات الإسلامية، ومقارنتها بالحروب الصليبية وشتَّان
فالدوافع والوسائل والنتائج كلها مختلفة تمام الاختلاف فالدوافع الإسلامية كانت رفع الظلم عن كواهل الشعوب والتعريف بدين الإسلام دون قهر أو إجبار ثم إنها كانت في كثيرٍ من الأحيان دفاعًا عن تعدٍ صارخ من القوى المختلفة المحيطة بالمسلمين والوسائل الإسلامية في الحروب كانت في منتهى الرقي
ولعل الأمة الإسلامية هي الوحيدة التي عرفت معنى أخلاق الحروب، وأهم ما يميِّز هذه الحروب هو البعد تمامًا عن إيذاء المدنيين، وكذلك حسن المعاملة للأسرى، بل والتعامل النبيل الشهم مع قادة العدوِّ عند التمكُّن منهم.
ونتائج الحروب الإسلامية كانت مختلفة كذلك عن نتائج حروب الآخرين فبينما جعل الآخرون من هممهم هدم الحضارة ووقف مسيرة الإنسانية جعل المسلمون من هممهم نشرالعلم والفضيلة والأخذ بأيدي الشعوب إلى أسمى معاني الرقي والتقدم ولينظر كل منصف إلى الأندلس قبل الإسلام وبعده
ولينظر إلى مصر قبل الإسلام وبعده
ولينظر إلى المغرب قبل الإسلام وبعده
ولينظر إلى بخارى وسمرقند ومدن الشام
واليمن وغيرهم قبل الإسلام وبعده..
لقد كانت نقلة حضارة إنسانية بكل المقاييس
وهذا لم نره أبدًا في الحروب الصليبية
ولا في أيِّ حروب لم تحتكم إلى دين صحيح أو خُلُق قويم
وعند دراسة القصة بشكل تفصيلي
سنشعر وكأننا لا نقرأ صفحات من
تاريخ مضى ولكن نقرأ واقع حياتنا
وقصة مجتمعاتنا التي نعيش فيها الآن
بعتذر على الاطالة ونبدأ الاحداث مسلسلة
شكرا مقدما لكل من يساهم فى دعمها
(1)
الصراع بين النصرانية والإسلام
في بلاد المشرق الإسلامي
التجمعات النصرانية قبيل البعثة
قبيل بعثة النبوة كانت القوة المسيحية
ممثلة أساسًا في الدولة البيزنطية أوما
يعرف بالإمبراطورية الرومانية الشرقية
وذلك بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية
الغربية سنة 476م
(2)
وكانت الدولة الرومانية الشرقية تسيطر على شرق أوربا بكامله إضافةً إلى الأناضول وفوق ذلك فإنها كانت تحتل بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا فصارت بذلك أعظم دولة في العالم ولقد عرف البحر الأبيض المتوسط ببحر الروم لأن الأملاك الرومانية كانت تحيط به من كل جانب
(3)
وكان المسيحيون في خارج الدولة البيزنطية
لا يمثِّلون كيانًا كبيرًا إلا في بقاع متفرقة:
غرب أوربا: إنجلترا، فرنسا، إسبانيا، ألمانيا، إيطاليا
إفريقيا: الحبشة أساسًا
الجزيرة العربية: نصارى الشام من العرب
(الغساسنة/ تغلب) نصارى اليمن ونجران
آسيا: لم يكن فيها نَصَارى تقريبًا
(4)
الصراع بين النصرانية والإسلام في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم ظهرت الدعوة الإسلامية في بدايات القرن السابع الميلادي وهي دعوة للناس كافة يقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]
(5)
ويقول الرسول وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة استلزم ذلك أن يرسل رسول الله الرسائل إلى ملوك وأمراء العالم، وذلك في بدايات العام السابع الهجري بعد صلح الحديبية وأهمهم: هرقل قيصر الروم، وكذلك: النجاشي ملك الحبشة، والمقوقس زعيم مصر
(6)
ومع يقين هرقل بصدق النبوة كما سيظهر من حواره مع أبي سفيان إلا أنه لم يؤمن وذلك حفاظا على ملكه، بل سنراه بعد ذلك يجهز الجيوش لحرب المسلمين عدة سنوات كذلك حدثت تطورات خطيرة في العلاقة الإسلامية المسيحية عندما قتل بعض رسل رسول الله إلى زعماء النصارى
(7)
وتحديدا الحارث بن عمير الأزدي الذي قتله شرحبيل بن عمرو الغساني مما أدى إلى الصدام العسكري الأول بين المسلمين والمسيحيين في موقعة مؤتة التي انتهت بانتصار المسلمين وتراجع الرومان وكذلك انسحاب خالد بن الوليد بالجيش مكتفيا بزوال هيبة الجيش النورماني العملاق
(8)
وأتبع ذلك ببوادر صدام ضخم لم يتم، وكان ذلك في تبوك سنة حيث انسحبت الجيوش الرومانية ولم يحدث قتال، وإن كان ظهر للعيان قوة الدولة الإسلامية الناشئة ولم تكن كل العلاقة الإسلامية المسيحية علاقة حروب بل كانت هناك علاقات أخرى كثيرة من التعايش والتعاهد
(9)
مثلما حدث مع الحبشة ونصارى نجران ونصارى أيلة وغير ذلك. ولكن وضح في الصورة أن الدولة البيزنطية ستحمل لواء الصراع مع المسلمين في السنوات بل القرون المقبلة
(10)
الصراع بين النصرانية والإسلام في عهد الخلفاء الراشدين وكان الصدام مباشرًا في عهد الخلفاء الراشدين وقويًّا أيام خلافة أبي بكر الصديق ، ثم عمر بن الخطاب وكانت المعارك الشهيرة التي انتصر فيها المسلمون مثل أجنادين وبيسان ثم موقعة اليرموك الكبرى ثم فتح دمشق وحمص وحماة
(11)
ثم فتح بيت المقدس وسقوطه في أيدي المسلمين وبالتالي فتح كل مدن فلسطين ولبنان وسوريا وأجزاء من تركيا كل ذلك في غضون سبع سنوات فقط حيث بدأت هذه المعارك في (12هـ) 633م وسقطت قيصريَّة سنة (19هـ) 640م وهي آخر معاقل الدولة البيزنطيَّة جنوب جبال طوروس
(12)
ثم تطوَّر الصدام ليكسب المسلمون جولة ثانية مهمة جدًّا بعد الشام وفلسطين وهي مصر حيث انتصر المسلمون على جيوش الرومان التي كانت تحتل مصر أكثر من 900 سنة فكان الفتح الإسلامي لمصر بقيادة عمرو بن العاص في سنة (20هـ) 641م ثم وصلت الفتوح إلى برقة بليبيا سنة (22هـ) 643م
(13)
الصراع بين النصرانية والإسلام في عهد الخلافة الأموية جولة جديدة وحلقة أخرى من حلقات الصراع وصل المسلمون إلى شمال إفريقيا في زمن الخلافة الأموية أيام معاوية بن أبي سفيان حيث قام عقبة بن نافع بفتح تونس سنة (43هـ) ودارت حروب شتى بين المسلمين والدولة البيزنطية مشتركة مع البربر
(14)
انتهت بضم كل شمال إفريقيا للدولة الإسلامية، ودخول البربر بأعداد كبيرة في الإسلام
ثم فتحت في سنة (92هـ) جبهة جديدة لحرب الصليبيين حيث فتحت الأندلس بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد وأتمَّ المسلمون السيطرة عليها في غضون ثلاثة سنوات ونصف بل وتجاوزوها إلى فرنسا
(15)
ودارت هناك مواقع كثيرة اقتسم فيها الفريقان النصر وإن كان النصر في فرنسا في النهاية كان للصليبيين في موقعة بلاط الشهداء سنة (114هـ) التي أوقفت المد الإسلامي في أوربا ونشأت بعض الممالك النصرانية في شمال الأندلس أهمها ليون وقشتالة وأراجون ثم البرتغال بعد ذلك
(16)
ودارت بينهم وبين المسلمين حروب متعددة على مدار عدة قرون وعلى هذا فقد صار هناك جبهتان للصراع بين الأمة الإسلامية وبين نصارى أوربا أما الجبهة الأولى فهي بين الدولة الإسلامية في المشرق متمثلة في الخلافة الأموية، ثم العباسية ضد الدولة البيزنطية
(17)
وأما الجبهة الثانية فكانت بين الدولة الإسلامية في الغرب وهي الأندلس وبين الممالك النصرانية في شمال الأندلس متعاونة كثيرًا مع فرنسا وأحيانًا مع إنجلترا وألمانيا وإيطاليا
(18)
وحيث كانت الخلافة الأموية تتخذ من بلاد الشام مركزًا لها فإن الحروب بينها وبين الدولة البيزنطية كانت كثيرة بل كانت هناك محاولات حقيقية لفتح القسطنطينية عاصمةالدولة البيزنطية ولكن كلها لم تفلح
(19)
الصراع بين النصرانية والإسلام في عهد الخلافة العباسية خَفَتَ إلى حد كبير حدة الصراع بين الدولة الإسلامية والبيزنطية وذلك لأن الخلافة العباسية اتخذت من بغداد والعراق مركزًا لها وبالتالي صار قلب العالم الإسلامي بعيدًا نسبيًّا عن الدولة البيزنطية
يتــبع غدا إن شاء الله
????
(20)
وإن كانت الحروب لم تتوقف وكان ميدانها في غالب الأحيان أرض آسيا الصغرى ومن أشهر الصدامات تخريب الدولة البيزنطية لمدينة زبطرة مسقط رأس الخليفة العباسي المعتصم وذلك في سنة 223هـ ثم بعدها حدث الانتصار الإسلامي الكبير بفتح عَمُّورِية مسقط رأس الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل سنة 223هـ
(21)
شهدت الدولة العباسية ابتداءً من منتصف القرن الثالث الهجري منتصف القرن التاسع الميلادي تدهورًا ملحوظًا وظهرت الدُّوَيلات المتفرقة بداخلها، ومنها على سبيل المثال الدولة الغزنوية والدولة السامانية والدولة الزيارية والدولة الحمدانية والدولة البويهية وغيرهم
(22)
وهكذا ضعفت الشوكة الإسلامية وأدى ذلك إلى أن بدأت الدولة البيزنطية تقف موقفًا حازمًا من المسلمين، حتى إنها في بداية القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) ضمت معظم مدن الجزيرة تحت السيطرة البيزنطية
(23)
ثم سقطت الجزرالتي كان المسلمون قدسيطروا عليها في البحر الأبيض المتوسط مثل كريت وقبرص وذلك في سنة (350هـ) مما أعاد للأساطيل البيزنطية السيطرة من جديد على البحر الأبيض المتوسط، ثم حدث أمر كبير في سنة 358هـ حيث سقطت أنطاكية وكان لهذا دويٌّ هائل في العالمين الإسلامي والمسيحي
(24)
ثم حدث أمر ضخم في الأمة الإسلامية حيث سقطت مصر تحت سيطرة الدولة العبيديّة الشيعية المعروفة بالفاطمية وذلك في سنة (358هـ) وبذلك انقسم العالم الإسلامي إلى قسمين كبيرين وهما:
(25)
الخلافة العباسية السُّنِّية التي وقعت تحت سيطرة دولة بني بويه الشيعية والدولة الفاطمية الشيعية التي تسيطر على شمال إفريقيا ومصر وأجزاء من الشام وهكذا ازدادت الأمة الإسلامية ضعفًا وفُرقة وهذا أعطى للدولة البيزنطية الفرصة لكي تزداد جرأة في حربها للأمة الإسلامية
(26)
فكان النصف الثاني من القرن الرابع الهجري النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي ميدانًاواسعًا للبيزنطيين اجتاحوافيه أعالي الشام والعراق حتى وصل الأمر إلى أن دفعت الموصل وميافارقين وديار بكر بل وحمص ودمشق الجزية للإمبراطور البيزنطي حنا شمشقيق (تزمستكيس)
(27)
ومن الجدير بالذكرأن الحملة الأخيرة للإمبراطورالبيزنطي كانت تستهدف بيت المقدس إلا أنه لم يستطع الوصول له وكانت تفيض من كلماته ورسائله العبارات الدينية التي تؤكد الروح الصليبية التي كان مشحونًا بها في حربه
(28)
وهذا الوجود البيزنطي في بلاد الشام وأنطاكية سيفسِّر لنا النزاع المستقبلي الذي سيدور بينهم وبين الصليبيين الغربيين حول الحق الشرعي في امتلاك هذه الأراضي والمدن
(29)
أما القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) فقد شهد نموًّا للدولة الفاطمية وتراخيًا من الدولة البيزنطية نتيجة انشغالهم بحرب البلغار وأيضًا لانشغالهم بضم بمملكة أرمينية النصرانية التي كانت قد بلغت حدًّا مغريًا من الرخاء والتقدم شجَّع البيزنطيين على بذل الجهد لضمها
(30)
وهذا أدى إلى أن بسطت الدولة الفاطمية سيطرتها على معظم الشام باستثناء حلب وأنطاكية وفي هذا القرن الخامس الهجري أيضًا ظهرت دولة السلاجقة الإسلامية العظيمة وكان لها دور كبير في الصراع الإسلامي النصراني وسوف نفرد لها صفحات كثيرة في هذه المقالات للحديث عن مواقفها في هذا الصراع
(31)
كان هذا هو الوضع في المشرق الإسلامي من بداية البعثة النبوية إلى أواخر القرن الخامس الهجري خمسة قرون متتالية من الحروب المستمرة بين الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية
(32)
الصراع بين النصرانية والإسلام في عهد الخلافة العثمانية والأندلس في عهد ملوك الطوائف في الوقت الذي كانت الحروب مستعرة في شرق العالم الإسلامي كانت الحروب كذلك مستمرة في غرب العالم الإسلامي بين مسلمي الأندلس والدول النصرانية الغربية
يتــبع غدا إن شاء الله
?????
(33)
كانت الأيام دُولاً بين الفريقين فيوم
للمسلمين ويوم للصليبيين إلا أن
القرن الخامس الهجري كان في
معظمه للصليبيين وهو العصر الذي
عُرِف في التاريخ بعهد ملوك الطوائف
حيث تفرقت جدًّا كلمة المسلمين
مما أدى إلى اجتياح صليبي لقطاع
كبير من شمال الأندلس
(34)
خاصةً في زمن ألفونسو السادس
ملك ليون وقشتالة الذي أسقط
في سنة 478هـ مدينة طليطلة
العتيدة مما أحدث دويًّا هائلاً
في العالمين الإسلامي والمسيحي
(35)
الصراع بين النصرانية ودولتي المرابطين
والموحدين نهاية هذا القرن الخامس الهجري
كانت سعيدة للمسلمين حيث ظهرت دولة
المرابطين القوية بالمغرب وغرب إفريقيا
وعبرت إلى بلاد الأندلس وأنزلت بالصليبيين
هزيمة فادحة في موقعة الزَّلاَّقَة سنة (479هـ)
أي بعد عام واحد من سقوط طليطلة
(36)
وبسطت دولة المرابطين سيطرتها
على أجزاء كبيرة من الأندلس إلا
أنهم فشلوا في استرجاع طليطلة
وكتقييم عام للموقف في نهاية
القرن الخامس الهجري فإن العالم
الإسلامي كان منقسمًا بين الخلافة
العباسية تحت سيطرة السلجوقيين
وبين الدولة الفاطمية ومقرها القاهرة
(37)
وكانت نهايات القرن الخامس الهجري
تمثِّل ضعفًا وفُرقة واضحين في الشرق
الإسلامي بينما كانت نهاية القرن الخامس
الهجري في الأندلس تحمل قوة بارزة للمسلمين
بظهور دولة المرابطين الفتيَّة تحت قيادة القائد
الفذِّ يوسف بن تاشفين رحمه الله
(38)
ومن ثَمَّ فإنه عند ظهور الحركة الصليبية
في غرب أوربا في هذا التوقيت على نحو
ما سنشرح في بإذن الله فكَّروا في غزو
الشرق الإسلامي الضعيف وهذا للمرة الأولى
في تاريخ غرب أوربا بدلاً من الانطلاق إلى
الأندلس القوية تحت زعامة المرابطين
(39)
وهكذا بدأت الحروب الصليبية من نهايات
القرن الخامس الهجري وحتى نهايات
القرن السابع الهجري أكثر من مائتي
سنة استمرت هذه الحروب فترة الخلافة
العباسية ودولة السلاجقة وكذلك الدولة
الزنكية فالأيوبية فدولة المماليك وانتهت
بطرد الصليبيين الغربيين وعودة الأراضي
الإسلامية للمسلمين
(40)
وعلى الناحية الأخرى فإنه على الرغم
من هزيمة الصليبيين من دولة الموحدين
التي ورثت دولة المرابطين في موقعة الأرك
591هـ فإن أوائل القرن السابع الهجري شهد
في الأندلس تقدما ملحوظا للصليبيين حيث
انتصروا على دولة الموحدين في موقعة العقاب
609هـ ثم توالى سقوط المعاقل الإسلامية الكبرى
(41)
واهمها قرطبة وإشبيلية ولم يتبقَّ للمسلمين
في نهاية القرن السابع الهجري إلا مملكة
غرناطة الصغيرة في جنوب الأندلس التي قُدِّر
لها أن تعيش حوالي قرنين ونصف القرن من الزمان
(42)
الصراع بين النصرانية والخلافة العثمانية
وكانت نهايات القرن السابع الهجري قد
شهدت أيضًا ظهورًا لدولة العثمانيين الذين
حملوا راية الجهاد ضد الدولة البيزنطيَّة وذلك
بعد رحيل الصليبيين الغربيين
(43)
وفي القرن الثامن الهجري كانت الفتوحات
العثمانية الإسلامية في منطقة آسيا الصغرى
مستمرة بينما استقرت أوضاع الأندلس
أو غرناطة نسبيًّا أما القرن التاسع الهجري
فقد شهد استمرارًا لحروب العثمانيين ضد
البيزنطيين
(44)
وتُوِجت هذه الحروب بانتصار مهيب حيث فتحت القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية في عام 857هـ مما فتح الطريق للمسلمين لينساحوا في شرق أوربا ومع هذا السرور العظيم الذي نَعِمَ به العالم الإسلامي على الجبهة الشرقية للنزاع بين المسلمين والنصارى
(45)
إلا أن القرن التاسع الهجري شهد حادثًا مؤسفًا جدًّا وهو سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس وبالتالي خروج المسلمين بالكُلِّيَّة من الأندلس بعد أكثر من ثمانية قرون وذلك في سنة (897هـ)
(46)
ورغم محاولات الدولة العثمانية لنجدة المسلمين في الأندلس إلا أن محاولتهم باءت بالفشل لانشغال العثمانيين بالحروب مع شرق أوربا من جهة والصفويين الشيعة في إيران من جهة أخرى
(47)
أما القرن العاشر الهجري وصلت
الفتوحات العثمانية الإسلامية
إلى منتصف أوربا تقريبًا واستطاع
العثمانيون في عهدسليم الأول
وسليمان القانوني أن يضما معظم
أملاك الدولة البيزنطية إلى المسلمين
وبذلك دخلت اليونان وألبانيا ويوغوسلافيا
والمجر وبلغاريا في نطاق الدولة الإسلامية
(48)
ووصلت الجيوش الإسلامية إلى فيينا
عاصمة النمسا وقَبِل ملك النمساآنذاك
أن يدفع الجزية وفي هذا القرن حاول
الأسبان والبرتغال احتلال دول شمال
إفريقيا إلا أن المحاولات لم تكن ناجحة
في الأغلب إلا نجاح الأسبان في انتزاع
سبتة ومليلة من المغرب سنة 987هـ
وبقائهما تحت الاحتلال حتى الآن
(49)
وفي القرن الحادي عشر الهجري
بدأ التقلص العثماني في أوربا
واستطاعت بعض الدول الأوربية
الانتصار على الدولة العثمانية
في عدة لقاءات وعلى الساحة الغربية
كان التفوق الإسباني والبرتغالي ملحوظًا
وإن كان التفوق الهولندي كان أشدَّ وأكثر
(50)
أما القرون الثلاثة التالية وهي القرن الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر الهجري فقد كان التفوق الصليبي واضحًا، وبدأت الدولة العثمانية في التقلص التدريجي تحت ضربات إنجلترا وفرنسا من ناحية، وروسيا من ناحية أخرى
(51)
وسقطت معظم دول العالم الإسلامي تحت الاحتلال الإنجليزي والفرنسي والروسي والصيني والهندي وكذلك اليهودي الصهيوني في فلسطين بمساعدة الإنجليز ثم شهد منتصف القرن الرابع عشر الهجري موجة تحرر واسعة النطاق في العالم الإسلامي بدأت في لبنان سنة 1360هـ ثم سوريا 1362هـ ثم ليبيا 1370هـ
(52)
ثم مصر (1371هـ) وهكذا تتابعت الدول الإسلامية في التحرر حتى لم يبق إلا فلسطين وسبتة ومليلة في المغرب هذا فضلاً عن الدول المحتلة من دول غير نصرانية كالدول المحتلة من الاتحاد السوفيتي أو الصين أو الهند
(53)
ثم كانت الهجمة الصليبية الأخيرة على العالم الإسلامي حيث احتلت الصرب البوسنة (1412هـ) ثم تحررت (1415هـ) ثم احتلت أمريكا أفغانستان (1421هـ) ثم العراق (1422هـ) وهكذا رأينا أنه منذ أيام البعثة النبوية الأولى وحتى أيامنا هذه لم تتوقف أبدًا حلقات الصراع الإسلامي النصراني
(54)
ولم يكن هناك عَقْد خلا من معارك ونزال وهذا أمر ليس مستغربًا قال تعالى {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120] {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]
(55)
وهكذا باستعراض هذه الحلقات نعرف أن قصة الحروب الصليبية التي نحن بصددها ليست قصة مستغربة بل إن المستغرب فيه حقيقة ألا توجد فترة فيها تصادم وتصارع ومع عدم رغبتنا في الصدام أو الصراع إلا أنه سنةٌ من سنن الكون
(56)
قال الله تعالى
{وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين} [البقرة: 251].
المصادر
ابن الكردبوس:تاريخ الأندلس ص85 34-94
حسن أحمد محمود:قيام دولة المرابطين ص276
المقري:نفح الطيب 4/383، 410. 4/383
محمد سهيل طقوش:التاريخ الإسلامي 264
لين بول:العرب في إسبانيا ص184، 185
عبد العزيز العمري:الفتوح الإسلامية ص380
نبيل عبد الحي:جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس ص125
(57)
العالم الإسلامي قبيل الحروب الصليبية والسيطرة الشيعية على العالم الإسلامي
في القرن الرابع الهجري وفي النصف الأول من القرن الخامس الهجري كان العالم الإسلامي كله إلا قليل القليل واقعًا تحت سيطرة المذهب الشيعي
يتـــبع غداً إن شاء الله
(58)
في القرن الرابع الهجري وفي النصف الأول
من القرن الخامس الهجري كان العالم الإسلامي
كله إلا قليل القليل واقعا تحت سيطرة المذهب
الشيعي ففي منطقة العراق كانت هناك الخلافة
العباسية السنية ولكنها دخلت في طورٍ شديد
من أطوار الضعف مما جعلها تقع فريسة للسيطرة
الشيعية من بني بويه
(59)
والذين كانوا يسيطرون على فارس
في ذلك الوقت واستمرت هذه السيطرة
حتى منتصف القرن الخامس الهجري
وإلى الشرق من الخلافة العباسية وإيران
حيث أقاليم آسيا الوسطى كان السامانيون
يسيطرون على شرق إيران ومنطقة
أفغانستان وجنوب روسيا وما حولها
أما الجزيرة العربية فكانت تحت حكم القرامطة
(60)
ثم في وسط العالم الإسلامي وغربه
كانت الدولة العبيدية الشيعية الإسماعيلية
تسيطر على أرجاء واسعة حيث سيطرت
على مصر سنة 358هـ وظلت مسيطرة
عليها قرابة قرنين كاملين من الزمان وامتدت
سيطرتها بعد ذلك لتشمل أرض فلسطين
والشام والجزيرة العربية
(61)
سيطرة الأتراك السنة على الخلافة العباسية
وفي أوائل القرن الخامس ظهرت قوة جديدة
على الساحة الإسلامية هي قوة الأتراك
القادمين من وسط آسيا وهم أكثر من قبيلة
وإن كان يجمعهم العرق التركي وكان أبرز هذه
القبائل هي قبيلة الغزنويين الأتراك
(62)
الذين استغلوا حالة الضعف التي اعترت
دولة بني بويه وكذلك آل سامان فبدأت
تنتشر وتسيطر على مناطق شرق إيران
وأفغانستان والهند ثم ظهرت قبيلة أخرى
من قبائل الأتراك هي قبيلة السلاجقة
وتوغلت هذه القبيلة في إقليم خراسان
وصارت تحت تبعية الغزنويين فترة من الزمان
(63)
إلا أنهم في النهاية قاموا بالثورة عليهم
واستقلوا بإقليم خراسان شرق وشمال إيران
تحت قيادة طغرل بك وكان ذلك في 428هـ
ثم أخذ السلاجقة في التوسع على حساب
القوى الإسلامية المحيطة وكذلك على حساب
الدولة البيزنطية التي كانت قد دخلت في
القرن الخامس الهجري في طور من أطوار ضعفها
(64)
وبذلك شملت دولة السلاجقة مساحات
واسعة من فارس وشمال العراق وأرمينية
وآسيا الصغرى ثم حدث تطور خطير في سنة
(447هـ) حيث استنجد الخليفة العباسي القائم
بأمر الله بطغرل بك لينجده من سيطرة بني بويه الشِّيعة
وبالفعل دخل طغرل بك بغداد في سنة 447هـ
(65)
ليبدأ عهد السيطرة السلجوقية على الخلافة
العباسية ولا شكَّ أن هذا أعطى مكانه كبيرة
لطغرل بك في العالم الإسلامي السُّني مما
أدى إلى توحيد أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي
تحت سيطرته خاصةً فارس والعراق وأجزاء من
الشام وآسيا الصغرى
(66)
وكانت هجمات السلاجقة متوالية على
منطقة آسيا الصغرى خاصَّةً مما أزعج
الدولة البيزنطية جدًّا على الرغم من أن
هذه الهجمات لم تكن منظمة بشكل كبير
ولم تكن تستهدف الاستقرار في آسيا الصغرى
(67)
ألب أرسلان ومعركة ملاذكرد
وفي سنة 455هـ تُوفي طغرل بك ليخلفه
القائد الإسلامي الفذ ألب أرسلان الذي غير
كثيرًا من سياسة السلاجقة في آسيا الصغرى
حيث أصبحت تستهدف البقاء والسيطرة على
الأراضي البيزنطية والأرمينية وأدى ذلك إلى نشوب
معركة كبرى بين السلاجقة والدولة البيزنطية
(68)
وذلك في سنة (463هـ) وهي معركة ملاذكرد
وهي من أقوى المعارك في تاريخ المسلمين
حيث استطاع السلاجقة بقيادة ألب أرسلان
وبجيش قوامه عشرون ألفًا فقط، أن يهزموا
جيش الدولة البيزنطية المكوَّن من أكثر من
مائتي ألف جندي بقيادة رومانوس الرابع
إمبراطور الدولة البيزنطية
(69)
وكان جيش الدولة البيزنطية مكوَّنًا من خليط
من الجنود البيزنطيين والجنود النورمان الإيطاليين
المرتزقة وكذلك من جنود غربيين مرتزقة، إضافةً
إلى فرق من التركمان الآسيويين وقد سُحِق
الجيش البيزنطي في هذه المعركة وقُتل منه
عشرات الآلاف وأسر رومانوس الرابع نفسه
(70)
وتمَّ فداؤه بمليون دينار إضافةً إلى إطلاق سراح
كل أسرى المسلمين لدى الدولة البيزنطية
وانهارت الدولة البيزنطية في منطقة آسيا الصغرى
وأصبح دورها في حماية البوابة الشرقية لأوربا
دورًا مشكوكًا فيه مما أقلق النصارى في غرب
أوربا جدًّا
(71)
ولعل هذا من الأمور التي مهَّدت للحروب
الصليبية بعد ذلك (بعد 25 سنة فقط من ملاذكرد)
وانشغل ألب أرسلان بتثبيت دعائم دولته الكبرى
واهتم بالمنطقة الشرقية بصورة أكبر ولكن سرعان
ما قُتِل في أحد معاركه في بلاد ما وراء النهر بعد
ملاذكرد بسنة واحدة في (464هـ)
(72)
ليخلفه ابنه ملكشاه الذي حكم من سنة
465 إلى سنة 485هـ ووصلت دولته من
الصين شرقًا إلى بحر مرمرة غربًا وهي الدولة
التي عرفت بدولة السلاجقة الكبرى وعلى
الرغم من هذا الاتساع الضخم إلا أنه للأسف
فإن القاعدة الأصيلة تقول:
(73)
إنه عند انفتاح الدنيا واتساع الأملاك يحدث التصارع والتنافس بين الإخوة وهذا مصداق حديث رسول الله : فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم
(74)
وقد حدث التنافس بين أبناء البيت السلجوقي؛ مما أدى إلى انقسام الدولة إلى خمسة أجزاء، بل وكان في داخل كل جزء عدة انقسامات أخرى، مما أعطى طابع الفُرقة والتشتُّت في أواخر القرن الخامس الهجري (أواخر القرن الحادي عشر الميلادي)، وهي الفترة التي شهدت الحركة الصليبية الغربي
المصادر
ابن كثير: البداية والنهاية .
ابن الأثير: الكامل في التاريخ /323،322
البخاري: كتاب الرقاق باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها (6061)
مسلم: كتاب الزهد والرقائق (2961)
والترمذي (2462)
وابن ماجه (3995)
وأحمد (17273)
(75)
دولة السلاجقة قبيل الحروب الصليبية
بلغت دولة السلاجقة أوج اتساعها في
عهد ملكشاه بن ألب أرسلان ولكن بعد
وفاته سرعان ما حدث تنافس وصراع بين
أبناء البيت السلجوقي مما أضعف دولتهم
وكان لهذه الصراعات أثرها في ضعف العالم
الإسلامي مما مهد للحروب الصليبية
يتــــبع غدا إن شاء الله
(76)
انقسام دولة السلاجقة حدث صراع كبير بين السلاجقة الذين كانوا يعيشون في منطقة الأناضول (آسيا الصغرى) بقيادة سليمان بن قتلمش وبين السلاجقة الذين يعيشون في الشام بقيادة تتش بن ألب أرسلان ويعاونهم سلاجقة فارس
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يتــــــــــــبع ?????
(77)
كان هذا الصراع في سنة 478هـ ونتج عنه مقتل سليمان بن قتلمش وهو أقوى ملوك السلاجقة الروم مما أدى إلى فراغ سياسي ضخم في آسيا الصغرى خاصة أنه ترك ولدا صغيرا على ولاية عهده هو قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش وبالتالي تفككت منطقة آسيا الصغرى إلى عدة دويلات صغيرة منفصلة ومتناحرة
(78)
وكان من الآثار السيئة الأخرى لهذا الصراع أن فَقَد سلاجقة الروم وسلاجقة الشام أي ثقة في التعاون والاتحاد وكان لهذا أشد الأثر في انهيار المقاومة أمام الصليبيين بعد ذلك وهكذا صار ملك السلاجقة موزعا على الصورة الآتية في نهاية القرن الخامس الهجري
(79)
أولاً: دولة السلاجقة الكبرى
وهي التي خلفها ملكشاه الأول
وظلت تحكم أقاليم واسعة أهمها
العراق وإيران وكانت لها السيطرة
المباشرة على الخلافة العباسية
(80)
وهذه كان بها صراعات داخلية
وإن كانت ظلت متماسكة إلى
حدٍّ ما وكان يحكمها خلفًا لملكشاه
ابنه الأكبر بركياروق وقامت ضده
عدة ثورات من أقاربه وأعمامه ولكنه
ظل حاكمًا حتى وفاته (498هـ) 1104م
(81)
ثانيًا: بيت سلاجقة كرمان تقع جنوب إيران
ومنطقة باكستان وهم عشيرة قاروت بك
بن داود بن ميكائيل بن سلجوق
وهو أخو القائد الكبير ألب أرسلان
_________________________
ثالثًا: سلاجقة العراق
أي سلاجقة عراق العجم وكردستان
(في شمال العراق)
(82)
رابعًا:سلاجقة الشام
وهم بيت تتش بن ألب أرسلان وهؤلاء
انقسموا على أنفسهم عدة انقسامات
وفتَّتوا الشام إلى عدة إمارات
_________
خامسًا: سلاجقة الروم بآسيا الصغرى
وهم بيت قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق
والذي كان أكبرهم سليمان بن قتلمش
أقوى ملوكهم الذي قُتل سنة (478هـ)
(83)
ونتيجة هذه الصراعات المتتالية صار الوضع
مزريًا قبيل دخول الجيوش الصليبية إلى
أرض المسلمين وضع دولة سلاجقة الشام
ففي أرض الشام صارت حلب إمارة مستقلة
تحت زعامة رضوان بن تتش وصارت دمشق
أيضًا إمارة مستقلة تحت حكم دقاق بن تتش
(84)
أما فلسطين فقد كانت تحت حكم سقمان
وإيلغازي أولاد أرتق التركماني وهو أحد
القادة الذين كانوا يتبعون تتش بن ألب أرسلان
ثم إن الدولة العبيدية المسماة زورًا بالفاطمية
التي كانت تحكم مصر آنذاك- كانت متفوقة في
أسطولها البحري عن السلاجقة مما مكَّنها
من السيطرة على موانئ الشام
(85)
وأهمها صور وصيدا وعكا وجبيل غير أن ميناء طرابلس كان إمارة مستقلة تحت حكم ابن عمار أبي طالب وهو من الزعماء الشيعة المنشقِّين عن الدولة العبيديّة فكان هذا هو حال الشام وهي المنطقة التي ستوجَّه إليها الحملات الصليبية القادمة
(86)
وضع دولة سلاجقة الروم
ولم يكن حال سلاجقة الروم في آسيا الصغرى بأفضل من حال الشام وخاصةً بعد مقتل سليمان بن قتلمش سنة (478هـ) وكان السلطان ملكشاه قد أخذ ابن سليمان بن قتلمش وهو قلج أرسلان إلى فارس تحت رقابته
(87)
غير أنه عند وفاة ملكشاه وولاية ابنه بركياروق أطلق سراح قلج أرسلان ليصبح بذلك زعيم السلاجقة الروم وإن لم يتمكن من السيطرة على كل آسيا الصغرى ولا يخفى على أحد أنه كان لا يمتلك الخبرة الكافية لهذه المهمة الكبيرة وهي قيادة منطقة تموج بالمشاكل والفتن سواء من المسلمين أو غيرهم
(88)
فالمشاكل الداخلية بين الأتراك
والمشاكل مع سلاجقة الشام
كانت مستمرة ومستعرة إضافةً
إلى وجودها إلى جوار الدولة
البيزنطية العدو اللدود والتقليدي
للمسلمين على مدار خمسة قرون متتالية
(89)
ثم إن آسيا الصغرى لم تكن وحدة واحدة فأزمير مثلاً كانت تحت إمرة زاخارس بينما كانت هناك إمارة الدانشمند وهي إمارة أسسها أمير تركماني اسمه أحمد غازي وكانت تشغل الشمال الشرقي من آسيا الصغرى وكانت على خلاف مستمر مع السلاجقة في آسيا الصغرى
(90)
ومن ثَم كان التحالف بينهما نادرًا ما يحدث وليس هذا فقط، فقد شهدت سنة 490هـ توسُعا بيزنطيا في غرب آسيا الصغرى واستولت على الجهات الساحلية في نيثنيا وأبونيا ومما زاد الموقف تعقيدًا في آسيا الصغرى وجود أعداد كبيرة من الأرمن كانوا يعيشون في دولتهم في هذه المنطقة منذ فترات طويلة
(91)
لكن الدولة البيزنطية ضمت أرمينيا إلى أملاكها في القرن الرابع الهجري لكن مع توسع السلاجقة في القرن الخامس الهجري في آسيا الصغرى على حساب أملاك الدولة البيزنطية اجتاح السلاجقة الكثير من أقاليم أرمينيا مما جعل الأرمن يهاجرون إلى الجنوب الشرقي من آسيا الصغرى في إقليم قليقية
(92)
كما تركزوا في ثلاث مناطق أخرى متفرقة هي ملطية والرُّها وأنطاكية مع العلم أن هذه المناطق الثلاثة الأخيرة كانت تجمعات بيزنطية قديمة ومن ثَمَّ أصبحت خليطًا من الأرمن الكاثوليك والبيزنطيين الأرثوذكس غير أن سليمان بن قتلمش استطاع ضم أنطاكية لحكم السلاجقة سنة(477هـ)
(93)
ثم تسرب إليها المسلمون ليعيشوا فيها جنبًا إلى جنب مع البيزنطيين والأرمن وكذلك الرها فقد سيطر عليها ملكشاه لكنه أقر على حكمها أحد الأرمن وهو ثوروس مع دفع الجزية ونفس الأمر حدث في ملطية فقد سيطر عليها أحد رجال الأرمن يُدعى جبريل وكان كذلك يعلن الولاء للسلاجقة
(94)
ومن هنا نرى أن هذا الوجود الأرمني المكثف جعل الأمور غير مستقرة وغير آمنة في هذه المناطق الثلاثة إضافةً إلى إقليم قليقية في الجنوب الشرقي من آسيا الصغرى وهذا كله سيكون له آثار مباشرة في نجاح الحملة الصليبية الأولى كما سيتضح لنا
(95)
وهكذا نرى أن التركيبة السكانية الصعبة
في آسيا الصغرى والمكوَّنة من سلاجقة
وأرمن وبيزنطيين والتفتُّت الواضح في مراكز
الحكم والعلاقات السلبية بين الطوائف المختلفة
كل هذا أدَّى إلى وضع معقد جدًّا في هذه المناطق
لعله يفسِّر الاقتحام الصليبي المرتقب لمنطقة آسيا الصغرى وما حولها
النويري: نهاية الأرب 27/93.
سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/90 ،89. 1/96؛ 1/100.
ابن كثير: البداية والنهاية 12/150-164
وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص127.
عماد الدين خليل: الإمارات الأرتقية في الجزيرة والشام ص66،65.
ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/425،424.
سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ص443.
زامباور: معجم الأنساب والأسرات
الحاكمة في التاريخ الإسلامي ص215.
(96)
مصر وبلاد المغرب والأندلس قبيل الحروب الصليبية في التغريدات السابقة تعرفنا على الوضع في شرق العالم الإسلامي في مناطق آسيا الصغرى والشام وفلسطين والعراق وفارس ولعل أهم المناطق التي تعنينا في هذه القصة هي مصر لقربها من الأحداث وتعرضها لبعض الحملات الصليبية
يتبع غدا إن شاء الله
(97)
الدولة العبيدية الفاطمية في مصر
كانت مصر في هذه الأثناء تحت حكم العبيديين (الملقَّبين بالفاطميين) وقد بدأ حكمهم في مصر سنة (358هـ) 969م بعد عدة محاولات لاحتلالها على مدار أكثر من خمسين سنة سابقة، ثم آلت لهم في النهاية مع شمال إفريقيا، بل وامتد حكمهم إلى الشام والحجاز
(98)
والعبيديون طائفة متطرفة جدًّا من الشيعة يقولون بكل عقائد الشيعة وأكثر ويحرِفون تحريفاتهم وأشد وهم يدَّعون النسب إلى فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله وكذبوا في ذلك بل نسبهم إلى أحد اليهود الذين عاشوا في المغرب وقد سيطروا على المغرب سنة (296هـ) 908م
(99)
ثم انتشروا في شمال إفريقيا وأقاموا مايسمونه بالخلافة الفاطمية وهي ليست في الأصل خلافة ولافاطمية إنما هي دولة خبيثة قامت على قتل علماء السُّنَة واضطهادهم وأذاقت الناس العذاب ألوانًا وأظهرت من الفسق والفجور والمنكرات وتغيير العقائد والأخلاق ما لا يتخيل
(100)
جميعهم من طائفة الإسماعيلية وهي إحدى الطوائف المنشقة عن الشيعة والمنتسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق يقول الإسماعيلية إن الإمام السابع هو ابنه إسماعيل بينما يقول الشيعة الاثنا عشرية إن الإمام السابع هو موسى الكاظم الابن الآخر للإمام جعفر الصادق
(101)
ويقول الإسماعيلية أيضًا: إنه كان بعد الإمام إسماعيل خمسة أئمة مستورين ثم الإمام الثالث عشر هو المهدي مؤسس الدولة العبيدية ويدَّعون في أئمتهم أشياء عجيبةوخوارق منكرة ووصل الأمر إلى ادِّعائهم أن الله حلَّ في أئمتهم تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا
(102)
ولذلك فهناك منهم من ادَّعى الألوهية
وليس النبوة ومن أشهرهم الحاكم بأمر
الله الذي كان زعيمًا لدولتهم في مصر
وهو الذي خاطبه الشاعر بقوله:
ما شئتَ لا شاءت الأقـدار
فاحكمْ فأنتَ الواحـد القهـارُ
وهذا ما كرره الصحفي اكرم السعدنى
للمجرم عبد الفتاح السيسي
التاريخ يعيد نفسه
(103)
وأنشأ هؤلاء الفُسَّاق الجامع الأزهر
في مصر لينشر سمومهم وأفكارهم
المتطرفة ولكن ردَّ الله كيدهم في نحورهم
فأصبح الجامع الأزهر على مدار عدة قرون
من مراكز إشعاع السُّنة في العالم
وكانوا يُظهِرون سبَّ الصحابة بل والأنبياء
بل ورسول الله
(104)
ومن ذلك ما كان ينادي به القائم بن المهدي في الأسواق: العنوا عائشة وبعلها العنوا الغار وما حوى وكانوا يضربون عنق من أظهر حُبَّ أبي بكر أو عمر ويقطعون لسان من قال في الأذان (حي على الفلاح)؛ لأنهم يستبدلون بها حي على خير العمل ومنكرات أخرى كثيرة مطولة مسجلة في كتب التاريخ
(105)
انقسام الدولة العبيدية الفاطمية
لقد كانت هذه الدولة الخبيثة هي التي تحكم مصر في ذلك الوقت، بل وإنها انقسمت على نفسها في سنة 487هـ عندما تُوفِّي خليفتهم المستنصر وتكوَّنت فرقتان كبيرتان الأولى هي التي تقطن بمصر وتحكمها، وهي المستعلية نسبة إلى المستعلي بن المستنصر
(106)
أما الفرقة الثانية فهي أشد شرًّا من كل ما سبق وهي فرقة النزارية، وهي المنتسبة إلى نزار بن المستنصر أخي المستعلي بن المستنصر وهذه الطائفة ألغت الشعائر الدينية وامتنعوا عن إقامة الفرائض ومع ذلك ظلوا يدَّعون الإسلام وهم الذين عرفوا في التاريخ باسم الباطنية
(107)
وهم يُظهِرون شيئًا ويبطنون أشياء أخرى، وكان من همِّهم الأكبر قتل علماء السُّنة ومجاهديهم، وسيكون لهم أثر سلبي شديد على حركات الجهاد التي تهدف إلى إخراج الصليبيين من أرض المسلمين
(108)
وكان هؤلاء الباطنية أهل حرب وحصون وقلاع، وبأس شديد في القتال، وكانوا يشنِّون حروب العصابات على القرى الآمنة، وعاثوا في الأرض فسادًا، وكانوا أشدَّ على المسلمين من الروم والصليبيين.
(109)
أما الطائفة التي كانت تحكم مصر في أواخر القرن الخامس الهجري، أيام قدوم الحملة الصليبية فكانت طائفة المستعلية الإسماعيلية، وكانوا قد فقدوا السيطرة تمامًا على مناطق شمال غرب إفريقيا ولم يعُدْ لهم في ملكهم إلا مصر وكانت لهم أطماع كبيرة في الشام وفلسطين
(110)
ولذلك فإنهم كانوا في حروب مستمرة مع السلاجقة السُّنة، ولم يكونوا يمانعون أبدًا في التحالف مع الروم البيزنطيين تارة، ومع الصليبيين أنفسهم تارة أخرى في سبيل القضاء على السلاجقة، واقتطاع جزء من أرض الشام وفلسطين.
(111)
لقد كان الوضع مؤسفًا حقًّا وكان الجيش المصري آنذاك وعماده في الأساس العبيديون الإسماعيلية شوكةً في حلق الأمة الإسلامية، وظل كذلك فترة من الزمان حتى ظهر نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي، كما سيتضح لنا من التغريدات القادمة بإذن الله
(112)
أحوال بلاد الهند وأفغانستان وتونس قبيل الحروب الصليبية ؛ إذن كان هذا هو الحال في مناطق آسيا الصغرى والشام والعراق ومصر وكلها كما رأينا كان سيِّئًا لسبب أو لآخر ولم يكن الحال في بقية أطراف العالم الإسلامي بأفضل من ذلك
(113)
فقد كان الغزنويون يسيطرون على أفغانستان والهند، ولكنهم للأسف الشديد كانوا قد دخلوا في وقت أفولهم وبالتالي ضعفت قوتهم جدًّا عن نصرة بلاد الشام، فضلاً عن بُعد مسافاتهم عن هذه الأراضي
(114)
كانت تونس تحت حكم آل زيري وكانوا أيضًا قد دخلوا في طور من الضعف مما أدى إلى فَقْد أعظم الثغور الإسلامية وهي جزيرة صقلية حيث استطاع الإيطاليون النورمانيون أن يسيطروا عليها وزال نفوذ آل زيري عنها وبالتبعية زال وجود المسلمين من الجزيرة بعد حكم دام 270 سنة متصلة
(115)
اما كانت اليمن مقسَّمة بين ثلاث طوائف هم: بنو نجاح، والصليحيون، وبنو زريع؛ وكانت الحروب بينهم مستمرة، وكان يغلب على معظمهم التشيُّع، وكانوا يدينون بالولاء للدولة العبيديّة في مصر
(116)
بلاد المغرب العربي والأندلس
المكان الوحيد الذي كان يشهد قوة إسلامية في ذلك الزمن فكان بلادالمغرب العربي وغرب إفريقيا والأندلس حيث كانت هذه المناطق تابعة لدولة المرابطين العظيمة تحت قيادة الفذِّ يوسف بن تاشفين رحمه الله وهو من أعظم القادة في تاريخ الإسلام
(117)
وهو الذي أنزل بالصليبيين القادمين من شمال إسبانيا وفرنسا الهزيمة الساحقة في معركة الزَّلاَّقة سنة (479هـ) 1086م في وسط بلاد الأندلس وهذه الدولة الكبيرة على قوتها لم تكن تستطيع أن تساعد بلاد المشرق في حروبهم ضد الحملات الصليبية لا لبُعد المسافة فقط
(118)
ولكن لانشغالهم الشديد في حرب الصليبيين شمال الأندلس والوثنيين في غرب إفريقيا ووسطها فهذه كانت نظرة عامة على بلاد العالم الإسلامي في أواخر القرن الخامس الهجري وهو الوضع الذي مهَّد لدخول الصليبيين إلى معاقلنا
(119)
لم يكن دخول الصليبيين راجعا إلى قوتهم
ولكن يرجع لضعفنا وفرقة صفنا وتشتت قوتنا
وهي عوامل مهلكة لا تخفى على لبيب ولا ينكرها عاقل
...
هذا هو وضع بلاد العالم الإسلامي قبيل الحروب الصليبية
فكيف كان وضع أوربا في هذه الآونة؟
هذا ما سنتعرف عليه في التغريدات القادمة غدا إن شاء الله
المصادر:
ابن الأثير : الكامل في التاريخ
ابن كثير : والبداية والنهاية
ابي شامة المقدسي :
الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية
ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون 6/155
(120)
لن نستطيع أن نفهم حقيقة الحروب الصليبية ولا دوافعها وبواعثها بدون اطِلاع دقيق على الحياة التي كانت تعيشها أوربا في ذلك الوقت ولا ينبغي أن يكون ذلك على المستوى السياسي فقط بل يجب أن يشمل أيضا المستوى الاقتصادي والديني والاجتماعي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يتبع ???
(121)
لنأخذ فكرة كاملة عن الأحوال هناك ومن
ثَمَّ نفقه هذا التوجُّه الأوربي الشامل
لغزو العالم الإسلامي الشرقي.
أولاً: الدافع الديني للحروب الصليبية
وسيطرة الكنيسة على أوضاع أوربا
(122)
في هذه الحقبة التاريخية وفي القرون التي سبقت الحروب الصليبية وخاصةً القرن التاسع والعاشر الميلادي، وكذلك الحادي عشر الذي تمت فيه الحروب الصليبية كان للكنيسة سيطرة كبيرة على مجريات الأمور في أوربا ولم تكن هذه السيطرة فكرية ودينية فقط بل كانت سياسية واقتصادية وعسكرية أيضًا
(123)
لقد كان في إمكان الكنيسة أن تسحب
الثقة من الملوك والأمراء فتنقلب عليهم
الأوضاع ويرفضهم الخاصَّة والعامَّة ومن ثَمَّ
فالجميع ينظر إلى رأي الكنيسة بقدرٍ
كبير من الرهبة والتبجيل
(124)
ويكفي للدلالة على قوة البابا في ذلك
الوقت أن نذكر موقفًا للبابا جريجوري
السابع مع الإمبراطور الألماني هنري
الرابع لقد كان الإمبراطور الألماني هو
أقوى ملوك أوربا في زمانه ومع ذلك
فقد غضب عليه البابا في أحد المواقف
ورفض الإمبراطور الاعتذار للبابا
(125)
فقام البابا بسحب الثقة منه وأعلن
حرمانه من الرضا الكنسي وبالتالي
حرمانه من الجنة كما يزعم ??
وبدأ الناس يخرجون عن طوعه بل
وكاد أن يفقد ملكه، فنصحه مقربوه
بالاعتذار الفوري للبابا فماذا يفعل
الإمبراطور الألماني الكبير؟!
(126)
لقد قرر أن يأتي من ألمانيا إلى روما
ماشيًا حافي القدمين! وذلك حتى
يظهر ندمه الشديد على إغضابه للبابا
ثم كانت المفاجأة أن البابا رفض أن
يقابله لمدة ثلاثة أيام كاملة فبقي
الإمبراطور خارج الكنيسة في المطر
والبرد الشديد حتى سمح له البابا بالمقابلة
(127)
فما كان من الإمبراطور إلا أن ارتمى
على الأرض يُقبِّل قدمي البابا ليصفح عنه
لقد كان هذا هو الحل الوحيد أمام
الإمبراطور العظيم ليحتفظ بملكه!
(128)
وكانت الكنيسة الكبرى هي كنيسة روما والبابا يستطيع أن يتحكم في كل كنائس أوربا الكاثوليكية ومن ثَمَّ يستطيع السيطرة على الأحداث في البلاد المختلفة ولم تكن الكنيسة مكان عبادة أو معلِّم للأمور الدينية فقط إنما كانت مؤسَّسة ضخمة تُؤدَّى إليها سنويًّا الأموال الغزيرة
(129)
كانت تملك الإقطاعيات الكبيرة في أوربا بل وكانت تملك الفرق العسكرية التي تدافع عن هذه الإقطاعيات وكانت الكنيسة تتحالف مع فرق عسكرية أخرى عند الحاجة ومن هنا أصبحت الكنيسة تمثِّل الحاكم الحقيقي لمعظم دول أوربا الغربية وإن لم يكن هناك اتحاد بالمعنى المفهوم بين هذه الدول
(130)
مستوى القساوسة في أوربا
ومع كون الكنيسة تحتل في هذا
الوقت هذه المكانة الكبيرة إلا أن
القساوسة كانوا على درجة كبيرة
من الجهل والتخبط، ولم يكن لهم
في الغالب أي كفاءة دينية أو إدارية أو قيادية
(131)
ولم يكن هذا فقط بل إن معظم
البابوات في القرن التاسع والعاشر
الميلادي كانوا على درجة كبيرة من
الفساد الأخلاقي سواء في قضايا المال
أو في قضايا النساء وكثير منهم قُتل
في حوادث أخلاقية مخلَّة
(132)
مع أنهم جميعًا كانوا يدَّعون الرهبانية ويعلنون اعتزالهم مُتَع الحياة ويشيعون الزهد في الدنيا ويمتنعون عن الزواج ثم يرتكبون بعد ذلك أبشع جرائم السرقة وكذلك الزنا وصدق الله إذ يقول في كتابه واصفًا هذا التحريف والتبديل الذي أضافه هؤلاء القساوسة في دينهم فشقوا على أنفسهم
(133)
وما استطاعوا الالتزام بما فرضه بعضُهم على بعض يقول تعالى:
{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27].
(134)
وليس خافيًا على أحدٍ ما حدث منذ عدة سنوات عندما أمسكوا بجيمي سواجارت مع بعض العاهرات في أحد فنادق نيوأورليانز الأمريكية وكان جيمي سواجارت قسيسًا من الذين يقيمون المناظرات مع الداعية الإسلامي الكبير أحمد ديدات رحمه الله ثم أَبَى الله إلا أن يكشف أوراقه أمام الجميع
(135)
ومع هذا الوضع السيئ للبابوات والقساوسة إلا أنهم كانوا يسيطرون على الأوضاع في أوربا وكان يساعدهم في ذلك السطحية والجهل والتخلف عند معظم شعوب أوربا آنذاك وكذلك مفهوم الدين عند هذه المجتمعات البدائية حيث كان الدين عندهم قائمًا على الخرافات والأباطيل
(136)
وكانت تسيطر عليهم فكرة الأشباح والأرواح والخوارق وكان هذا الوضع المتدني يساعد البابوات والقساوسة في السيطرة على عقول الناس عن طريق نشرالإشاعات والأوهام وعمليات غسيل المخ التي تمحو كل فرصة للتفكير عند الشعوب
(137)
إشاعة كنسية في أوربا الكاثوليكية
ومن الأفكار المهمة التي أشاعها البابوات والقساوسة في القرن الحادي عشر أي قبيل الحروب الصليبية بقليل أن الدنيا على وشك الانتهاء وأن يوم القيامة قد اقترب جدًّا وأن هذا مرتبط بمرور ألف سنة على نهاية عهد المسيح
(138)
أي أن هذه الإشاعة بدأت تنتشر في سنة (424هـ) تقريبًا وما بعدها وكانوا يفسِّرون كل الظواهر الكونية والطبيعية في ذلك الوقت على أنها أدلة على صدق الإشاعة ومن ذلك مثلاً ثورة بركان فيزوف في إيطاليا أو حدوث بعض الصواعق أو الزلازل
(139)
وكان لانتشار مثل هذه الشائعات الأثر في إحداث حالة من الوجل والرعب والهلع عند عموم الناس وخوفهم المفرط من ذنوبهم وبروز دور البابوات والقساوسة والكنيسة بصفة عامة لإنقاذ الناس من هذه الضغوط ومساعدتهم على التخلص من هذه الذنوب
(140)
وضرب رجال الدين على هذا الوتر بشدة واستغلوه في توجيه الناس إلى ما يريدون وقد كان من أهم الوسائل للتخلص من هذه الذنوب دفع الأموال للكنيسة وهو الأمر الذي تطور بعد ذلك إلى صكوك الغفران التي ثار عليها بعدذلك بقرون مارتن لوثر مؤسِّس البروتستانتية
(141)
علاقة الحج إلى فلسطين بالحروب الصليبية
كان هناك وسيلة أخرى أشاعها البابوات
والقساوسة للتخلص من الذنوب لها علاقة
كبيرة بموضوعنا وهو التشجيع على رحلات
الحج إلى أرض فلسطين مهد المسيح
وذلك للتكفير عن الذنوب
(142)
كانت رحلات الحج التكفيرية هذه تستغرق
من الناس جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلاً وكانت
هذه الرحلات بديلاً عن دفع المال الكثير
للكنيسة ومن ثَمَّ رغب فيها الفقراء الذين
لا يستطيعون شراء رضاء الكنيسة ومن هنا
توالت رحلات الحج لفلسطين والتبرك بالآثار هناك
(143)
وأصبحت هذه الرحلات ثقافة عامة عند الناس ولذلك انتشر اسم فلسطين وصار متداولاً بين عموم الناس ولا شك أن هذا مهَّد نفسيًّا لقبول فكرة الحروب الصليبية بعد ذلك فهي تذهب إلى مكان مألوف محبوب سمع الناس كثيرًا عنه بل وشُجِّعوا على الذهاب إليه
(144)
بل إن فلسطين صارت حُلمًا لكثير ممن يريد الذهاب للتخلص من ذنوبه قبل انتهاء الدنيا غير أنه يفتقد الطاقة البدنية أو المالية ليقوم بالرحلة وكل هذا لا شكَّ أدى إلى تضخيم حجم فلسطين في عيون الغربيين
(145)
وتشير الكثير من المصادر والوثائق أن استقبال المسلمين الذين يحكمون الشام وفلسطين لهؤلاء الحجاج كان استقبالاً طيبًا جدًّا ولم يثبت أي محاولات تضييق عليهم كما يحاول البابوات أن يشيعوا لكي يسوِّغوا فكرة الهجوم على فلسطين لتسهيل رحلات الحج لنصارى أوربا
(146)
فهذه الخلفيات الدينية المعقدة من رغبة حثيثة للكنيسة للسيطرة على عقول الناس وأموالهم ومن خوف مطَّرد عند الشعوب من فناء الدنيا وكثرة الذنوب ومن حبٍّ جارف لهذه الأرض التي وُلد بها المسيح والتي بسبب الرحلة إليها ستُغفر الذنوب كل هذا وغيره مهَّد لفكرة الحروب الصليبية وغزو فلسطين
(147)
ولعل الخلفيات التي يجب أن تضاف إلى هذه الأمور السابقة والتي تفسِّر ولع الغرب بقضية فلسطين خصوصًا والشرق عمومًا هي ظهور رغبة عند بعض بابوات روما لضم الكنيستين الغربية الكاثوليكية والشرقية الأرثوذكسية تحت سقف واحد يحكمه الكاثوليكيون بالطبع
(148)
وكان الذي تبنَّى هذا المشروع
بقوة هو البابا جريجوري السابع
وهو البابا السابق مباشرة للبابا
أوربان الثاني الذي وقعت في
عهده الحروب الصليبية
(149)
وكان من ضمن الخطوات التي أخذها البابا جريجوري السابع لإتمام هذه الخطوة الفريدة أن بدأ يحسِّن من علاقاته مع الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين وهو الإمبراطور الذي سيعاصر الحروب الصليبية مما جعل المراسلات بينهما مستمرة
(150)
ومما مهد بعد ذلك بالإمبراطور البيزنطي أن يستغيث بالغرب الكاثوليكي لنصرته ضد السلاجقة المسلمين وذلك مع شدة كراهية هذا الإمبراطور الأرثوذكسي لكل بابوات وملوك وشعوب أوربا الكاثوليكية
(151)
ولعل الخلفيات التي ذكرناها سابقا تفسِر بوضوح الحمية المتناهية التي كانت عند الغرب للمشاركة في الحملات الصليبية ومع ذلك فليست الخلفية الدينية ولا الدافع الديني هو الوحيد عند الشعوب الأوربية ولكن كانت هناك عوامل ودوافع أخرى مثل العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية
المصادر
قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية
ص79 ص19. ص38،23. ص40.
راغب السرجاني: قصة الحروب الصليبية
إسحاق عبيد: روما وبيزنطة من قطيعة فوشيوس
حتى الغزو اللاتيني قنسطنطين ص25-39
(152)
الدوافع الاقتصادية للحروب الصليبية
عاشت أوربا عدة قرون تعاني من أزمات
اقتصادية طاحنة فمع خصوبة الأرض إلا
أنها مليئة بالغابات واستصلاح الأراضي
وزرعها يحتاج إلى جهدولم يكن هذا
متوفرا وخاصةً في المناطق الشمالية
ذات الصقيع القارس
يتبع غدا بإذن الله
?? ??
(153)
الدوافع الاقتصادية للحروب الصليبية
كل ما سبق هذا فوق ضعف المواصلات وانقطاع الطرق مما كان يمنع وصول الغذاء من مكان إلى مكان ولو بغرض التجارة ومن ثَمَّ فإن نقص الإنتاج المحلي من الغذاء كان يعني ببساطة المجاعة القاتلة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يتبـــــــع ?????
(154)
وكانت هذه المجاعات تستمر أحيانًا سنوات مما يؤدِّي إلى فناء قرى ومدن وكان انتشار الأمراض وانعدام العلاج يساهم في موت المزيد والمزيد وكل هذه الأمور جعلت الفقراء والفلاحين يضيقون ذرعًا بحياتهم ويشعرون بالإحباط الدائم واليأس المستمر
(155)
فإذا أضفت لكل ذلك الضرائب الباهظة التي كان يدفعها الفلاحون أدركت مدى المعاناة التي كانوا يعيشونها وفي أخريات القرن الحادي عشر وخاصةً في السنوات العشر التي سبقت الحروب الصليبية حدثت مجاعات رهيبة قاتلة خاصةً في شمال فرنسا وغرب ألمانيا
(156)
ولعل هذا يفسِّر خروج الكثير من الجيوش من هذه المناطق، التي كان لا بد لها من أن تهرب إلى أي مكان به طعام وشراب ولو كان هذا المكان على بُعد مئات وآلاف الأميال فلن يكون أسوأ من الموت جوعًا
(157)
وعلى النقيض من هذه الصورة كانت هناك صورة مغايرة تماما عند بعض الاقتصاديين في أوربا وخاصةً في الجنوب الأوربي وعلى سواحل البحر الأبيض المتوسط فقد ازدهرت التجارة البحرية في ذلك الوقت وأفاد تجار الجنوب الأوربي من وجودهم على السواحل في التجارة مع حوض البحر الأبيض المتوسط بكامله
(158)
بل تجاوزوه إلى داخل آسيا وإفريقيا وكان من أبرز الموانئ التي ظهرت في الفترة التي سبقت الحروب الصليبية موانئ إيطاليا وخاصةً جنوة وبيزا فكانت هذه الموانئ تمثِّل قوة اقتصادية مؤثرة في هذا الوقت وكانت القوة الاقتصادية المنافسة الوحيدة هي قوة الاقتصاد الإسلامي
(159)
وكانت لهذه القوة مراكزٌ مهمة في الشام ومصر والمغرب، وكذلك في الأندلس وكان هذا التنافس دافعًا للموانئ الإيطالية أن تتربص بالمسلمين قدر استطاعتها ودفعها ذلك إلى تجهيز الحملات العسكرية لإخراج المسلمين من صقلية
(160)
وتمَّ لهم ذلك كما مر بنا وخرج المسلمون خروجًا نهائيًّا من صقلية سنة (484هـ) 1091م بعد حكم مائتين وسبعين سنة وهذا يسبق الحروب الصليبية بسبع سنوات فقط، ولا شك أن هذا جعل الطريق البحري آمنًا إلى حد كبيرومن هنا حرص تجار إيطاليا على دعم الحملات الصليبية المتجهة للشرق
(161)
فهم بذلك سيقضون على منافسهم الوحيد ومن ناحية أخرى سيفتحون سوقًا هائلاً لتجارتهم في هذه البقاع الإسلامية وهكذا كان هناك شبه اتفاق بين المطحونين الكادحين الجائعين وبين الاقتصاديين والأثرياء المتخمين لغزو العالم الإسلامي والمشاركة في الحروب الصليبية
(162)
الدوافع السياسية للحروب الصليبية
في القرن الخامس الميلادي وبالتحديد في سنة 476م سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية العتيدة وذلك تحت الضربات الموجعة للقبائل الجرمانية الشمالية وهي قبائل همجية عنيفة لم تنظر بأي عين من الاعتبار للحضارة الرومانية المتميزة
(163)
بل سعت إلى التدمير والإبادة وفي غضون قرنين من الزمان كانت القبائل الجرمانية قد انتشرت في كل أوربا وكان هذا الانتشار مصحوبا بنشر الأفكار الجرمانية العنيفة والسلوك الإجرامي عند عامة الناس
(164)
ثم شهد القرنان التاسع والعاشر الميلادي قبل الحروب الصليبية بقرن من الزمان عدَّة هجمات ضارية على أوربا سواء من الفايكنج القادمين من إسكندينافيا أو من المسلمين القادمين من الأندلس أو الشمال الإفريقي
(165)
وهذا ساعد في زيادة الروح القتالية عند عموم الناس وتحول الأوربيون إلى الشكل العسكري حتى صارت صورة الشخص النبيل العظيم هي صورة الفارس المقاتل
ونتيجة نمو هذا الفكر العسكري داخل أوربا كان لا بد للقوى المختلفة أن تصطدم معًا
(166)
فبدأ الصراع بين الدول الأوربية المختلفة بغية التوسع والسيطرة ثم قُسِّمت الدول إلى إقطاعيات منفصلة متصارعة فيما بينها وعلى كل إقطاعية أمير قد يدين بالولاء أو لا يدين للملك العام على الدولة وكوَّن كل أمير ميليشيات عسكرية خاصة به وعمَّت الفوضى كل أرجاء أوربا
(167)
كل هذا أدى إلى فَقْد الكنيسة السيطرة على هذه القوى الكثيرة والمتناحرة وكان الوضع أشد ما يكون ترديًا في فرنسا حيث فقد ملك فرنسا السيطرة كُلِّيَّةً على البلاد وصار الحكم فيها لأمراء الإقطاعيات وتفتَّتت الدولة إلى إمارات متعددة، كلٌّ منها له جيشه الخاص
(168)
أما الوضع في ألمانيا فكان أفضل حالاً حيث ظهر فيها ملك قويّ هو هنري الثالث ثم ابنه هنري الرابع وذلك في القرن الحادي عشر وقبيل الحروب الصليبية مباشرة وهذا أدى إلى تماسك الوضع نسبيًّا في ألمانيا وكان هناك خلافا خطيرا نشأ بين هنري الرابع والبابا في روما اسرده لاحقا مع الاحداث
(169)
كما صاحب ظهور هذه القوة الإيطالية المتنامية نمو سريع لأسطول بحري عسكري لميناء البندقية الإيطالي وصار له أثر مباشر في تغيير سير الأحداث في حوض البحر الأبيض المتوسط بكامله
(170)
إذن فالوضع السياسي في أوربا كان يضم عددًا كبيرًا من العسكريين المتصارعين والمتنافسين على تقسيم البلاد عليهم ولما كانت أوربا ضيقة وطبيعتها الجبلية والثلجية معوِّقة كان التفكير في التوسع خارج أوربا كما فكر في ذلك روبرت جويسكارد زعيم النورمانديين الإيطاليين كما سيحدث بعد ذلك
(171)
الدوافع الاجتماعية للحروب الصليبية
لم تكن الشعوب الأوربية في ذلك الوقت شعوبًا مستقرة بل كانت تعيش حياة البدو الرُّحَّل حيث ينتقلون من مكان إلى مكان سعيًا وراء الطعام أو الأمن وهذا أدى إلى عدم وجود روح الاستقرار والتمسُّك بأرض معينة
يتــبع غدا إن شاء الله
????
(172)
لعل ماسبق سهَّل كثيرًا على الناس أن يتركوا أوربا بكاملها، ويتجهون إلى فلسطين بحثًا عن نظام حياة أفضل وأسعد وكان الفلاحون في أوربا يعانون بطش أمراء الإقطاع ولم يكن للفلاحين أدنى حقوق بل كانوا يباعون مع الأرض ويستغلون تمام الاستغلال لجلب الرفاهية لمالك الإقطاعية
(173)
وهذا ولَّد عندهم شعورًا بالحقد تجاه ملاَّك الأراضي وملاَّكهم، ولكن لم يكن لهم فرصة ولا حتى حُلم في الخروج من أزمتهم وفوق هذا الأسى الذي كان يعيشه معظم الشعوب فإن الجهل كان مُطبِقًا على الجميع، وكانت الأمية طاغية، ولم يكن هناك أي ميل للعلوم
(174)
وهذه الحالة المتخلفة جعلت من السهل جدًّا السيطرة عليهم بأية أفكار أو دوافع ولم يكن عندهم من القدرة العقلية والذهنية ما يسمح لهم بتحليل الأفكار المعروضة عليهم أو ما يمكِّنهم من الاختيار بين رأيين متعارضين وهذا كله ولا شك سهَّل مهمة إقناعهم بترك كل شيء والتوجه للحرب في فلسطين
(175)
هذه الخلفيات التي بحثناها وضحت لنا أن المجتمع الأوربي كان مكوَّنًا من طوائف شتى دينية وسياسية واقتصادية وشعوبية وكل هذه الطوائف لها أهدافها ومطامعها تصغر أو تكبر بحسب حجمها
(176)
وسيكون من العجيب حقًّا أن تظهر شخصية تجمع أهداف هذا الشتات في هدف واحد وتدفعهم جميعًا على اختلاف مستوياتهم المادية والعقلية في اتجاه واحد فيخرج الجميع كلٌّ يبحث عن غايته وكلٌّ يسعى لتحقيق سعادته
(177)
تُرى من هي هذه الشخصية؟
وكيف جمعت هذا الشتات؟
وما هي البواعث الحقيقية للحروب الصليبية؟
وهل هي حرب سياسية أم اقتصادية أم دينية؟
هذا ما سنعرفه بإذن الله في التغريدات القادمة
البابا أوربان الثاني شخصية الحرب الصليبية
تولى الكرسي البابوي في سنة 1088م رجل من الرجال المهمين في الكنيسة الغربية وكان لولايته الأثر في تغيير عدة صفحات متتالية من التاريخ بل ولعل الآثار التي أحدثها هذا الرجل ما زالت موجودة إلى الآن
يتــبع غدا إن شاء الله
????
(178)
هذا الرجل هو أوربان الثاني الذي تولى الكرسي البابوي في روما إحدى عشرة سنة وذلك من سنة (480هـ) 1088 إلى سنة (492هـ) 1099م وكان هو الآخذ لقرار الحروب الصليبية على المشرق الإسلامي وكان رجلاً ذكيًّا سياسيًّا لبقًا وكان خطيبًا مفوَّهًاوكان أيضًا جريئًا حاسمًا
(179)
كان مطلعًا على أحوال العالم المعاصر له وفوق كل ذلك كان يُكِنُّ حقدًا كبيرًا على المسلمين سواء في بلاد المشرق حيث يحكمون أرض المسيح أو في الأندلس حيث يحكمون قطعة أوربية مهمَّة على مدار أربعة قرون متتالية حتى زمان تولِّيه البابوية
(180)
ثم إنه كان رجلاً ذا طموح كبير، وأحلام واسعة بأن يكون هو الزعيم الأكبر والأوحد للمسيحيين جميعًا في العالم، وذلك بتوحيد الكنيستين الغربية والشرقية استكمالاً لجهود البابا الذي سبقه وهو جريجوري السابع
(181)
الإمبراطور البيزنطي يستنجد بأوربان الثاني كانت العلاقات كما ذكرنا قبل ذلك قد تحسنت نسبيًّا بين البابا السابق جريجوري السابع والإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين ولقد طلب هذا الأخير المساعدة قبل ذلك من جريجوري السابع لنصرته ضد السلاجقة المسلمين
(182)
ولكن حركة جريجوري السابع لم تكن بالقوة المناسبة، ومن ثَمَّ فلم يكن هناك تحرك يُذكر لمساعدة البيزنطيين غير أن الإمبراطور البيزنطي كرَّر المحاولة مرة ثانية، وأرسل وفدًا جديدًا إلى إيطاليا في مارس سنة (487هـ) 1095م لمقابلة البابا أوربان الثاني وتجديد طلب المساعدة منه
(183)
أوربان الثاني واستغلال الفرصة
فكر البابا أوربان الثاني في الأمر ووجد أنه لو استغل هذه الفرصة واستجاب لطلب الإمبراطور البيزنطي وعلى نطاق واسع، فسوف يحقِّق عدة أهداف في غاية الأهمية وفي ضربة واحدة
(184)
فهو أولاً: سيعيد إبراز دور الكنيسة في حياة الأوربيين حيث سيحمل البابا من جديد دعوة تهمُّ كل الشعوب الأوربية وهي دعوة ستحمل بين طياتها الغفران الذي يبحث عنه الناس آنذاك بين يدي البابا
(185)
ثانيًا(أ)
سيقوم البابا بحملة عسكرية تشمل التنسيق بين ممالك وإمارات أوربا المختلفة وسيحتفظ بالقيادة بيده فهو بذلك سيستعيد سلطان الكنيسة العسكري والسياسي على كامل أوربا
(186)
ثانيًا(ب)
وحيث إن القضية ذات طابع ديني فالذي سيرفض قد يعاقب بالحرمان، وسحب الثقة وقد يؤدِّي ذلك إلى زلزلة عرشه وبالتالي يصبح البابا هو الشخصية الأولى في أوربا سياسيًّا كما هو دينيًّا
(187)
ثالثًا: لن يتحسن وضع البابا دينيًّا وسياسيًّا فقط، بل سيتحسن اقتصاديًّا أيضًا فالبلاد التي ستفتح ستدر أموالاً كثيرة والأوربيون الذين لن يستطيعوا المشاركة سيدفعون للكنيسة الأموال تكفيرًا عن امتناعهم عن الذهاب لفلسطين
(188)
رابعًا: الثروات التي ستأتي من فلسطين والشام ستحل المشاكل الاقتصادية الطاحنة التي تعاني منها أوربا وبذلك ستستقر الأوضاع المضطربة في أوربا
(189)
وخامسًا: ستنصرف طاقات أوربا العسكرية إلى حرب خارجية يُبرِزون فيها قدراتهم ويستنزفون فيها رغباتهم العنيفة، وذلك بدلاً من التصارع الداخلي بين الإمارات والإقطاعيات
(190)
سادسًا:ستشن أوربا الصليبية حربا على
العدو التقليدي لهم وهم المسلمون وهي
حرب في نظر البابا لا نهاية لها ولن يرضى
من المسلمين بشيء إلا بتغيير الدين
سابعًا: سيقوم البابا بذلك بنجدة آلاف
الفقراء الذين يموتون في أوربا سنويا
نتيجة الجوع والمرض والبرد وسيشعر
الجميع بالرضا نحوه
(191)
ثامنًا: ستتاح للبابا الكاثوليكي الفرصة
الذهبية ليضم الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية
إلى كنيسته الكاثوليكية وذلك تحت سيطرته
فهو الذي جاء من أقصى البلاد لينقذ
النصارى الشرقيين من المسلمين
تاسعًا: سيحقق حلما عاطفيًّا دينيًّا قديمًا
بالسيطرة على الأرض التي وُلد فيها المسيح وعاش
(192)
وعاشرًا وأخيرًا: قد لا تتكرر بعدُ ذلك الفرصة المناسبة التي تبرر للشعوب هذه الحروب الضخمة والتضحيات الهائلة فالآن النصارى الشرقيون يستغيثون ومن ثَمَّ فهناك مسوّغ أن تنفق الأموال وتُزهَق الأرواح لنجدتهم وستصبح صورة الحرب نبيلة
(193)
وستسكت الشعوب الأوربية عن مساءلة البابا عن الثمن الباهظ الذي سيدفعه في هذه الحروب بينما لو كان المبرر للقتال ليس واضحًا فقد يَفْقد البابا عرشه إذا خسرت أوربا كثيرًا في حربها وذلك مثلما حدث مع رومانوس الرابع إمبراطور الدولة البيزنطية الذي خُلع من منصبه بعد موقعة ملاذكرد
(194)
فالبابا سيحقق كل المكاسب باستغلال هذه الفرصة، ولن يخسر شيئًا لو حدث مكروه للجيوش لأنه في النهاية يحارب من أجل أهداف نبيلة فيما يبدو للناس فتلك عشرة كاملة
(195)
ومن هنا فإن البابا تحمَّس كثيرًا للطلب الذي طلبه الوفد البيزنطي الأرثوذكسي بل إنه جعل الوفد يقابل المجمع الكنسي المجتمع في إيطاليا آنذاك ليعرض صورة الوضع في الشرق
(196)
وذلك يكون أبلغ في التأثير في القساوسة وينفي عن البابا شبهة التخطيط المنفرد للحملة ودون سبب واضح وقد تحمس الحضور للفكرة، وتكلم البابا مؤيدًا لكلام الوفد البيزنطي وقرر أن يُعِدَّ العدة لأخذ التدابير اللازمة لغزو الشرق الإسلامي
(197)
ماذا فعل البابا؟ وأين عقد المؤتمر الكنسي الكبير؟
لقد قرَّر أن يعقد مجلسًا كنسيًّا كبيرًا يضم القساوسة من أطراف أوربا الغربية وذلك لبحث أحوال الكنيسة المتردية ثم في نهاية هذا المجلس الكنسي يعقد مؤتمرًا موسعًا يدعو إليه أمراء الإقطاعيات المختلفة وكذلك الملوك إن أمكن
(198)
بل ويدعو إليه عامَّة الشعب؛ ليصبح مؤتمرًا جماهيريًّا مؤثرًا وفي هذا المؤتمر سيدعو إلى التوجُّه عسكريًّا إلى فلسطين ولكن بقي السؤال: أين سيعقد هذا المؤتمر الكبير؟
(199)
كان البابا على خلاف مع معظم ملوك أوربا وخاصةً هنري الرابع ملك ألمانيا، ولكنه كان على علاقة طيبة مع أمراء الإقطاعيات وخاصةً في فرنسا ولذلك قرر البابا أن يستفيد من علاقاته هذه مع الأمراء في فرنسا فيعقد المؤتمر هناك
(200)
وخاصةً أن الكثافة السكانية في فرنسا كبيرة إضافةً إلى المجاعة الكبيرة التي ضربت شمال فرنسا وشرقه في السنوات العشر الأخيرة مما أثَّر في الظروف الاقتصادية وبالتالي سيكون قبولهم لفكرة الحروب ضد الشرق الإسلامي فكرة مقبولة لإخراجهم من أزماتهم الكثيرة
(201)
ومن ثَمَّ قرر البابا أن يعقد مؤتمره الجامع في مدينة كليرمون الفرنسية وذلك في (488هـ) 27 من نوفمبر سنة 1095م وقد آثر أن يكون الوقت متأخرًا نسبيًّا ليكون هناك فرصة لتبليغ الدعوة في أطراف فرنسا وليحضر أكبر عدد من الفرنسيين
(202)
كما آثر ألا يكون المؤتمر في باريس؛ لكي لا يصطدم مع فيليب الأول ملك فرنسا، الذي كان على خلاف مع البابا، وأيضًا على خلاف مع أمراء الإقطاعيات الذين يعتمد عليهم البابا في مهمته
المصادر
محمد مؤنس: الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص63-65-ص66
قاسم عبده قاسم: الخلفية الأيدلوجيةص85؛ص44؛ص45؛ص70 ص116،115
ول ديورانت: قصة الحضارة 15/16،15 وقاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية انظر رواية روبير الراهب الذي كان من بين حضور مجمع كليرمون
(1351)
فقرأ الخطَّة ولم يندفع وراء الجيش الإسلامي، خاصةً أنه كان الحاكم السابق لإمارة الرها؛ ومن ثَمَّ فإنه يُدرك جغرافية المكان، وخطورة التوغُّل جنوبًا في هذا الوقت ترامت أخبار للملك بلدوين الأول باحتمال هجوم عبيدي على مملكة بيت المقدس
(1352)
وكذلك وردت أخبار عن تحرُّكات لرضوان ملك حلب صوب بعض القلاع المملوكة لتانكرد حول أنطاكية وقد جعلت هذه الأخبار المزعجة الصليبيين في قلق على إماراتهم؛ ومن ثَمَّ قرَّرُوا الرجوع دون القتال
(1353)
ومع ذلك فقد رأى بلدوين الأول أنَّ ترك هذه المساحات الكبيرة من القرى والضياع والمزارع وكلها داخلة في حدود إمارة الرها سيُمَثِّل خطورة كبيرة على سكانها الصليبيين والأرمن؛ ومن ثَمَّ أصدر قراره بترحيل كل السكان من هذه المناطق الواقعة شرق الفرات إلى غربه
(1354)
وذلك لتفادي هجوم المسلمين عليهم، وعليه فلن يبقى شرق الفرات إلاَّ المدينتان الكبيرتان الرها وسَرُوج وبالفعل بدأ الترحيل السريع للسكان تمهيدًا لعودة الجيوش الصليبية إلى أماكنها، وأدرك ذلك مودود فتقدَّم بجيوشه شمالاً، والصليبيون يتراجعون في سرعة
(1355)
ومع ذلك استطاع مودود أن يلحق بمؤخِّرة الجيش الصليبية، وبكثير من السكان الذين فشلوا في عملية الترحيل المفاجئة، وهذا أدَّى إلى انتصار إسلامي سريع على مؤخِّرة الصليبيين، مع امتلاك عدد كبير من الأسرى والغنائم والسلاح
(1356)
لم تكن الموقعة فاصلة بالطبع؛ لأن معظم الجيوش الصليبية كانت قد عبرت نهر الفرات إلى الغرب، أو دخلت حصون الرها وسَرُوج، ومع ذلك فإنَّ الموقعة تركت عدَّة آثار إيجابية لا يمكن إغفالها
(1357)
آثار المعركة الإيجابية:
أولًا:وضعت الموقعة المسلمين على الطريق الصحيح؛ حيث كانت الراية المرفوعة هي راية الجهاد في سبيل الله
ثانيًا:
كانت هذه هي الموقعة الأولى التي تجمع فيها جيوش عدَّة إمارات في جيش واحد وخاصةً أن طُغتِكين شارك فيها بجيش دمشقي مع الجيوش العراقية والفارسية
(1358)
ثالثًا:
أدرك النصارى في هذه الموقعة أن العزيمة الإسلامية لم تمت، وأن الأُمَّة الإسلامية لم تنسَ قضية الإمارات المحتلَّة، ولا شكَّ أن هذا ترك أثرًا نفسيًّا سلبيًّا على الصليبيين.
رابعًا:
فَقَد الصليبيون عددًا من الأسرى والغنائم فازدادت قوَّة المسلمين.
(1359)
خامسًا:
استطاع المسلمون السيطرة على بعض الحصون والقلاع والأراضي شرق الفرات، ولم يبقَ في شرق الفرات سوى مدينتي الرها وسَرُوج، وهما وإن كانتا في غاية الحصانة إلاَّ أنهما صارتا معزولتين فقيرتين؛ وذلك بعد سيطرة المسلمين على المزارع حولهما، ولا شكَّ أن هذا سيُضعف من إمارة الرها
وهكذا تركت هذه الحملة انطباعًا إيجابيًّا مع أنها لم تكن فاصلة، وعاد مودود إلى الموصل، بينما رجع كل أمير إلى إمارته.
المصادر:
ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص199.
ابن العديم: زبدة الحلب 2/154.2/155، 156.
صالح بن يحيى: تاريخ بيروت ص18.
ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق
ص169-171.173، 174
ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/143.
(2331)
وقرر توحيد الكنائس الكاثوليكية واليونانية وتحضير حمله صليبية جديدة المغول حضروا الاجتماعات ووفدهم كان يضم الدومينيكانى ريتشارد مترجم آباقاخان رسالة آباقا للمجلس تحدث فيها عن العلاقات المغوليه اللاتينيه وأن آباقا يتمنى تحالفاً مع الصليبيين ضد المسلميين
(2332)
وبعد وصول رسالة آباقا لإنجلترا وقرائتها على الملك إدوارد الأول الذي رد عليه في بداية 1275م بمديح لآباقا وعبر عن امانيه ان بابا الكاتوليك يحضر حملة سريعة ووعد انضمامه لها في أواخر سنة 1274م
(2333)
وصل روما مبعوثين جدد من المغول (جون وجيمس فاسالى) ومعاهم رسالة من آباقا لجون الواحد وعشرين( بابا الكاثوليك بعد جريجورى) سنة 1276م وطلب آباقا في الرسالة ان يبدأ الصليبيين بشن هجوم على الاراضى المقدسة ووعد بتقديم مساعدات وبتدخل عسكري مباشر عند وصول الحملة
(2334)
تم ارسال الرسالة للبابا في روما وإلي فيليب التالت بفرنسا وادوارد الأول بنجلترا، وإعتذر أباقا لإدوارد عن هروبه وعدم مساعدته له بالحملة ولكن كل بلا فائدة ولم يحقق شيئا
(2335)
وفي مصر كان بيبرس على علم بالمراسلات بين المغول والصليبيين وكان قلقا من حدوث تحالف فيقوم الصليبيين بهجوم على الإسكندرية أو دمياط فينشغل جيش المسلميين في الدفاع عن مصر فيهجم المغول على بلاد الشام ويستولون عليها
(2336)
ولكن لحسن الحظ لم يتم التحالف لحدوث نزاعات داخلية وحروب اهلية بين الدول المسيحية بأوربا، فلو دخل المغول وقتها بكل ثقلهم في المعركة كانوا اربكوا الجيش الإسلامي شهدت السنوات التسع المتبقية في الهدنة زيادةالمماليك في طلب الجزية فضلا عن زيادة اضطهاد الحجاج
(2337)
كل ذلك في مخالفة للهدنة في 1289م وجمع السلطان قلاوون جيشا كبيرا مستهدفا ما تبقى من مقاطعة طرابلس في نهاية المطاف قام بحصار على العاصمة واستولي عليها بعد هجوم دموي ومع ذلك كان الهجوم على طرابلس مدمر بشكل خاص للمماليك
(2338)
حيث بلغت المقاومة المسيحية اقصاها وخسر قلاوون ابنه الأكبر في الحملة. وانتظر عاميين حتي يتعافي جيشه وفي العام 1291م جاءت مجموعة من الحجاج من عكا تحت الهجوم وردا قتلت تسعة عشر من التجار المسلمين في قافلة سورية طالب قلاوون بدفع مبلغ كبير كتعويض
(2339)
وعندما لم يأت الرد، استخدم السلطان ذلك كذريعة لمحاصرة عكا ولكن قلاوون توفي أثناء الحصار تاركا السلطان خليل الذي قام بفتح عكا ولم يعد للإمارات الصليبية وجود تقريبا تم نقل مركز سلطة الصليبيين شمالا إلى تورتوسا وفي نهاية المطاف في الخارج إلى قبرص
(2340)
قاد جيش المغول بقيادة غازان خان سلسلة غارات ناجحة ضد المماليك في منطقة الشمال الشرقي من حمص إلى جنوبا حتى غزة وانسحب من سوريا في 1300م
(2341)
ولكنهم هزموا سريعا على يد المماليك في معركة شقحب في 1303م وكانت أخر موطئ تبقي على الأرض المقدسة هي أرواد وكان فتحها في 1302م/1303م كانت الحملة التاسعة مثابة بداية نهاية الصليبيين في بلاد الشام بعد مئتي سنة من بقائهم بداية بالحملة الصليبية الأولى
(تم)

جاري تحميل الاقتراحات...