د. نايف الصيفي
د. نايف الصيفي

@CHE303

24 تغريدة 16 قراءة Apr 13, 2020
١-نرى برامجاً وثائقية وفيديوهات تعليمية، تحكي لنا عن عجائب مخلوقات الله. وكيف تتواصل هذه المخلوقات مع بعضها. وكيف تعمل كفريق وكيف تتصرف حين الخطر.
نراها ونتعجب.
ولكننا لا نفكر كيف أستطاع العلماء فهم هذه المخلوقات. ولم نتأمل طرائق العلماء في التفكير.
٢-في هذه التغريدات، سنتعرف على شَيْءٍ من لغة التواصل في مملكة النحل. ليس بطريقة الأفلام الوثائقية ولكن بقراءة أفكار الباحث وأسلوبه وطرائق البحث. فطرائق البحث ثابتة وليست متعلقة بمملكة النحل أو أي تخصص آخر.
٣-التفكر والفضول وشدة الملاحظة هي صفات تميز الباحث عن غيره.
هذا ماتجلى في عالم نمساوي إسمه كارل فان فرش.
شاهد كارل بجواره نحلة واحدة تجمع الرحيق. طارت النحلة وبعد لحظات توافد النحل إلى نفس المكان واحدة بعد أخرى.تساءل هل النحلة الأولى أخبرت باقي النحل عن المكان؟أم أنها مصادفة؟
٤-قرر كارل أن يفهم ماحدث؟ وكيف يتواصل النحل مع بعضه؟
وأول خطوة بدأ بها كارل وهي مايبدأ بها أي باحث مهما كان تخصصه: قراءة أبحاث من سبقوه ليتعلم ويستفيد منها ويعرف ماذا نُشر عن هذا الموضوع. لا أن يبني أفكاره بغير علم.
٥- فأفكار من سبقوك هي ماتحدد مسار بحثك.
فالبحث هو بحث عن جديد مجهول وليس قديم معلوم.
ولا يخبرك عن ذلك إلا معاينة مستفيضة ومتأنية لما تم دراسته.
٦-إستفاد كارل ممن سبقوه وعلم أن النحلة حين ترجع إلى الخلية بعد جمع الرحيق تقوم بتأدية رقصة وهي الرقصة التي تشاهدها في الفيديو داخل الدائرة المضاءة.
٧-لتوضيح رقصة النحلة التي ظهرت في الفيديو، شاهد الصورة وفيها أربع حركات:
١-تسير النحلة في حركة إهتزازية لمسافة معينة
٢-تُوقف الإهتزاز وترجع بطريق منحنى إلى اليمين
٣-تعود في حركة إهتزازية بنفس المسافة
٤- تُوقف الإهتزاز وترجع بطريق منحنى إلى اليسار
٨-ورغم دراية من سبقوه بهذه الرقصة لم يستطيع أحد فهمها وتفسيرها. فتفسيرها أصبح لكارل فرصة بحثية.
فالباحث يتصيد مالم يُدرس ومالم يُفهم ويحاول تفسيره و تبيانه.
٩-ثم وجد أن كثيراً من علماء الأحياء يعتقدون بأن النحلة لديها عمى ألوان وليس لديها القدرة على تمييز الألوان. يقول كارل أنه لم يصدق هذا.
وهذا ميزة مهمة في الباحث، وهي قدرته على نقد ومراجعة أفكار من سبقه.
١٠-ولأن في الوسط العلمي لا تستطيع تكذيب شيء إلا بإثبات.
فلم يخرج للناس ويقول هذا كذب وتدليس. ولكنه قرر أن يبني فرضية (وهي خطوة بحثية مهمة) وحاول إثباتها بالبحث والعمل الدؤوب.
بعد ذلك كله إستطاع تحديد أهدافه البحثية.
١١- فكانت أهدافه:
-ماتفسير رقصة النحل؟
-وهل النحلة لديها عمى ألوان؟
-وكيف يتواصل النحل مع بعضه؟
وضع كارل أهداف محددة وواضحة وهذا جوهر البحث. فلم يقل أريد أن أدرس النحل ولكنه حدد مايريد دراسته عن النحل.
١٢-سأبين هنا فقط كيف استطاع تفسير رقصة النحلة وكيف يتواصل النحل مع بعضه وسأترك نقطة عمى الألوان لأنها تحتاج شرح أطول. و للمعلومية أستطاع كارل إثبات أن النحل يميز بين الألوان وأثبت صحة فرضيته خلافاً لما كان يُعتقد.
١٣-بعد تحديد أهدافه بدأ كارل بمساعدة طلابه بوضع خطة:
-حدد خلية النحل التي يريد أن يدرسها
-إستخدم سكر مذاب بدلاً من رحيق الزهور
-وضع السكر المذاب في مكان بعيد عن الخلية و بمسافة محددة
-حين تأتي نحلة وتجد السكر المذاب يضع عليها صبغة حتى يميزها إذا رجعت إلى الخلية
شاهد الفيديو
١٤-ثم راقب ماذا تفعل هذه النحلة حين ترجع إلى الخلية وسجل نتائجه وملاحظاته
-أعاد التجربة بتغيير أماكن السكر المذاب واستخدم لون آخر لكي لا يختلط عليه النحل.
-راقب النحلة الجديدة مرة أخرى حين عادت للخلية
وسجل مرة أخرى نتائجه وملاحظاته.
١٥-فكانت نتائجه وملاحظاته كالتالي:
-إتجاه رقصة النحلة داخل الخلية تختلف بإختلاف مكان السكر المذاب. شاهد الفيديو الذي يوضح رقصة نحلتان، كل واحدة منهما وجدت سكرا مذابا في مكان مختلف.
-مدة الرقصة تختلف بحسب بعد السكر المذاب عن الخلية.
-إذا كان السكر المذاب بعيدا تكون الرقصة أطول.
١٦-بعد ذلك بدأ كارل بدراسة النتائج وتحليلها. وهي عملية جوهرية في البحث. الباحث الجيد من يدرس النتائج بتأني وتفكر في كل نقطة. ويفكر في إحتمالية وجود عوامل أخرى تأثر على النتائج.
١٧-إستطاع كارل أن يستنتج من تحليل النتائج التالي:
- إتجاه الحركة الإهتزازية معتمد على موقع الرحيق و أيضاً موقع الشمس.
-مدة الرقصة الإهتزازية توضح بعد مسافة الرحيق. فكل ثانية تعادل تقريبا ١ كلم. بمعنى إذا رقصت لمدة ٥ ثوان فمسافة الرحيق ٥ كيلو من الخلية.
١٨-إذا كان الإهتزاز قوي فيعني وفرة الرحيق بكثرة والعكس.
-حين تخرج النحلة من الخلية تستعين بالشمس كدليل.
يبقى السؤال كيف يستخدم النحل الشمس كدليل؟
سأوضح ذلك بالصورة المرفقة وسأركز فقط على موقع الشمس المشار إليه برقم ٢ في الصورة
١٩-
-إرسم خط عمودي من الشمس للأرض (الخط الأزرق)
-ثم أوجد خط أفقي من الأرض للخلية(الخط البرتقالي)
-الخط البرتقالي هو مرجع النحلة لمعرفة مكان الرحيق
-أنظر لإتجاه الرقصة ٢ أسفل الصورة
-إتجاه الرقصة ٤٠ درجة من الخط البرتقالي
-حين تخرج النحلة من الخلية تنحرف عن مكان الشمس ب٤٠ درجة.
٢٠- تطير النحلة بهذه الزاوية بحسب المدة التي إهتزت فيها النحلة. فلو رقصت لثلاث ثواني، تستمر بهذه الزاوية في الطيران حتى تقطع تقريباً ٣ كلم.
٢١-لقد أستطاع كارل فهم كيف يتواصل النحل مع بعضه وكيف يميز الألوان، ولكن عمله لم يكن بتلك السهولة، فعمله إستمر عشرون عاماً، فالصبر هي سمة العالم. ولولا شغفه لما صبر.
والباحث الجيد هو من يجعل له أهدافاً طويلة المدى وأخرى قصيرة المدى.
٢٢-فالبحث العلمي له عدة خطوات:
-موضوع
-تقصي ومطالعة متأنية للمراجع
-فرضية(مثال: النحل قد يميز الألوان)
-خطة تحدد فيها أهدافك وتنظم أفكارك وطريقة عمل
-إجراء تجربة
-جمع البيانات والنتائج والملاحظات
-تحليلها للخروج بخاتمة فيها تحقيق الأهداف وإختبار الفرضيات
٢٣-كيف يفكر الباحث الذي فهم عمل كارل ويريد أن يدرس أشياء أخرى لم تدرس.
أحد الباحثين في جامعة كالفورنيا سان دييغو. تساءل ماذا يمكن أن يحدث لو كان بجوار الرحيق خطر(كوجود دبور أو عنكبوت).
فأجرى تجربة ووجد أن النحل يرقص الرقصة ولكن يوقفها بطريقة تختلف عن الطريقة المعتادة.
24-وأخيراً عرف العالم كارل بعمله الذي أستمر ٢٠ عاما بعيداً عن الأضواء،و تقديراً لعمله كُرم بجائزة نوبل في عام ١٩٧٣.
وفي وطننا العربي يتسابق الباحثون على وسائل الإعلام ليحصوا علينا عدد بحوثهم وإختراعاتهم ولا أحد يعلم ماهي وما قيمتها ولا كيف حصلوا عليها.
فالعالم الحق علمه يتحدث.

جاري تحميل الاقتراحات...