آخر خلفاء الدولة العباسية هو المستعصم بالله (عبدالله بن منصور) حيث كان خليفة المسلمين بشكل رمزي فقط ! خذل المسلمين في مواقع كثيرة وصرف اغلب جيش الخلافة ، انتهى به الأمر أن يموت في غزو التتار وأمر هولاكو أن يموت ركلاً بالأقدام !
أعظم جريمة أدبية وعلمية في التاريخ هي بلا شك جريمة اتلاف مكتبة بغداد من قبل التتار وهي أعظم وأكبر مكتبة شهدها التاريخ ، تخيّل كم من قصائد وعلوم شرعية ودنيوية وقصص قد ضاعت بسبب هذا الفعل !
اغرقت جميع الكتب في نهر دجلة حتى أن لون النهر تحوّل الى اللون الأسود ، حتى أن الفارس المغولي كان يعبر ضفتي النهر يمشي على الكتب ! التقديرات تشير الى أن المكتبة كانت تضم أكثر من ١٠ ملايين كتاب !
يأتي بعدها فعل الصليبيين الشنيع في الأندلس بحرق مكتبات غرناطة (تضم مليون كتاب) وقرطبة وطليطلة واشبيلية ! ومكتبة طرابلس في لبنان التي تضم ٣ ملايين كتاب ، ومكتبة غزة والقدس وعسقلان في فلسطين !!
- في حروب التتار ضد المسلمين ، وعند اجتياحهم لدولة خوارزم واقليم خرسان ، قتل المغول جميع سكان مدينة مرو لأنها قاومت واستعصت عليهم ، عدد القتلى في أيام معدودة كان قرابة ٧٠٠ ألف قتيل !!
أما عند سقوط بغداد واجتياح المغول لها فقد استباحوها لمدة ٤٠ يوماً حتى وصل عدد القتلى فيها لأكثر من مليون قتيل خلال أيام قليلة !! بعدها أعطى هولاكو الأمن لأهلها شرط أن يخرجوا ويدفنوا الموتى لأن رائحة العفن والأوبئة انتشرت بعد تراكم الجثث !!
قبل أن نعرف نهاية التتار أو المغول علينا أن نعرف نشأتهم ، التتار أتوا الى البلاد العربية من دولة تعرف بمنغوليا حالياً بدون أي جذور أو حضارة أو ارث تاريخي ، شعب وجد همجياً مرتزقاً بدون أي اعراف وتقاليد هدفه هو التخريب والهدم فقط !
مؤسس هذه الدولة هو جنكيز خان ، تلقى عدة دعوات ورسائل من الامارات الصليبية في بلاد الشام ومن امارات ارمينيا والكرج (جورجيا حالياً) للقدوم واحتلال الوطن العربي وكان جنكيز يؤمن بفكرة الدولة التوسعية .
ولكي نفهم الخريطة السياسية في الوطن العربي ومقاييس القوى فلابد أن نطلع على خريطة الوطن العربي ، العالم الاسلامي كان يحكم اسمياً فقط بالخلافة العباسية عن طريق المستنصر بالله ، في بلاد المغرب تحكم دولة الموحدين بعد سقوط دولة المرابطين ، ويحكم الأيوبيين جزء كبير من الشام والحجاز .
تقدّم جانكيز خان بجيوشه وقبائله ، قتلة ومتوحشين لم يعرف العالم الاسلامي ولا في اقطاره مثل طريقتهم في القتال ولا اساليبهم في التعذيب حتى يقال أن المقاتلة المغولية تعدل ١٠٠ فارس مسلم !!
ويقول ابن الاثير "لم يمر ولن يمر شرٌ على هذا العالم مثل شر المغول إلا ماقد يكون من يأجوج ومأجوج في آخر الزمان" وللتنويه الى نقطة هامة جداً ، انهزم العالم الاسلامي معنوياً ونفسياً قبل انهزامهم في ارض المعركة بشكل واضح ومخزي !!
حاكم اقليم خوارزم محمد ابن خوارزم شاه ورغم علمه بتحرك جنكيز خان بجيوش جراره إلا انه عقد صلح واتفاق مع جنكيز للاستيطان قرب دولته ، ولم يتخذ أي تدابير أو احلاف مجاورة مع القوى القريبة منه .
اتساع دولة خوارزم كان نقطة سلبية في ظل سوء ادارة محمد ابن خوارزم شاه فلم يكن يملك أي احلاف بل بالعكس كان يعادي الخلافة العباسية السلاجقة والأتراك والدولة الغورية في الهند !
كعادة المغول (كما سنرى لاحقاً) نقضوا الصلح وبدأوا الهجوم على دولة خوارزم وخرج له محمد شاه بجيشه لتحدث موقعة عظيمة هُزم فيها ابن شاه وتراجع الى (أورجنده) ليحصن قلاعها ويفضّل الدفاع والإنتظار بدلاً من جمع جيوش الدولة الخوارزمية والهجوم !!
الجيوش الاسلامية في دولة خوارزم فقط ولوحدها كانت قادرة وبكفاءة عالية لهزم والقضاء نهائياً على المغول ولكن لحكمه الله وبسبب كثرة الفساد والخبث وتولي غير أهل الحكمة إدارة البلاد بدأت تتساقط هذه الدولة وبسهولة أمام المغول بشكل فاضح .
بعد فرار محمد شاه لأورجنده وتحصينها لضمان سلامته وسلامة مقربيه وترك رعية المسلمين وباقي الدولة تواجه مصيرها بنفسها .. توجه جنكيز خان لمدينة بخارى ليحاصر أهلها فطلب منهم التسليم مقابل ضمان سلامة أهلها فوافقوا عدى فئة قليلة من المجاهدين وفتحوا له أبواب المدينة !!
دخلها وطلب من أهلها ردم الخنادق ومساعدته في قتل المجاهدين (الخارجين عن القانون) وفعلوا ذلك ! بل وطلب منهم تسليم جميع الكنوز والأموال ففعلوا ، ليظهر بعدها وجه المغول الحقيقي فنقضوا العهد وبدأوا بالقتل والحرق والاغتصاب والتدمير بفاجعة لم تشهد بخارى مثلها من قبل !!
بعد هدم مدينة بخارى توجه جنكيز بجيشه لمدينة سمرقند أغنى مدن القوقاز ليقيم الحصار ، آبى أهل سمرقند القتال ودب الخوف فيهم ولعدم وجود قائد وحاكم يأمر بالدفاع !! خرج من سمرقند من بقي في قلبه شجاعة وايمان وكان عددهم ٧٠ ألف مسلم ليقاتلوا التتار لكن قضى عليهم المغول اجمعين !
شاهد أهل سمرقند ما حدث فطلبوا من جنكيز خان الأمان مقابل فتح أبواب المدينة له !! وفعلاً حدث ذلك ودخل جنكيز خان لكن كعادة المغول لم يتعظ المسلمون مما حدث في بخارى فقام بنهب جميع الأموال وقتل جميع القادرين على القتال وحتى الشيوخ والأطفال وسبى النساء !
كل هذا يحدث والعالم الاسلامي القريب في صمتٍ مطبق ! بل إن الجيوش الاسلامية كانت تتقاتل فيما بينها على كرسي الحكم ، وللإشارة الى نقطة هامة كان المغول يأخذون اسرى المسلمين ويجبرونهم على القتال لصالحهم ضد اخوانهم المسلمين وحدث هذا في قتال سمرقند فقد قاتل اهل بخارى اهل سمرقند !
اطمأن جنكيز لهزيمة المسلمين النفسية تماماً بل انه استخدم بعض الادباء العرب المرتزقة لكتابة خطاباته وتأليف قصص وروايات مرعبة عنه لتخويف العالم الاسلامي الذي يتناحر فيما بينه على حكم الاقاليم ! فاستقر في سمرقند وارسل فرقة صغيرة ٢٠ الف فارس فقط لمطاردة محمد ابن خوارزم وقتله !!
طاردت هذه الفرقة محمد ابن خوارزم من بلاد الري الى مدينة مازيندران في ايران ليهرب عن طريق النهر وتقوم هذه الفرقة الصغيرة باجتياح المدن والتخريب والقتل دون اي اعتراض من أي جيش مسلم !!
ومن فضائح وعجائب المسلمين في ذلك الزمان أن بعض امراء الايوبيين الذين يحكمون مصر والشام قاموا بتسليم بيت المقدس للصليبيين من أجل أن يقوم الصليبيين بمساعدتهم في تثبيت حكمهم ونصرتهم على اخوانهم وابناء عمومتهم من الأيوبيين !!
بعد أن اطمأن جنكيز خان لهروب محمد ابن خوارزم لم يهدأ له بال حتى يسقط أكبر اقليمين في الدولة وهما اقليم خرسان واقليم خوارزم ، وفعلاً بدأ باسقاط اقليم خرسان في البداية فاسقط الطالقان ومرو (كما ذكرنا سابقاً) وثم اجتاح نيسابور ليسقط الإقليم كاملاً دون مقاومة تذكر !
بعد سقوط اقليم خرسان بدون اي مقاومة رغم كثرة الأعداد والجيوش اتجه المغول لإقليم خوارزم مركز الدولة ونواتها ، وجهّ جنكيز خان كل جيوشه لأنها من احصن المدن بأساً وقوة فحاصرها المغول خمسة أشهر كاملة حتى تمكنوا من اقتحامها وقاموا بهدم سد نهر جيحون ليغرقوا المدينة كاملة !!
بعد استحواذ المغول على شمال ووسط دولة خوارزم كان قد ظهر جلال الدين ابن محمد خوارزم ابن الحاكم السابق والحاكم الشرعي الحالي في الجنوب (مدينة غزنة وكابل) والذي قد أعد العدة وجهز الجيوش لمواجهة التتار وانظم اليه عدد من الحلفاء .
حلفاء جلال الدين هم سيف الدين بغراق وهو أحد ملوك الأتراك فارس صلب مقدام وانظم اليه جميع الجنود الخوارزمية الفارين من غزو التتار وايضاً خان أمير حاكم هراة الذي دمرت مدينته على يد التتار ، خرج جلال الدين بجيشه ليلاقي التتار في بلق (افغانستان) .
دارت موقعة غزنة واظهر المسلمين فيها ثباتاً رهيباً يملأ قلوبهم الغل والإنتقام من المغول وثبت الفارس سيف الدين بغراق واظهر مهارة عالية ليكتب الله النصر للمسلمين وينهزم المغول لأول مرة وتكسر مقولة أن التتار لا يهزمون !
حدثت موقعة كابل بعد موقعة غزنة وشهدت قتالاً اكثر شراسة وعنفاً من الاولى ليكتب الله النصر من جديد للمسلمين ويفر المغول هاربين ! ورغم أن الفرصة كانت مواتية للقضاء على التتار نهائياً اختلف المسلمون على توزيع الغنائم فحصل اقتتال بين سيف الدين وملك هراة ليموت شقيق سيف الدين !!!!
انسحب سيف الدين بغراق من جيوش المسلمين ليعود لأرضه مع فرسانه وهو أشجع وأمهر فرسان المسلمين وليدب الرعب والإحباط في الجيش المسلم ، استغل جنكيز خان الموقف ليهجم على جيوش جلال الدين فماكان من الأخير إلا الهرب حتى وصل لنهر السند ليعبره هرباً ويترك المسلمين يقاتلون التتار أربعه أيام!
بعد انتهاء التتار من قتال جيش حلال الدين انتقموا من أهل مدينة غزنة شر انتقام بالقتل والحرق والسبي ، ثم عاد التتار لإقليم اذربيجان وفتحوا مدينة مراغة عن طريق الأسرى المسلمين ! ثم ذهبوا لاجتياح اقاليم ايران (تبريز وكنجة وبيلقان) ومن ثم الشيشان وداغستان .
انصرف بعدها المغول عن البلاد الإسلامية ليتاعبوا فتوحاتهم في روسيا وانهزموا أمام البلغار شر هزيمة حتى فقدوا السيطرة على كثير من المناطق !! ولم يستغل المسلمين الموقف بتوحيد الصف وتجهيز الجيوش أو حتى تحرير المدن بل بالعكس استنزفوها في قتال الصليبيين على حكم احدى الأقاليم !!
ظهر غياث الدين (شقيق جلال الدين وابن محمد خوارزم شاه) ليعيد سيطرته على بعض المناطق التي خلت من المغول بعد هزيمتهم أمام البلغار لكن حدث أمر فظيع !! ارسل الخليفة العباسي المستنصر جيشاً ليحارب جلال الدين وحدث القتال فعلاً من أجل تقويض حكمه متناسين الخطر الكبير المتمثل في التتار !!
ولتبيان مدى الهوان في ذلك الوقت لنذكر هذه الحادثة "وصلت إمرأة الى حكم مملكة الكرج النصرانية فطلبت رجلاً تتزوج منه لتثبيت حكمها ، عرض عليها أحد ملوك المسلمين وهو مغيث الدين طغرل شاه الزواج من ابنه فرفضت لانه مسلم ، فقال لها أنه سيجعل ابنه ينتصر لأجل الزواج بها فوافقوا وتم الزواج"
مع انشغال التتار في روسيا وظهور غياث الدين حدث أمر هام وهو وفاة جنكيز خان وتولي أوكتاي خان ادارة امبراطورية المغول ليهدأ المغول فترة ٣ سنوات دون قتال ، عيّن الحاكم الجديد شورمكاي ليتصرف كقائد عسكري في بلاد المسلمين ويتابع قائد آخر وهو باتو التقدم في بلاد روسيا .
واثناء فترة الهدوء النسبي لم يستغل المسلمون الموقف بل حدث أمر غريب وهو ظهور جلال الدين الى الواجهة من جديد ليطالب بحكمه على دولة خوارزم الوسطى فيحدث اقتتال بينه وبين شقيقه غياث الدين من أجل الحكم بينما يحكم المغول غالب دولتهم ويبتعدون عنهم أمتار قليلة !!
انتصر جلال الدين على شقيقه غياث الدين ولم يكتف بذلك بل زادت اطماعه في الخلافة العباسية وبدلاً من توجيه جيوشه الى المغول ذهب بجيشه لغزو البصرة ومقاتله المستنصر بالله !! خاف المستنصر بالله وحصن مدينة بغداد جيداً بل وحدث العجب .. أن ارسل للمغول يطلب نجدتهم في التخلص من جلال الدين !!
ترك المغول خوارزم والعراق والبلاد الاسلامية التي تتناحر فيما بينها دون وجود أي تهديد او استعداد حقيقي لمواجهة المغول ، وذهبوا بقوتهم لروسيا التي استعصت عليهم قبلاً ، وتمكنوا خلال سنتين من احتلال روسيا واوكرانيا والمجر وبولندا واطراف من المانيا !
توفي اوكتاي خان وتولى بعده كيوك خان الذي كان يرى أهميه استعاده اراضي الدولة الخوارزمية كاملة وتثبيت الحكم فيها وفي شمال ايران واوروبا فأمر القائد شورمغان بالقيام بالحملات لهذا الغرض ونجح وتمكنوا من قتل جلال الدين ليعيدوا سيطرتهم الكاملة على خوارزم واستغرق الأمر سبع سنوات .
توفي كيوك وتولى حكم المغول مينكو خان ومن هنا بدأت سياسة جديدة للمغول وهي توسعية وتهدف لاسقاط الخلافة العباسية بعد أن ضمنت استقرارها في بلاد المسلمين ، فعيّن اخوه (هولاكو) قائداً لاقليم فارس وما حوله ومهمته الرئيسية اسقاط بغداد ، بعد عشر سنوات من الهدوء النسبي لم تستعد بغداد !!
قام هولاكو بالتخطيط عام كامل لإسقاط بغداد فمهّد الطرق وأعد العدة وجهز الجيوش وبتحرض قوي وكبير من الصليبيين في الشام الذين كانوا يعانون جداً من نجم الدين أيوب ودولة المماليك في مصر ، فتحالف هولاكو مع النصارى في الشام ومع ارمينيا والكرج .
المخزي أن ليس وحدهم الصليبيين من تحالف مع التتار لاسقاط بغداد بل حتى المسلمين !! فسارع بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل وسلطان السلاجقة كيكاوس الثاني والناصر يوسف أمير حلب ودمشق (حفيد صلاح الدين) والأشرف الأيوبي ومؤيد الدين العلقمي وزير الخلافة للتحالف مع التتار ومدهم بالرجال والمال !
بعد الإنهيار الكامل النفسي والمادي طلب المستعصم لقاء هولاكو ليرى شروطه ويعرض عليه الاستسلام فخرج اليه بوفد من ٧٠٠ رجل للقائه ، دخل عليه خيمته ووافق على الاستسلام فخرج ووجد أن المغول قد قتلوا جميع من في سفارته !! وحدث ما حدث كما ذكرنا في الأعلى عن بغداد .
كثر القتل في المسلمين وكثر الهوان والضعف ، ملايين الأرواح ذهبت في أيام معدودة بدون أي مقاومة ، خضوع وذل رهيب لم يشهده الاسلام على مدى التاريخ ، لم يبق للإسلام أي أمل ولا بادرة في وقف زحف المغول ويكاد ذكر المسلم يفنى عن وجه الأرض .. لكن لله حكمه .
بزغت نجمة الاسلام من جديد من أرض الكنانة ليظهر خير جند الله في مصر والأمل الاخير للاسلام إما للبقاء ضد هذا الزحف العظيم أو التسليم كما حدث قبلاً ، من رحم المعاناة ولد فارسنا البطل المظفر الذي جدد الإسلام وحفظ الله به كلمته حتى يومنا هذا .
في اثناء زحف التتار لبغداد كانت تدور أحداث اخرى هامة لابد من التعريج عليها في مصر ، فبينما كان يتولى الأيوبيين حكم مصر ، وصل نجم الدين أيوب الى سدة الحكم وهو رجل تقي ورع مجاهد وآخر الحكام الأيوبيين ، عيّن اثنين من أمر القادة لقيادة الجيش وهم فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس .
أصول هولاء القادة كانت ترجع للمماليك ، لم يعجب الأمر الامراء الأيوبيين في الشام فاستعانوا بالصليبيين لمحاربة الملك الصالح بل واعطوهم بيت المقدس للقضاء على حكمه في مصر ، لم يستسلم الملك الصالح واستعان بالجنود الخوارزمية الهاربة مقابل المال ليقاتل الحشد الصليبي المسلم .
وحدث قتال عنيف في موقعة غزة انتصر فيها على امراء الايوبيين الشاميين وعلى الصليبيين ، وفتح بيت المقدس ثم حرر دمشق وطرد الصليبيين من الشام ووحد مصر والشام ، أوقف الملك الصالح حملات لويس التاسع الصليبية على البلاد الإسلامية باقتدار ليتوفاه الله مريضاً وهو ذاهب الى معركة المنصورة .
أخفت زوجته شجرة الدر الخبر حتى لا يتشتت الجيش وواصلت القتال وهزم فيها الصليبيين ثم توالت هزيمتهم في موقعة فراسكور ، ودعت ابنه توران شاه للقدوم واستلام مقاليد الحكم بعد ابيه إلا انه لم يكن على قدر كافي من المسؤولية .
المماليك هم عبيد اشتراهم الامراء والخلفاء العباسيين سواء من الأسواق أو بالسبي وترجع اصولهم الى بلاد ما وراء النهر في تركمانستان وافغانستان كانوا نواة الجيش وقادته في عصر الملك الصالح بل ان زوجته شجرة الدر كانت ترجع لأصل مملوكي .
بعد وفاة الملك الصالح تولى ابنه توران شاه الحكم لكن لأنه يكره المماليك تم اغتياله بواسطتهم ، فصعدت شجرة الدر بنفسها لتحكم مصر وسط استهجان واستنفار الشعب ورفضهم لهذا القرار ومن هنا بدأت الدولة المملوكية البحرية (الدولة المملوكية الأولى)
لم يتقبل الشعب الأمر ولم تتحمل شجرة الدر ذلك فتزوجت من رجل يسمى عز الدين أيبك وتنازلت له عن الحكم لتحكم هي من وراء الستار ، ليكون هذا الحاكم شرارة فتنة بين المماليك البحرية (الاولى) والمماليك المعزية (الثانية) فقام بقتل فارس الدين اكطاي لينفرد بالحكم ولا ينازعه عليه أحد .
عيّن سيف الدين قطز كقائد لجيش المماليك المعزية (وهو أول ظهور حقيقي لبطلنا) ونفى كثير من المماليك البحرية وفرّق صف دولة المماليك وحدث في عهده معركة كبيرة بينه وبين الامراء الأيوبيين الذين حاولوا استعادة مصر وبتحريض من المماليك البحرية الفارين لكن واجههم قطز وانتصر عليهم .
عزم عز الدين أيبك بالزواج من ابنه حاكم الموصل لتثبيت حكمه إلا أن الغيرة دبّت في قلب شجرة الدر فدبرت له وقتلته !! اسرع قطز الى قصر الحكم والقى عليها القبض وسلّم الحكم الى ابن الحاكم المقتول نور الدين فحكمت ام نور الدين وزوجة عز الدين الاولى بالموت على شجرة الدر ضرباً بالقباقيب!
نور الدين ابن الحاكم المقتول يبلغ من العمر ١٣ سنة فقط وبينما تعيش مصر حالة اضطراب وانقسام الدولة المملوكية ، شجّع المماليك البحرية امراء الشام من جديد لغزو مصر وفعل ذلك مغيث الدين أمير الكرك (الأردن حالياً) فغزى مصر وخرج له قطز يصده وانتصر عليه .
رأى قطز أن الطفل لا يصلح لقيادة مصر مع تزايد الأخطار وقرب المغول فقرر عزل نور الدين وتولى بنفسه الحكم ، الجدير بالذكر أن قطز يكون ابن اخت جلال الدين شاه حاكم خوارزم وقد شاهد اسرته تقتل أمام عينيه كامله من المغول أما هو فقد اخذوه عبداً لديهم واطلقوا عليه اسم قطز !
كانت الأحقاد تملأ قلب قطز على المغول والغل الذي يحمله في قلبه لا ينطفئ فقد قتلوا أهله ودمروا بلدته واخذوه عبداً لهم وباعوه في سوق النخاسيين فوضع نصب عينيه هدف وهو ايقاف هذا الزحف وتسنى له ذلك بالوصول الى حكم مصر فترك كل الخلافات جانباً ووحد الصفوف واعلا راية الجهاد ضد المغول .
بينما اخذ المسلمون ٤٠ سنة يتقاتلون فيما بينهم تاركين المغول يزحفون في ارض المسلمين يقتلون الملايين ويهدمون البيوت ويحرقون كل علم ويغتصبون النساء ، ها قد جاء وأخيراً رجل يدرك حتمية ملاقاة هذا المصير بالسيف والاستعداد لآخر أمل للبقاء وإما الفناء .
لم يلتفت الملك المظفر قطز الى اي خلافات سابقة ولم تكن لديه أي اطماع ، فقد جمع كبار القوم والعامة وخطب فيهم أنه قد جاء الى الحكم لمواجهة خطر المغول ولا يأتيه ذلك من غير ملك وليس هنالك من يوحد صفوف المسلمين ، وأنه متى ما زال هذا الخطر فيستنحى ليختاروا حاكمهم فيما بينهم .
قام بعزل رؤوس الفتنة عن المناصب القيادية ، وأرسل رسالة فيها عفو عام عن جميع المماليك البحرية الذين هاجروا للشام والذين سبق وأن خاضوا حرباً ضد قطز والمماليك المعزية ، وارسل لزعيمهم ركن الدين بيبرس يطالبه بالعودة لمصر بل وقيادة الجيوش الإسلامية !!
ارسل رسالة للامراء الأيوبيين رغم تخاذلهم وخيانتهم يطلب منهم الصلح وعقد الحلف لمواجهة التتار حتى إنه خاطب الناصر الأيوبي (رغم تحالفه مع التتار) طالباً منه التوحد بين مصر والشام وأن يكون هو الحاكم وقطز تابعاً له شرط أن يحارب التتار غير أنه رفض ، واستجاب له القليل من الأيوبيين .
ونظراً للضائقة المالية التي حلّت بمصر وتكلفة اعداد الجيش وبعد فتوى من العز بن عبدالسلام أمر بان يباع ويستغني الامراء والحكام عن مجوهراتهم وذهبهم في مقابل تسليح وتجهيز الجيش بدلاً من فرض الضرائب على الشعب ، واستجابوا له وفعلاً تم تسليح الجيش كاملاً واصبح مستعداً لمواجهة التتار .
خلال ثلاثة أشهر من التجهيز وصلت رسل هولاكو لقطز تفيده بأنه سيتحرك ، قام قطز يخطب بالناس ويشجعهم وقال قولته الشهيرة وهو يصرخ باكياً "من للإسلام إن لم نكن نحن ؟" فأمر بالجهاد وطلب ألا يخرج معه إلا من يبايع نفسه على الموت وقال جملته المدوية "وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين"
أصر قطز أن يكون موجوداً في المعركة بنفسه على عكس الحكام الذين ينتظرون في قصورهم لبث الحماس في نفوس الجيش ، ورغم معارضة الكثيرين له إلا أن قطز لم ينتظر التتار بل خرج اليهم حين سمع أنهم في غزة فهب لنجدة اخوانه المسلمين ولتحقيق حلمه بالقضاء على التتار .
وفعلاً حدث ذلك ودارت أول الاشتباكات في معركة غزة وانتصر فيها المسلمون وكانت لها دافع نفسي كبير حيث كانت تدور بين المسلمين عبارة شائعة (من قال لك أن التتار يُهزمون فقد كذب) ، لينطلق المسلمون الى المكان المنشود وهو سهل عين جالوت حيث حدثت الموقعة الكبرى التي حفظ بها الله الإسلام .
جاءت جيوش التتار بقيادة كتبغا قائدهم الفذ وبينما ينتظر المسلمون بقيادة ركن الدين بيبرس ومن فوق السهل قطز يوجه ويراقب إذ قام بمكيدة وهي اظهار فقط مقدمة الجيش لملاقاة التتار ويختبئ البقية حتى تنتصف المعركة ، وقدّر الله ان يسخر لقطز (صارم الدين أيبك) وهو من امراء الشام في جيش التتار
صارم الدين افشى معلومات لقطز أبرزها أن ميمنة التتار اقوى من الميسرة ، وأن الاشرف الايوبي وهو في يقاتل الى جنب التتار سينسحب وسط القتال فلن يقاتل المسلمين ويكيد بالتتار ، ليلتقي الفريقان في اليوم التالي وينفذ قطز خطته وتخرج المقدمة فقط بقيادة بيبرس وسنقر الرومي وبلبان الرشيدي .
وبدأ اللقاء واحتدم القتال ونجحت خطة قطز وهي سحب قوات التتار كلها لداخل السهل وكان يخشى قطز أن المقدمة لن تصمد امام جحافل التتار لكنها اظهرت البسالة والشجاعة وقاومت لساعات حتى استنفزت قوى التتار وجاءت اللحظة المناسبة فدقت الطبول ونزلت جميع الجيوش لتحاصر التتار وتنجح خطة قطز كلياً
على الرغم من ذلك لاتزال قوى التتار غير ضعيفة فقامت ميمنة التتار القوية تبطش بالمسلمين وتكثر فيهم السفك والقتل حتى كاد المسلمين ينسحبون وقطز يشاهد ، فقام برفع خوذته ورماها على الأرض في بسالة وشجاعة وصرخ من اعلى السهل صرخة دوت وسمعها كل الموجودين (وا إسلامااه)و نزل قطز بنفسه .
وراح البطل المظفر يصد هجمات ميمنة التتار وتشجع المسلمون واوقفوها حتى تمكن المسلمين من محاصرة التتار تماماً ، وتقدم البطل القائد المملوكي جمال الدين آقوش الشمسي ليلاقي كاتبغا قائد التتار فيقاتله فيصرع كاتبغا ، هرب جيش المغول الى بيسان ولحقهم المسلمين فاجهزوا على الجيش كاملاً !
لم تكن المعركة بالنسبة للمسلمين وقطز تحديداً فوز أو نصر فقط بل هي معركة وجودية للإسلام إما أن يكن وإما فلا ، وبهذه الهزيمة تمكن المسلمون من كسر التتار وهزميتهم شر هزيمة حتى فنى جيشهم فناءاً كاملاً ! سقطت هيبة التتار وزال هذا الشبح الذي خيّم ٤٠ عاماً كابوساً على الاسلام .
بعد الانتصار الرائع والكبير لم تنتهي مهنة الملك المظفر ورغم الجيش المتعب والمتهالك الذي عبر صحراء سينا في يولو وعبر فلسطين كاملة من غزة ثم الى عين جالوت ، لم يتوقف قطز عند هذا الحد بل أراد أن ينهي وجود التتار كاملاً في ارض المسلمين .
ذهب قطز بجيشه الى دمشق فحرروا دمشق كاملة من التتار ، ثم ارسل قطز الجيش الى حمص ومن ثم الى حلب لتطهير الشام من بقايا التتار ، وفي غضون اسابيع قليلة طهر قطز وجيشه الشام كاملاً من التتار واعلن عن توحيد مصر والشام في دولة واحدة من جديد .
قام العهد المملوكي الجديد يحكم مصر والشام وعرفت هذه الدولة بحب الجهاد والفتوحات ، فبعد صنائع قطز اخذ الامراء المملوكين اللاحقين على عاتقهم تحرير الشام من جميع الامارات الصليبية والتي لم يفلح بها عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين بفتحها .
أول من بدأ من القادة المملوكيين هو ركن الدين بيبرس فقام بتحرير قيسارية وحيفا وحصن أرسوف والصفد ، واتجه قائد عظيم آخر هو سيف الدين قلاوون يحرر قليقلة في تركيا وانتصر على الارمن ، وبعد وفاة بيبرس لم يبقى إلا عكا تحت امارة الصليبيين وهي اقوى الامارات .
تابع السلطان المملوكي المنصور قلاوون فتوحاته في طرابلس ولحقه ابنه السلطان العظيم الأشرف خليل والذي اخذ على عاتقه تطهير الشام كامله من الصليبيين فنجح في تحرير عكا ومن ثم صيدا وبيروت .
الفصل الأخير والعجيب في هذه القصة أن بطل هذه الحكاية والملك المظفر قطز لم يبق في كرسي الحكم سوى احدى عشر شهراً فتوفاه الله بعد انتصار عين جالوت بخمسين يوماً فقط ! ورغم هذه الفترة البسيطة إلا ان ما فعله من انجازات خلدت اسمه كواحد من أبرز الرجال في تاريخ الأرض .
انتهت الى هنا قصتنا الطويلة والجميلة ، شاهدنا كيف كاد أن يضيع الاسلام ويمحى تماماً لولا أن حفظه الله بجنده ونصر فارس من فرسان هذه الأرض وسخره ليعيد ويحيي الإسلام من جديد .
اخترت هذه القصة لأرويها لكم تحديداً لتشابهها الكبير مع واقعنا الحالي وربما كان أسوأ من واقعنا بكثير ، واللبيب بالإشارة يفهم ويقرأ ما بين السطور ، نسأل الله أن يبعث فينا من يحيي الأمة ويجمع شتاتها من جديد .
إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان ، لأي توضيح أو استطراد في معلومة أو تفاصيل أنا مستعد للإجابة ، بُنيت هذه السلسلة على أدق المصادر وأرجح الأقوال ، والسلام ختام .
جاري تحميل الاقتراحات...