|| عبدالرحمن الصبيح
|| عبدالرحمن الصبيح

@asbeeh

19 تغريدة 9 قراءة Dec 13, 2019
[الصديقان]
إذا أردت أن تَزِن عقل الرجل، فانظر جلساؤه، فإن القرين بالمقارن يقتدي، وحسن اختيار الجليس والصديق، ثم الوزير والمشير دلالة تمام العقل ونقصه.
••
من تمام عقل أبي بكر الصديق أنه اختار النبي ﷺ صديق طفولته قبل الإسلام، وكذا اختار النبي ﷺ أبا بكر صاحبا وصديقا.
فما الذي وجده ﷺ في أبي بكر حتى يختاره من بُدِّ فتيان قريش ورجالاتها؟
فلم يكن أشرفهم نسبا، ولم يكن من أكثرهم، وكان ﷺ ابن أسياد قريش، من بني هاشم، وكان أبو بكر بن قحافة من بين تَيمٍ الذين قيل فيهم:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم•• ولا يستأمرون وهم شهود.
توطدت العلاقة بين الصديقين، فكانت علاقتهما أعظم من جميع العلائق، والرابطة بينهما أقوى من جميع الروابط.
محمد ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه، لله درُّ تلك الصحبة! لله ما أحلاها وما أبهاها، وما أزكاها.
ثم أتى الإسلام فزادها جمالا إلى جمالها
لما بُعث النبي ﷺ تحولت علاقة الصحبة والمحبة بين الرجلين إلى طور آخر، حيث أصبحت العلاقة بين تابع ومتبوع، بين نبي وصاحب، فهم أصدقاء، وشركاء هَمٍّ ورسالة ومصير واحد.
يصف ﷺ تلك العلاقة في نهاية المشوار فيقول: "إن من أمنِّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر" [البخاري]
وقال: "لو كنت متخذا خَلِيلا لاتخذت أبا بكر خَلِيلا"، وقال: "فهل أنتم تاركو لي صاحبي".
ويصف أثره على الدعوة، وهو أمر يتجاوز الصحبة والصداقة "قلتم كذب وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله"
وقال له (لا تحزن)، وجعله أمين هجرته ومستودع أسراره وكاتم همومه.
كان الصحابه يتطلعون لمعرفة ما عند الصدِّيق من أخبار عن رسولهم وحبيبهم ﷺ ، وكان أبو بكر كثير الصمت، فكانوا يتحينون لذلك الفرص.
يقول البراء بن عازب: اشترى أبو بكر من أبي رَحلا. ثم قال: مُر البراء فليحمل إليَّ رحلي. فقال أبي: لا! حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله ﷺ حين خرجتما من
مكة.
فأخبرهم بالخبر، وفيه أنه استدعى راعيا، فطلب منه أن ينفض الغبار من ضرع الشاة، ثم ينفض يديه، وضرب بإحدى يديه على الأخرى، وكان معه إداوة على خمها خرقة، أعدها خاصة للرسول ﷺ، فبرَّد اللبن، ثم ذهب ينتظر على رأس رسول الله حتى استيقظ. ثم قال كلمة عجيبة:
يقول: "فشَرِب رسول الله ﷺ حتى رَضِيت" [خ]. ومن عادة المضيف أنه لا يرضى بأكل الضيف. ولكن رسول ﷺ أرضى أبا بكر بشربه.
••
كان قحافة -والد أبا بكر- يعرف نقطة ضعف ابنه -وهي في الحقيقة نقطة قوة- وهي أنه يضحي بنفسه وماله وأهله في سبيل الدعوة.
لما سمع بمهاجَرهم فَزِع يتفقد بُنيّاته
أسماء، وعائشة،. وكان على يقين أن أباهم لم يترك لهم شيئا، لمعرفته بابنه،وكان ما ظنه حقا! فطيَّبت خاطره أسماء بصُرة فيها حجر، فقال: لم يضيعكم من ترك لكم هذا!
يقول عمر: ليلة من ليالي آل أبي بكر خير من آل الخطاب! يعني هذه الليلة.
وكان أبو بكر خبيرا برسول الله ﷺ، عالما، فقيها، يفتي في حضرته.
وكانت بينهما حالة وجدانية ومشاعر أخوية تتجاوز كل حد، كيف لا وهو صديقه قبل البعثة وبعدها، صديقه في مراتع الصبا وريعان الشباب.
كانا يفهمان بعضهما جيدا.
أتى أبو بكر مرة فقال ﷺ : أما صاحبكم غامر.
ورأى أبو بكر وجه النبي
فقال: يا رسول الله لقد كنت أظلم، وجثا على ركبتيه.
ووقف مرة رسول الله ﷺ على المنبر فأخبرهم عن رجل خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فأجهش أبو بكر بالبكاء ويقول: نفديك يا رسول الله بأنفسنا. يقول أبو سعيد الخدري: فعجبنا لبكائه. ثم قال: وكان أبو بكر أعلمنا.
كان ﷺ ينعى نفسه إليهم فما تفطن لهذا إلا قلب أبي بكر.
عِلاقة حب لجّ في سنن الصبيِّ •• فأبلى وما يزداد إلا تجددا.
وكان رحيما برسول الله ﷺ ، يعينه على حمل الأمانه، ويشاركه ثقل الرسالة، ويجترئ على أمور لا يجرؤ عليها غيره.
لما دعا ﷺفي غزوة بدر حتى جثا، وسقط رداءه، أشفق عليه، وأعاد له رداءه واحتضنه وهو يبكي:حسبك يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك!
وأعظم ما وقع بين الصديقين تلك الحادثة الموجعة، وَقْعَة الإفك الذي رُمَيت به فلذة كبد الصدِّيق وبَضعته، وحبيبة الحبيب ﷺ، فكان يتفطر قلبه لابنته التي يراها تذوي بين يديه، حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها، ويتفطر لصديقه الحميم ونبيه، وهو يراه مهموما مغموما لهذا الحدث الجلل، حتى فكر في
مفارقة أهله، فما راجعه أبو بكر بكلمه، وما حرض ابنته بكلمه، حتى إذا دنت الساعة وحانت لحظة المصارحة، قالت عائشة: أبي، أجب رسول الله، فأدار بوجهه وقال: والله ما أدري ما أجيب رسول الله!
فإذا الوحي ينزل!
••
أنفق أبو بكر ماله كاملا مرات ومرات في سبيل الله.
كان أفقه الصحابه على الإطلاق، وأفتى في مسائل انفرد بعلمها، والعلم أن تختص بمعرفة ما يجهله الآخرون.
••
ثم أدى آخر حقوق حبيبه وصديقه ﷺ حين قبض على جمرة فؤاده، وكتم أحزانه -أو أجلها- حين كشف الثوب عن وجه حبيبه ورفيقه، وقبله بين عينيه وهو يبكي وقال: "بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع
الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مُتها". [خ]
ثم خرج على الناس وهدأهم وقام بما كان يُظن بمثله القيام به.
وكان رفيق الحبيب قبل البعثة وبعدها، في الحياة وبعد الممات، في الدنيا والآخرة.
ما من شخص تمنيت بإلحاح أن يكتب مذكراته الشخصية كأبي بكر الصدَّيق رضي الله عنه.
كان ﷺ كثيرا ما يتحدث إلى أبي بكر، وكان أبو بكر يحدث النبي ﷺ كثيرا، ماذا كانا يقولان؟
ما هي أحساسيهم، وهموهم، وأخبارهم، وقصصهم وطرائفهم، كيف كانا يقضيان أوقاتهم.
ستكون أعظم سيرة، فهي سيرة الصديق
ويصف فيها صديق روحه محمد ﷺ .
وأنَّا يكون ذلك وهم قد تجردوا من ذواتهم.
وهو أمر لا يترتب عليه تشريع، فدين الله تام، ولا يزيد شيئا في هدي المصطفى، فكل ما يتعلق به مدون. ولكنه شيء، حاجة في نفسي، أود لو اسمع لأبي بكر.
لعلي ألتقيه وصاحبه في الجنة، سأكثر عليه السؤال.لا حرمكم رفقتنا.

جاري تحميل الاقتراحات...